تمكَّن فريق بحثي من تصحيح شكل الجمجمة وعلاج عجز التعلُّم والذاكرة، لدى صغار الفئران المصابة بتَعَظُّمِ الدُّروزِ الباكِر، بواسطة العلاج القائم على الخلايا الجذعية.

وتَعَظُّمُ الدُّروزِ الباكِر هو عيب خِلْقي شائع، يتسبب في إغلاق مُبكر أو الْتحام لواحد أو أكثر من المفاصل الليفية الموجودة بين عظام جمجمة الطفل (الدُّروز القحفية)، قبل النمو الكامل لدماغه، ويستمر نمو الدماغ، ما يُعطي مظهرًا مشوَّهًا، وهي حالة تُصيب طفلًا من كل 2500 طفل في الولايات المتحدة، وفق مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة الأمريكية.

وأوضحت الدراسة، التي يدعمها المعهد الوطني لأبحاث طب الأسنان والوجه القحفي (NIDCR)، أن العلاج الحالي الوحيد لهذه الحالة هو الجراحة المعقدة خلال السنة الأولى من عُمر الطفل، لكن عيوب الجمجمة غالبًا ما تعود بعد ذلك.

وأضافت الدراسة التي نشرتها دورية "سيل" (Cell)، أن نتائجها يمكن أن تمهد الطريق لعلاجات أكثر فاعليةً وأقل تدخلًا للأطفال الذين يعانون من تَعَظُّمُ الدُّروزِ الباكِر؛ لأنها تركز على التجديد الهيكلي واستعادة وظائف الدماغ لدى الفئران، ما يفتح الباب أمام إمكانية تطبيق ذلك العلاج على البشر.

ووفق الدراسة، يولد الأطفال الأصحاء بخيوط -نسيج مرن يملأ الفراغ بين عظام الجمجمة- تسمح للجمجمة بالتوسع مع نمو الدماغ بسرعة في السنوات القليلة الأولى من الحياة، لكن في حال الإصابة بتَعَظُّمِ الدُّروزِ الباكِر، تتحول واحدة أو أكثر من تلك الخيوط إلى عظم في وقت مبكر جدًّا، ما يؤدي إلى سد الفجوة بين ألواح الجمجمة ويؤدي إلى نمو غير طبيعي بالجمجمة، وينجم عن ذلك تغيُّرات جسدية في الدماغ تقود إلى مشكلات في التفكير والتعلم.

يقول يانج تشاي -الباحث في علم الأحياء الجزيئي، وقائد فريق البحث- في تصريحات لـ"للعلم": لم يتم استكشاف العلاقة بين التغيرات في الجمجمة وتطور العجز المعرفي بشكل كامل، لذلك أردنا معرفة ما إذا كان تجديد الخيوط يمكن أن يحسِّن الوظيفة الإدراكية العصبية لدى الفئران التي لديها طفرات في الجين الذي يسبب تعظُّمَ الدُّروزِ الباكِر في كلٍّ من الفئران والبشر.

يضيف "تشاي" أن الجين المسمى (Twist1) مسؤول عن تشكيل الخيوط في أثناء النمو لدى في البشر، ويمكن أن تؤدي الطفرات في هذا الجين إلى متلازمة تسمى "ساثري- تشوتزين" (Saethre-Chotzen)، وهي حالة وراثية مرتبطة بتَعَظُّمِ الدُّروزِ الباكِر وتشوهات هيكلية أخرى في الجمجمة، وهذا يؤثر على شكل الرأس والوجه، ويؤدي إلى تكوين رأس مخروطي الشكل ووجه غير متماثل.

ولمعرفة ما إذا كان من الممكن استعادة الخيوط المرنة في الفئران المصابة بتَعَظُّمُ الدُّروزِ الباكِر الناجم عن طفرات (Twist1)، ركّز الباحثون على مجموعة من الخلايا الجذعية الموجودة عادةً في الخيوط بالجمجمة غير المصابة بهذا العيب وتُدعى (Gli1+).

وأشارت دراسات سابقة أجراها الفريق (ذاته) إلى أن تلك الخلايا هي مفتاح الحفاظ على خيوط الجمجمة لدى الفئران الصغيرة غير المصابة بتَعَظُّمِ الدُّروزِ الباكِر، كما وجدوا أن تلك الخلايا مستنفدة من خيوط الفئران المصابة بتَعَظُّمِ الدُّروزِ الباكِر، لذا استنتجوا أن الخلايا الجذعية قد تساعد في تجدُّد الخيوط المرنة لدى الحيوانات المصابة.

وفي دراستهم الجديدة، عندما أخذوا خلايا (Gli1+) المأخوذة من فئران سليمة، ووضعوها في الفئران المصابة وجدوا أنها نجحت في تدعيم تجدُّد الخيوط المرنة في الجمجمة.

وأظهر تصوير الجمجمة وتحليل الأنسجة الذي أُجري للفئران بعد 6 أظهر من تلقِّي العلاج، أن خيوطًا ليفية جديدة تشكّلت في المناطق المعالجة، وأن الأنسجة الجديدة ظلت سليمة حتى بعد عام من العلاج، في المقابل، أغلقت الأخاديد نفسها في الفئران التي تلقت هلامًا وهميًّا لا يحتوي على خلايا (Gli1+).

وأظهرت تجارب أخرى أن الفئران غير المعالَجة زاد الضغط داخل جماجمها وأصيبت بضعف الأداء في اختبارات الذاكرة الاجتماعية والمكانية والتعلُّم الحركي، وبعد تلقِّي العلاج، عادت جميع هذه الوظائف إلى المستويات النموذجية للفئران السليمة، وتم أيضًا تصحيح أشكال جمجمة الفئران المعالجة جزئيًّا.

يقول "تشاي": وجدنا أن الخلايا الجذعية تقدم حلًّا بيولوجيًّا لمرضى تَعَظُّم الدُّروزِ الباكِر عبر تجدُّد الخيوط المرنة، لقد اكتشفنا أن هذا العلاج لا يُعيد شكل الجمجمة وحسب، بل يعيد أيضًا الوظائف المعرفية العصبية لدى الفئران التي تعاني من هذا العيب الخلقي.

وأشار إلى أنه لا يزال هناك المزيد من العمل قبل أن يتم اختبار مثل هذا التدخل على البشر، ويتضمن ذلك دراسات لتحديد التوقيت الأمثل للجراحة والمصدر المثالي وكمية الخلايا الجذعية المطلوبة لهذا العلاج.

وعن الخطوات المستقبلية، اختتم حديثه قائلًا: سنبحث ما إذا كان هذا النهج يعطي النتائج نفسها مع عدد أكبر من الفئران المصابة، ومن ثم سنخطط لإجراء دراسات سريرية على البشر.