قبل نحو عامين، كان أستاذ الكيمياء التطبيقية بجامعة مدينة هونج كونج، فينج شيلي، يتنزه في حديقة المحيط الواقعة في المنطقة الجنوبية من هونج كونج، تشتهر تلك الحديقة بكونها متنزهًا مائيًّا في الأساس، وتقع على مساحة تبلغ نحو 226 فدانًا كاملة، وتضم أكبر قبة مائية في العالم، كما ينتشر فيها نوعٌ من الأشجار يُسمى بـ"أراوكاريا".

تتميز تلك الأشجار بكونها مستديمة الخضرة مخروطية الشكل، كما تمتاز بقامتها الممتدة، التي قد تبلغ في بعض الأحيان 80 مترًا، وتتكون أوراقها من سقالات مرتبة بشكل دوري تميل نحو طرف الورقة المدبب، وبينما يستمتع "شيلي" بالتنزه، لفت انتباهه أحد أغصان تلك الشجرة.

كان الغُصن على الأرض، انحنى "شيلي" وأمسك به ونظر إلى ترتيب الأوراق، لاحظ انحناءها ودرس بعينيه تصميمها البديع، في كل ورقة عشرات من السقالات، لكل سقالة شكلٌ انحنائيٌّ على سطحها العلوي، أما السفلي فيبدو مسطحًا نسبيًّا، وضع "شيلي" الورقة بعناية في حقيبة ظهره، وفي اليوم التالي قرر دراستها ليكتشف مفاجأةً من نوع خاص.

تناقض صارخ

ففي تناقض صارخ مع الفهم التقليدي لكيفية تحرك السوائل على الأسطح المختلفة، أظهر "شيلي" وزملاؤه أن السوائل المختلفة تتحرك في اتجاهات مختلفة على سطح ورقة "الأراوكاريا"، فمثلًا، حين يضع الباحثون ماءً على سطح الورقة، يتحرك إلى أعلى الورقة في اتجاه منبتها، أما الإيثانول فيتحرك إلى أسفل الورقة في اتجاه طرفها.

وهذا يعني أن تصميم ورقة ذلك النبات يُكسبه القدرة على توجيه انتشار السوائل المختلفة المتحركة على السطح نفسه، وهو اكتشافٌ يمثل اختراقًا كبيرًا للغاية في فهم التفاعلات بين السوائل والأجسام الصلبة، وستكون له آثارٌ عميقة على مجموعة كاملة من السياقات العلمية والصناعية، مثل تصميم أنابيب تدفق السوائل، ومعدات تعزيز نقل الحرارة كتلك المستخدمة في محطات توليد الطاقة.

بشكل تقليدي، يعرف العلماء أن السائل المتحرك على سطحٍ ما يميل إلى الحركة في الاتجاهات التي تُقلل من طاقة السطح، هذا يعني أن اتجاه نقل السوائل يتم تحديده بشكل أساسي من خلال بنية السطح، وليس له أيّ علاقة بخصائص السائل، كالتوتر السطحي على سبيل المثال.

إلا أن فريق البحث وجد أن السوائل ذات التوترات السطحية المختلفة تُظهر اتجاهاتٍ معاكسةً للانتشار على ورق نبات الأراوكاريا، في تناقض صارخ مع الفهم التقليدي.

التوتر السطحي للسائل

لتبسيط الأمر، تخيل حركة سريان الماء على سطح المنضدة، الطبيعي -والمعروف- أن يتحرك الماء في اتجاه المقاومة الأقل، فإذا ما كانت المنضدة مائلة، سيتحرك في اتجاه الميل، أما إذا ما كانت مستويةً فسيتحرك في الاتجاه الذي يقلل من الطاقة الناجمة عن احتكاك سطح المنضدة بقطرات الماء، إذا ما استبدلنا بالماء مائعًا آخر -كالكحول أو عصير الطماطم أو البنزين أو الدم- فستتحرك تلك السوائل في الاتجاه نفسه، اعتمادًا على طبيعة السطح وتصميمه وشكله.

لكن الأمر ليس بتلك البساطة حين يتعلق بأوراق نبات الأراوكاريا.

