منذ ثمانينيات القرن الماضي، يحتفظ علماء معاهد الصحة الوطنية الأمريكية بعينات براز للأشخاص الذين أصيبوا بفيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة "الإيدز" من أجل فحصها، وطيلة السنوات الماضية، كلف الاحتفاظ بتلك العينات أموالًا باهظة، وفق ما يقول "تشارلز رينالدو"، أستاذ الأمراض المُعدية في جامعة "بيتسبرج" الأمريكية.

إلا أن تلك الأموال "لم تذهب سدى"، كما يقول "رينالدو"، الذي اكتشف فريقه البحثي سرًّا جديدًا كان محفوظًا في البراز لمدة أربعة عقود، في تصريحاته لـ"للعلم".

فقد أظهر بحثٌ جديدٌ أُجريَ على براز هؤلاء الذين أصيبوا بفيروس نقص المناعة المكتسبة في الأيام الأولى لوباء الإيدز أنهم عانوا من وفرة نسبية أكبر في الميكروبات المعوية المُسببة للالتهابات قبل أن يصبحوا مُصابين بالفيروس المُسبب لنقص المناعة البشرية، مُقارنةً بنظرائهم الذين ظلوا غير مُصابين بالإيدز.

ووفق الدراسة التي نشرتها مجلة "ميكروبيوم" (Microbiome)، فإن الرجال الذين طوروا أعراض الإيدز على نحوٍ أسرع كانت لديهم تركيبة ميكروبيوم الأمعاء الأقل ملاءمة.

هذه الدراسة، التي استُخدمت فيها عينات المرضى المحفوظة منذ بداية جائحة فيروس نقص المناعة البشرية في أوائل الثمانينيات، تُعَدُّ الأولى التي تربط تكوين ميكروبيوم الأمعاء قبل الإصابة بقابلية فيروس نقص المناعة البشرية وتطوُّره.

يشير الباحثون إلى أن "هناك شيئًا ما يحدث في الأمعاء لهؤلاء الرجال قبل أن يصابوا بفيروس نقص المناعة البشرية يختلف عن الرجال الذين لم يصبهم الفيروس؛ إذ إنهم لم يكونوا معرضين لمخاطر أكبر للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية فحسب، ولكن بمجرد إصابتهم بفيروس نقص المناعة البشرية، كانوا أيضًا أكثر تعرضًا للإصابة بأعراض المرض وتطويره على نحوٍ أسرع، مقارنةً بالأشخاص الذين لديهم ميكروبيوم أكثر طبيعية".

ويساعد هذا الاكتشاف على فهم السبب الكامن وراء تعرُّض الرجال للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية قبل الحصول على الأدوية المضادة للفيروسات من أجل السيطرة على الفيروس، ويمكن أيضًا أن يكون له تداعيات على علاج المرض أو حتى الوقاية منه، وفق الدراسة.

عمل العلماء على تحليل عينات البراز والدم التي تم التبرع بها ابتداءً من ربيع عام 1984، أي قبل أشهر من اكتشاف مسؤولية فيروس نقص المناعة البشرية عن الإصابة بمرض الإيدز،

وجُمعت العينات من رجال مثليين مسجلين في "دراسة الأتراب متعددة المراكز لمكافحة الإيدز" (MACS)، الممولة من معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، والتي لديها أربعة مواقع في الولايات المتحدة الأمريكية، من ضمنها موقع في بيتسبرج، وتشمل تلك الدراسة أكثر من 7000 رجل ما بين مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية وغير مصابين به، ويتم جمع البيانات البيولوجية والسلوكية الخاصة بالمشاركين كل ستة أشهر.

في ذلك الوقت، كان الإيدز يقتل أصدقاء المشاركين، لكن العلماء لم يعرفوا السبب، لذلك جمع الباحثون عينات من البراز من المتطوعين كل ستة أشهر في محاولة للعثور على سبب، وبمجرد اكتشاف فيروس نقص المناعة البشرية، توقفوا عن جمع هذه العينات، ولكن بدلًا من التخلُّص منها عمل الفريق على تجميدها وتخزينها في مستودع بيولوجي.

