داخل أروقة كلية الطب بجامعة "سانت أندروز" الأسكتلندية، تعلم الشاب "جيمس بلاك" لأول مرة مباهج استبدال الدراسة الجادة والمنضبطة بأحلام اليقظة. تربى "بلاك" في كنف والده مهندس التعدين، كان الوالد متدينًا، علَّم أطفاله احترام الآخرين بالقدر نفسه الذي يحترمون به أنفسهم، كما غذى أرواحهم بحب الموسيقى، تلك الأصوات الساحرة التي تُخفض التوتر وتقلل الشعور بالإجهاد.

في عمر 64 عامًا، حصل "جيمس بلاك" على جائزة نوبل الطب في عام 1988؛ تقديرًا لابتكاره عقار "بروبرانولول". ذلك الدواء القادر على تهدئة توتر هؤلاء الذين لا تفلح الموسيقى أو أيٌّ من الوسائل المساعدة الأخرى في تهدئتهم. ينتمي ذلك العقار إلى مجموعة كبيرة من الأدوية التي تُعرف اليوم باسم "حاصرات بيتا"، والتي يستطيع بعضها منع مستقبِل الأدرينالين عن العمل.

والأدرينالين أحد الهرمونات التي ترتفع نسبتها في الدم عندما نتوتر، ويَزيدُ ذلك الهرمون من ضربات القلب، ويرفع ضغط الدم، ويُعزِّز إمدادات الطاقة، وإلى جانبه يعمل الكورتيزول -وهو هرمون الإجهاد الرئيسي- على زيادة مستوى السكريات في الدم، وتغيير ردود فعل جهازنا المناعي، وتثبيط وظائف الجهاز الهضمي والتناسلي مؤقتًا. كما قد تؤدي المستويات المفرطة من الهرمونين إلى الإصابة بالاكتئاب، وأمراض القلب، ومشكلات النوم، وضعف التركيز، وزيادة الوزن.

خلايا الورم الخاملة

والآن، تقول دراسة علمية جديدة نُشرت نتائجها في دورية "ساينس ترانسليشنال ميديسن" إن تلك الهرمونات قد تتسبب أيضًا في إيقاظ خلايا السرطان النائمة، وتدفعها إلى مهاجمة الجسم بشراسة أكبر، حتى بعد تمام الشفاء.

وتقترح الدراسة أيضًا حلًّا أظهر بعضًا من الفاعلية في فئران التجارب وبعض المرضى. إذ تُشير إلى "بلاك" الذي أعطى الموسيقى مكانًا مركزيًّا في حياته لقدرتها على خفض التوتر، والذي ابتكر أيضًا حاصرات بيتا القادرة على منع هرمونات الإجهاد والتوتر، وقد تساعد في حل المشكلة.. مشكلة التوتر التي توقظ خلايا السرطان النائمة.

 تُعد عودة السرطان بعد تمام الشفاء من الأورام الأولية أحد الأسباب الرئيسية للوفيات بين مرضى السرطان. تعود خلايا السرطان لمهاجمة الجسم بعد أن تنشط خلايا الورم الخاملة.

في الدراسة الأخيرة، وجد المؤلفون ارتباطًا بين زيادة مستويات هرمونات الإجهاد والتوتر من جهة وإعادة تنشيط الخلايا السرطانية من جهة أخرى. بشكل آخر، يُمكن القول إن التوتر يسهم بقوة في ارتداد السرطان، وفق كبير الباحثين في علوم المناعة والسرطان بشركة أسترازينيكا، ديمتري جابريلوفيتش، وهو المؤلف الرئيسي لتلك الدراسة، الذي يؤكد في تصريحات خاصة لـ"للعلم" أن الابتعاد عن التوتر سيسهم في الحد من احتمالات ارتداد السرطان للمرضى الناجين من السرطانات الأولية.

تقول الدراسة التي أُجريت على فئران التجارب، ودُمجت فيها بيانات مستقاة من 80 مريضًا بسرطان الرئة إن هرمونات الإجهاد والخلايا المناعية التي تُسمى "عدلات" قد تُسهم في عودة الأورام وارتدادها بعد سنوات من العلاج، عن طريق إيقاظ الخلايا السرطانية الكامنة.

