تمثل التأثيرات السلبية اللاحقة لعدوى "كوفيد-19" تهديدًا لصحة المرضى فيما يُعرف بمتلازمة "كوفيد طويل الأمد"؛ إذ كشفت دراسة سابقة أُجريت في شهر ديسمبر الماضي أن المرضى الذين تم نقلهم إلى المستشفى بسبب "كوفيد-19" الحاد وتعافوا، يتعرضون لخطر الوفاة في العام التالي للإصابة بمقدار أكثر من الضعف، مقارنةً بالأشخاص الذين عانوا من أعراض خفيفة أو معتدلة فقط ولم يدخلوا إلى المستشفى، أو الذين لم يصبهم المرض.

وفي السياق، أظهرت دراسة حديثة أجراها الفريق ذاته ونشرتها دورية "فرونتيرز إن ميديسن" (Frontiers in Medicine)، ولأول مرة، أن من بين المرضى الذين تم نقلهم إلى المستشفى للعلاج من آثار "كوفيد-19" والذين تعافوا على ما يبدو، فإن الالتهاب الشديد، الناتج عن مقاومة الجهاز المناعي للعدوى، كان عامل خطر للوفاة في غضون عام واحد.

والالتهاب هو جزءٌ طبيعي من الاستجابة المناعية للجسم التي تتطور لمحاربة العدوى، لكن في بعض الأمراض -ومن ضمنها "كوفيد-19"- قد تتجاوز هذه الاستجابة مداها، مسببةً المزيد من الضرر.

يوضح آرتش جي ماينوس -نائب رئيس الأبحاث في قسم صحة المجتمع وطب الأسرة في جامعة فلوريدا، وقائد فريق البحث- أن "كوفيد-19 يتسبب في حدوث التهاب، خاصةً خلال النوبة الحادة الأولى، لكن بحثنا يُظهر أنه كلما كان الالتهاب أقوى في أثناء الاستشفاء، زاد احتمال وفاة المريض في غضون 12 شهرًا بعد التعافي على ما يبدو من المرض".

يقول "ماينوس" في تصريحات لـ"للعلم": تساعد هذه الدراسة في توضيح سبب تعرُّض الأشخاص الذين يُنقلون إلى المستشفى نتيجة مضاعفات "كوفيد-19" لخطر الموت بعد تعافيهم، ويُعد الالتهاب في العديد من أجهزة الأعضاء المختلفة سمةً مميزة لعدوى "كوفيد-19".

ويتابع: دراستنا هي الأولى، على حد علمنا، التي تفحص آليةً فعليةً لسبب تعرُّض المرضى الذين يتعافون من المرض بعد دخول المستشفى لخطر الموت المتزايد في الأشهر الـ12 المقبلة، لقد أظهرنا أن الالتهاب الشديد في أثناء عدوى "كوفيد-19" بالمستشفى مرتبطٌ بزيادة خطر الوفاة بعد الشفاء.

وللوصول إلى نتائج الدراسة، درس الفريق السجلات الصحية لـ1207 من البالغين الذين تم نقلهم إلى المستشفى خلال 2020 و2021 للعلاج من "كوفيد-19" داخل النظام الصحي بجامعة فلوريدا، وتمت متابعتهم لمدة عام على الأقل بعد الخروج من المستشفى.

وكدليل على شدة الالتهاب الجهازي في أثناء الاستشفاء، استخدم الفريق مقياسًا شائعًا وموثوقًا، وهو تحليل يقيس تركيز بروتين سي التفاعلي في الدم (CRP)، وهو بروتين يفرزه الكبد استجابةً لإشارة من الخلايا المناعية النشطة عند تعرُّض الجسم لبعض أنواع الالتهابات المختلفة، وفق الدراسة.

ووجد الباحثون أن المرضى الذين لديهم مستويات مرتفعة من بروتين سي التفاعلي في الدم في أثناء إقامتهم في المستشفى، تعرضوا لخطر أكبر بنسبة 61٪ للوفاة لأي سبب خلال عام واحد من الخروج من المستشفى، مقارنةً بالمرضى الذين كانت لديهم مستوياتٌ منخفضةٌ منه.

يقول "ماينوس": كثيرٌ من الأمراض المعدية يصاحبها زيادة في الالتهاب، وفي معظم الأحيان يكون الالتهاب مركّزًا بمكان الإصابة، لكن كوفيد-19 يختلف لأنه يتسبب في حدوث التهاب في العديد من الأماكن إلى جانب الشعب الهوائية، مثل القلب والدماغ والكلى على سبيل المثال، ويمكن أن تؤدي درجات الالتهاب العالية إلى تلف الأنسجة.

لكن النتيجة الأكثر وضوحًا، أن الدراسة كشفت أن خطر الوفاة لأي سبب مرتبط بالالتهاب الحاد انخفض مرةً أخرى بنسبة 51٪ حين وُصفت للمريض أدوية "الستيرويدات" المضادة للالتهابات بعد دخوله إلى المستشفى.

و"الستيرويدات" هي أدوية تقلل من نشاط جهاز المناعة، وهو الدفاع الطبيعي للجسم ضد المرض والعدوى، ويمكن أن تساعد في علاج أمراض المناعة الذاتية، مثل التهاب المفاصل التي تسببها أخطاء الجهاز المناعي.

وتعني هذه النتائج، وفق الفريق، أن شدة الالتهاب في أثناء الاستشفاء من "كوفيد-19" يمكن أن تتنبأ بخطر حدوث مشكلات صحية خطيرة لاحقة، تتضمن الوفاة نتيجة "كوفيد طويل الأمد".

ويشير الباحثون أيضًا إلى أن التوصيات الحالية لأفضل الممارسات قد تحتاج إلى تغيير، لتشمل وصفاتٍ أكثر انتشارًا لـ"الستيرويدات" التي يتم تناوُلها عن طريق الفم لمرضى "كوفيد-19" عند خروجهم من المستشفى بعد التعافي.

ويقترح الفريق اعتبار "كوفيد-19" مرضًا مزمنًا محتملًا، مضيفين: "عندما يصاب شخصٌ ما بنزلة برد أو حتى التهاب رئوي، عادةً ما نفكر في أن المرض قد انتهى بمجرد أن يتعافى المريض، ويختلف هذا عن مرض مزمن مثل قصور القلب الاحتقاني أو مرض السكري، الذي يستمر في التأثير على المرضى بعد نوبة حادة، قد نحتاج بالمثل إلى البدء في التفكير في كوفيد-19 على أن له تأثيراتٍ مستمرةً في أجزاء كثيرة من الجسم بعد تعافي المرضى من العدوى".

وعن خطواتهم المستقبلية، يشير "ماينوس" إلى أن الفريق يخطط لإجراء تجربة سريرية بغية معرفة تأثير الأدوية المضادة للالتهابات، كوسيلة للوقاية من التأثيرات اللاحقة لـ"كوفيد-19"، وأبرزها الوفاة بعد التعافي من النوبة الأولى.