في عام 2017، كان "رينالدو" يناقش أمر الحفاظ على ذلك المستودع الحيوي مع الباحث "شيامال بيدادا"، الذي كان حينها رئيسًا لقسم الإحصاء الحيوي في مدرسة الصحة العامة في جامعة "بيتسبرج" ولديه الخبرة في التعامل مع ميكروبيوم الأمعاء، في ذلك الوقت، ربطت مجموعة جديدة ومتنامية من الأبحاث ميكروبيوم الأمعاء بالاستجابة المناعية.

يقول الباحثون إن "نظام المستودعات الحيوية -لحسن الحظ- احتفظ بكنز دفين من العينات؛ فقد تقدم العلم لدرجة أنه يمكننا الآن إعادة النظر في هذا المستودع الحيوي لمعرفة ما كان يحدث في الميكروبيوم والجهاز المناعي للرجال قبل الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية وبعدها".

حصل الفريق البحثي على عينات محفوظة من الدم والبراز من 265 مشاركًا لم يكونوا مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية عندما التحقوا بالدراسة، ومن بين المشاركين، أصيب 109 بالفيروس في تلك السنة الأولى، ولم يُصب الباقون.

باستخدام تلك العينات، حدد الباحثون فصائل الميكروبات التي كانت تعيش في أمعاء المشاركين وأنواعها، وكيف اختلفت وفرة هذه الميكروبات بين العينات.

كان لدى المشاركين الذين أُصيبوا بفيروس نقص المناعة البشرية وفرة نسبية أكبر من بكتيريا "بريفوتيلا"، وهي بكتيريا سالبة الجرام تحرِّض على الالتهاب، ومستويات أقل من أربعة أنواع من البكتيريا المعروفة بمشاركتها في الاستجابة المناعية.

في الوقت ذاته، كان الباحثون يحققون أيضًا في علامات الالتهاب في دم المشاركين، ووجدوا أن المشاركين الذين أصيبوا في النهاية بفيروس نقص المناعة البشرية لديهم مستويات أعلى من الالتهاب قبل العدوى مقارنةً بنظرائهم الذين لم يصبهم فيروس نقص المناعة البشرية.

ويعتقد العلماء أن ميكروبيوم الأمعاء كان يؤدي إلى تفاقُم الاستجابة المناعية وتعزيز الالتهاب، مما يجعل الرجال الذين يعانون من تغيرات في ميكروبيوم الأمعاء أكثر تعرضًا للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية وأقل قدرةً على منع المرض من التقدم في وقت ما قبل وجود العلاج المضاد للفيروسات الرجعية.

ويشير العلماء إلى أن هناك حاجة إلى مزيد من البحث قبل استخدام النتائج لصياغة إرشادات محددة للأشخاص الذين يتطلعون إلى تحسين الميكروبيوم لمنع اكتساب فيروس نقص المناعة البشرية.

وردًّا على سؤال لمجلة "للعلم" حول احتمالية استخدام البراز للتنبؤ بالإصابة بالإيدز، يقول "رينالدو" إن هذا السؤال مثيرٌ للاهتمام؛ إذ نأمل أن تحفز النتائج مزيدًا من البحث في ذلك الاتجاه.

يقول "رينالدو": تنضم هذه الدراسة إلى المجموعة المتنامية من الأبحاث التي تربط الميكروبيوم بالاستجابة المناعية من حيث محاربة مسببات الأمراض، وتساعدنا على فهم السبب الكامن وراء قابلية الرجال للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية قبل أن نحصل على الأدوية المضادة للفيروسات للسيطرة على الفيروس، ويمكن أن يكون لها أيضًا آثارٌ للوقاية من المرض، والأمر الأكثر إثارةً للانتباه أن الدراسة تكشف أهمية دعم الاستكشاف العلمي؛ إذ إننا لم نكن نعلم أن العينات التي كنا نحتفظ بها ستنتج هذه الأفكار القيمة بعد أربعة عقود تقريبًا.