تُساعد تلك الدراسة في الإجابة عن السؤال الدائم حول سبب عودة السرطان بعد فترة طويلة من علاجه سواء كيميائيًّا أو جراحيًّا. وتقول أيضًا إن استهداف هرمونات التوتر بالأدوية المعتمدة المعروفة باسم حاصرات بيتا يُمكن أن يساعد في منع عودة الأورام.

حاصرات مستقبلات بيتا هي عائلة كبيرة من الأدوية التي تؤثر على هرمون الأدرينالين. تتسبب تلك الأدوية في خفض عدد ضربات القلب، مما يُقلل من قوتها فتساعد على تحسين تدفُّق الدم في الشرايين.

وتُستخدم تلك الأدوية -شأنها شأن جميع الأدوية- تحت إشراف الأطباء بشكل حصري وكامل، ولا يجب أن تؤخذ دون وصفة طبية دقيقة، ولا يُمكن استخدام نتائج تلك الدراسة على الإطلاق في تناوُل حاصرات بيتا لمنع عودة الأورام السرطانية إلا في حالة الحصول على استشارة من طبيب متخصص في الأورام.

فحاصرات بيتا لا تعمل جيدًا في أعراقٍ مُعينة، ولا تُجدي نفعًا عند كبار السن حال استخدامها للعلاج من عدم انتظام ضربات القلب، أو النوبات القلبية، أو أنواع معينة من الشلل الرعاش.

تقول نتائج الدراسة إنه من غير الواضح بالضبط الآليات البيولوجية الكامنة وراء عودة الأورام السرطانية. إلا أن نتائج دراسات سابقة تُشير إلى أن الانتكاسة تحدث عندما تصبح خلايا الورم الخاملة -التي انتشرت في البداية خلال المراحل المبكرة من السرطان- نشطةً مرة أخرى.

لكن.. ما الذي يجعل فتنة تلك الخلايا النائمة تستيقظ من جديد؟

تشير تلك الدراسة إلى أن هرمونات التوتر مثل النوربينفرين (نُورأدرينالين) أعادت تنشيط خلايا سرطان الرئة والمبيض الخاملة عند فئران التجارب. فقد وجد العلماء أن تعريض الفئران لمواقف مرهقة أدى إلى ارتفاع مستويات هرمونات التوتر، مما تسبب في إطلاق العدلات لبروتين يُسمى S100A8/A9، كما تسبَّب في زيادة نسبة الجزيئات الدهنية التي دفعت الخلايا السرطانية إلى الاستيقاظ من السكون. في حين ظلت الخلايا السرطانية نائمةً لدى الفئران التي تعرَّضت للإجهاد وتلقت العلاج بحاصرات بيتا.

يوجد هرمون "النوربينفرين" بشكل طبيعي في الجسم. لكن، تتزايد مستويات تلك المادة الكيميائية في مجرى الدم عندما يكتشف الدماغ مستويات أعلى من الإجهاد. في تلك التجربة التي شملت نوعين من السرطان، وجد العلماء أن ارتفاع مستوى ذلك الهرمون أدى إلى تنشيط الخلايا المعروفة باسم العدلات، والتي تساعد في حماية الخلايا السرطانية من جهاز المناعة في الجسم. أدى تنشيط العدلات بدوره إلى إطلاق نوعٍ خاص من الدهون يوقظ الخلايا السرطانية من سباتها، على حد ما يقول "جابريلوفيتش"، الذي يُشير إلى أن التوتر "لم يوقظ الخلايا السرطانية فحسب، بل أمَّن وجودها بالعدلات".

يُكون التوتر "مثلثًا" من الأحداث القوية التي تنتهي بإيقاظ الخلايا السرطانية. الضلع الأول في المثلث هو الهرمون، أما الضلع الثاني فهو العدلات، في حين يتمثل الضلع الثالث في الدهون.

عودة دون أيّ إنذار

طيلة السنوات الماضية أحرز العلماء خطوات واسعة في علاج السرطان. ورغم شفاء بعض المرضى، إلا أن أجسادهم لا تتخلص تمامًا من جميع الخلايا السرطانية. فالعلاجات الكيميائية على سبيل المثال تُهاجم الخلايا سريعة النمو وتُسممها. في حين تترك الخلايا التي تنمو بشكلٍ طبيعي.