فقد اكتشف العلماء في جامعة مدينة هونج كونج أنه يمكن توجيه انتشار السوائل المختلفة على السطح نفسه؛ فسلوك انتقال السوائل على أوراق الأراوكاريا يختلف وفقًا لاختلاف أنواعها، هذا يعني أن تلك الورقة ليست مثل المنضدة حين يتعلق الأمر بنقل سوائل مختلفة.

والأراوكاريا نوعٌ من الأشجار مشهور في تصميم الحدائق، تتكون أوراقها من سقالات مرتبة بشكل دوري تميل نحو طرف الورقة، كل سقالة لها طرف، مع انحناء عرضي وطولي على سطحها العلوي وسطح سفلي مسطح نسبيًّا وسلس، وقد اكتشف الباحثون أن بنية الأوراق الخاصة بذلك النبات تسمح للسائل بالانتشار في اتجاهات مختلفة اعتمادًا على توتره السطحي، وليس خصائص السطح فحسب.

من خلال محاكاة هيكلها الطبيعي، صمم الفريق سطحًا مستوحى من أوراق الأراوكاريا، بمقاييس ثلاثية الأبعاد بحجم ملليمتر تسمح للسوائل بالحركة بواسطة الخاصية الشعرية داخل المستوى السطحي وخارجه.

تصف الخاصية الشعرية قدرة السائل على التحرك ضد قوانين الجاذبية الأرضية، أي من أسفل إلى أعلى، وتعتمد تلك الخاصية على التوتر السطحي للسائل، الذي يُعرف بكونه تماسُك جزيئات سطح السائل اعتمادًا على كثافته ودرجة حرارته.

يقول المؤلف المشارك في الدراسة، وانج زوانكاي، في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن تلك الدراسة المنشورة في دورية ساينس العلمية نجحت في تحقيق تحكم كامل في عملية توجيه السوائل في الاتجاهات المطلوبة بشكل سلبي -أي دون استخدام أي قوى خارجية كمضخة- وهذا يعني إمكانية تصميم أسطح تنتشر خلالها السوائل في الاتجاه المرغوب فيه، بشكل ثلاثي الأبعاد، ذلك الانتشار يُمكن أن يكون مصحوبًا أيضًا بالدفع الذاتي للسوائل وسرعات تدفقها العالية.

الطباعة ثلاثية الأبعاد

قام الباحثون بتصميم أنابيب من البوليمر -اللدائن المرنة- لها ما للورقة من الخصائص الفيزيائية ومستوحاة من تراتبية سقالات الورقة باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، ووجدوا أن هياكل السقالات داخل تلك الأنابيب وحجمها، وخاصةً عند هيكل الدخول عند طرف السقالة، والتباعد من طرف إلى طرف بين السقالة، وزاوية إمالتها، كلها عوامل ضرورية للتوجيه الاتجاهي السائل، لكنها ليست العوامل الوحيدة.

فبالنسبة للسوائل ذات التوتر السطحي العالي، مثل الماء، اكتشف فريق البحث أن أحد حدود السائل "مثبت" في طرف السقالة ثلاثية الأبعاد، نظرًا إلى أن التباعد من طرف إلى طرف للسقالة يمكن مقارنته بطول الشعيرات الدموية (ملليمتر) للسائل، يمكن للسائل أن يتراجع عكس اتجاه إمالة السقالة، في المقابل، بالنسبة للسوائل ذات التوتر السطحي المنخفض، مثل الإيثانول، يعمل التوتر السطحي كقوة دافعة، ويسمح للسائل بالتحرك للأمام على طول اتجاه إمالة السقالة.

للتبسيط، إذا ما كان لدينا أنبوبة مُستوحى تصميمها من أوراق نبات الأراوكاريا، وتمت إمالتها بزاوية مقدارها 30 درجة على سبيل المثال، ثم مُلئت بالماء، فلن يتحرك الماء في اتجاه الإمالة، بل سيتحرك في الاتجاه المعاكس، أما إذا وُضع الإيثانول في الأنبوبة نفسها، فسيتحرك في الاتجاهات المعتادة.

وهذا يعني أن العلماء قادرون على تصميم أنابيب شعرية جديدة تمكّن السائل من "تحديد" اتجاه انتشاره بناءً على التفاعُل بين التوتر السطحي وبنية السطح.