ولأن الخلايا السرطانية الخاملة لا تتكاثر ولا تنمو بشكل مفرط، تُصبح بمنأى عن هجوم الأدوية التقليدية. في بعض الأحيان، وتحت ظروف معينة، تنشط تلك الخلايا ويعود السرطان، دون أيّ إنذار، ودون إمكانية التنبؤ بموعد عودته.

ويُمكن أن يعاني المرضى في جميع أنواع السرطان من الانتكاسة. فبعض مريضات سرطان الثدي يُمكن أن يُعانينَ من عودة السرطان بعد 20 عامًا أو أكثر من التعافي، دون معرفة السبب الرئيسي وراء عودة الأورام.

تزعم الدراسة أن التوتر أحد تلك الأسباب.

لكن، كيف يُمكن أن تسهم العدلات -وهي جزء لا يتجزأ من جهاز مناعتنا- في عودة السرطان؟

يقول "جابريلوفيتش": إن العدلات مهمة في محاربة مُسببات الأمراض من الكائنات الحية الدقيقة كالبكتيريا والفيروسات. لكنَّ لها أيضًا وجهًا آخر!

ففي حالة الإصابة بالسرطان، ولسبب لا يزال مجهولًا، تقوم تلك العدلات بدعم نمو الأورام عبر منع الخلايا المناعية الأخرى من مهاجمتها. "بشكل ما.. السرطان هو خلية حية عادية لكنها مُفرطة في النمو.. يبدو أن العدلات تدافع عنها لكونها لا تستطيع التفرقة بين الخلايا عادية النمو والسرطانية مفرطة النمو.. وكأنها تقوم بمهمة حماية السرطان لكونه خليةً من أجسادنا نحن"، يقول "جابريلوفيتش".

لكن، ما الذي يُمكن أن تفعله حاصرات بيتا في ذلك الأمر؟

يقول "جابريلوفيتش" إن ذلك النوع من الأدوية يمنع إفراز هرمونات التوتر والإجهاد عن طريق إغلاق مستقبلاتها. وبالتالي يمنع سلسلة الأحداث المؤسفة التالية.

كان الهدف من تلك الدراسة هو تحديد الآليات التي تدفع خلايا الورم الخاملة إلى النشاط مجددًا. وتحقيقًا لتلك الغاية، أثبت الفريق أن الإجهاد عكس سكون الخلايا السرطانية. كما نجح الفريق أيضًا في إيقاف تكاثر الخلايا في ظروف تجريبية. يقول "جابريلوفيتش" إن الفريق تمكَّن من إيقاف عملية تكاثر الورم 10 أيام في المختبر، و8 أسابيع في أجساد الفئران عبر استخدام حاصرات بيتا. حتى مع الفئران التي تعرضت للإجهاد وتناولت الدواء، لم تنشط الخلايا الورمية النائمة.

التوتر يُفاقم المشكلات الصحية

بدأت تلك الدراسة بتجربة شخصية لـ"جابريلوفيتش". يقول العالِم إن عمته أصيبت بسرطان الثدي، وقامت بإزالة ثدييها جراحيًّا وأثبتت التحاليل اللاحقة خلو جسدها من الأورام. ومع ذلك، وبعد ثلاث سنوات فقط، عاد الورم مهاجِمًا جسدها بشراسة، "استسلمت عمتي بسرعة كبيرة، وتوفيت في وقت لاحق". في تلك الأثناء "بدأت أفكر في سبب عودة السرطان"، وطيلة سنوات كثيرة حاول الرجل البحث حتى توصل إلى ذلك السبب.

يقول الأستاذ المساعد بقسم بيولوجيا السرطان بجامعة بنسلفانيا، ديفيد فلدسر، لم يشارك في الدراسة: إن تلك الورقة البحثية "أثبتت تكهنات سابقة للعلماء لم تُثبت بشكل تجريبي قط". مشيرًا إلى أن النتائج تتفق "مع الفهم العام الرائج الذي يقول إن التوتر يُفاقم المشكلات الصحية المتعلقة بالسرطان".

ويُشير "فلدسر" إلى أن الورقة البحثية رسالة شديدة الأهمية لمرضى السرطان وأطبائهم المعالجين. فإدارة الإجهاد عند هؤلاء المرضى "أمرٌ أساسي في التعامل مع المرض وفي مرحلة الشفاء". ففي حالة مرضى الأورام "لا يؤثر التوتر على جودة حياتهم فحسب.. بل يُعزِّز احتمالية عودة الأورام إلى الانتشار".