يقول "زوانكاي": إن الأمر أشبه بمعجزة مراقبة التدفقات الاتجاهية المختلفة للسوائل المختلفة؛ "فقد كانت هذه أول ملحوظة مسجلة في الميدان العلمي لاختلاف اتجاهات التدفقات".

الأكثر إثارةً للاهتمام هو أن تجارب العلماء أظهرت أن خليطًا من الماء والإيثانول يمكن أن يتدفق في اتجاهات مختلفة اعتمادًا على تركيز الإيثانول؛ إذ ينتشر الخليط الذي يحتوي على أقل من 10٪ من الإيثانول إلى الخلف عكس اتجاه إمالة الأنبوبة، بينما ينتشر خليط يحتوي على أكثر من 40٪ من الإيثانول في اتجاه إمالة الأنبوبة، كما تم نقل خليط من 10٪ إلى 40٪ من الإيثانول بشكل ثنائي الاتجاه في الوقت نفسه.

التوجيه الذكي لنقل السوائل

توفر النتائج التي توصل إليها الفريق البحثي إستراتيجيةً فعالةً للتوجيه الذكي لنقل السوائل إلى الوجهة المستهدفة، مما يفتح طريقًا جديدًا لنقل السوائل في العديد من التطبيقات، بدايةً من أنظمة التكييف المركزي، مرورًا بابتكار طُرق لتحسين نقل الحرارة لتبريد الكمبيوتر والإلكترونيات، ووصولًا إلى تبريد توربينات توليد الكهرباء في محطات القوى البخارية.

كما يتميز نظام التوجيه الاتجاهي للسوائل بالعديد من المزايا، مثل القدرة على النقل الجيد للسائل دون الحاجة إلى مصدر طاقة خارجي، والتحكم الكامل في الاتجاهات حتى مع المسافات الطويلة واعتمادًا على الدفع الذاتي، كما يمكن تصنيع ذلك النظام بسهولة من دون بنى دقيقة، ودون الحاجة إلى تصاميم نانوية معقدة.

تقول الباحثة في معهد الفيزياء التطبيقية التابع لجامعة "لنز" الألمانية، جيردا بوشبيرجر، لم تشارك في الدراسة: إن الورقة العلمية تُظهر أن "القوى المطلوبة لتوجيه السوائل لا تتوقف فقط على نوع السطح الذي يتحرك عليه المائع"، وبالتالي يُمكن أن يفتح ذلك الاكتشاف الباب أمام الكثير من التطبيقات التي تتطلب "النقل العفوي للسائل في اتجاهات مرغوبة دون الحاجة إلى توجيهه باستخدام قوى خارجية تؤثر عليه".

وتشير "بوشبيرجر" في تصريحاتها لـ"للعلم" إلى أن النقل الموجه للسوائل وفق الرغبة له العديد من التطبيقات المهمة، لا تقتصر تلك التطبيقات على الصناعة فحسب، بل يُمكننا استخدامها أيضًا في التطبيقات البيولوجية، خاصةً تلك التي تتعلق بأمراض القلب والأوعية الدموية، "دعنا نتخيل أنابيب شعرية تحل محل أوردتنا، ويُمكن زراعتها في الجسم والتحكم الكامل في تدفق الدم إلى الأجهزة الحيوية، مع ضمان عدم حدوث تدفقات معاكسة أو سكون للدم داخل الوريد الاصطناعي، ما سيقلل فرص حدوث الجلطات"، تعترف "بوشبيرجر" بأن ابتكار أوردة تعمل بتلك الطريقة أمرٌ لا يزال بعيد المنال، "لكن تبدأ الابتكارات الكبرى التي تُغير وجه البشرية بأفكارٍ مثل هذه".

يقول "زوانكاي": إن تلك الدراسة تكشف أمرًا شديد الأهمية؛ "فالتعرف على جمال الطبيعة أمرٌ ليس شاعريًّا فحسب، بل يُمكن أيضًا أن يُكسبنا مهارات عديدة لحل المشكلات العلمية وابتكار أدوات تُساعدنا في الحياة".