لا يزال العالم يجهل جذور فيروس «سارس-كوف-2» المُسبِّب للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة، والذي نتج عنه مرض «كوفيد-19»، ولكن إحدى النظريات تُشير إلى انتقاله من الخفافيش إلى الإنسان عبر وسيط مُضيف من الحيوانات البرية. وقد اتجهت الأنظار مجددًا في ظل جائحة «كوفيد-19» إلى أخطار التجارة القانونية وغير القانونية في الحيوانات البرية، مما أثار تساؤلاتٍ في المنطقة العربية -من بين مناطق أخرى- حول كيفية التعامل مع هذه التجارة ومع أسواق الحيوانات البرية، على حد قول السيد محمد، المدير الإقليمي للصندوق الدولي للرفق بالحيوان بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يوضح مُحمد قائلًا: "ثمة أدلةُ قويةٌ على وجود خللٍ ما يُحتِّم علينا إعادة النظر في تجارة الحيوانات البرية".

ومما زاد هذا الأمر وضوحًا، خروجُ تقريرٍ1 جديدٍ إلى النور تحت عنوان "مدرج الانقراض: الاتجار في الحيوانات البرية عبر قطاع النقل الجوي". ويُسلِّط التقرير الضوء على منطقة الشرق الأوسط باعتبارها أحد أبرز مراكز العبور في العالم للاتجار في الحيوانات البرية، ويتناول بالبحث والفحص التوجهات وطرق العبور وطرق التهريب الجوي التي يستخدمها مهربو الحيوانات البرية لاستغلال قطاع الطيران في الفترة ما بين عامي 2016 و2018.

تقول ماري أُوترمُولين، كاتبة التقرير وأخصائية جرائم الحياة البرية في مركز دراسات الدفاع المتقدمة: إن مطارات الشرق الأوسط تُستخدم كنقاط عبور بين بلدان المصدر وبلدان الطلب في أفريقيا وآسيا وأوروبا.

وتُشير أُوترمُولين إلى أن ثمة مخاوف كبيرة تتعلق باحتمالية أن تنشر الحيوانات الحية الغريبة الأمراض في الشرق الأوسط، إذ تقول: "تحمل الطيور والزواحف والرئيسيات أمراضًا يمكن أن تنتقل إلى البشر، وهناك طلب بدرجات متفاوتة في مختلِف بلدان الشرق الأوسط على بعض الأنواع، مثل الصقور والتماسيح النيلية والنسانيس وأنواع مُعَيّنة من القرود".

ووفقًا للتقرير، فإن حالات تهريب الحيوانات البرية في منطقة الشرق الأوسط كانت وجهتها دائمًا ثلاثَ مدنٍ هي دبي والدوحة وإسطنبول، ومنها يستمر معظمها إلى وجهات آسيوية. كما استُخدمت مطاراتٌ في مصر ولبنان والعراق كنقاط عبور من قِبَل مهرِّبي الحيوانات البرية، وإن كان ذلك على نطاق أضيق.

وتضيف أُوترمُولين قائلةً: "أحد أكثر التوجهات التي لاحظناها إثارةً للاهتمام هو تركُّز محاولات تهريب بعض المنتجات في مطاراتٍ معينة بمنطقة الشرق الأوسط". فمثلًا يُفضِّل المهرِّبون الذين ينقلون منتجات آكل النمل الحرشفي مسارات الطيران التي تمر عبر تركيا، أما قرون وحيد القرن فتُنقَل غالبًا عبر قطر، في حين يمر العاج عادةً عبر الإمارات العربية المتحدة. وتُفسِّر أُوترمُولين قائلةً: "إن هذا ناتجٌ على الأرجح من توافر مسارات طيران مختلفة أمام المهرِّبين الذين يسافرون من دولٍ أفريقية معينة إلى وجهات آسيوية محددة".

وقد يكون مصير العديد من أنواع الحيوانات البرية التي تُحتجز في أثناء النقل الجوي أن تُنقل إلى أسواق الحيوانات البرية المخالفة للقانون أو غير الخاضعة للرقابة، بما في ذلك الطيور الحية والزواحف والثدييات، وهي حاملات عالية الخطورة للأمراض الحيوانية المصدر.

تقول أميرة رويس، أستاذة الصحة العالمية وعلم الأوبئة في جامعة جورج ميسون بالولايات المتحدة: "الأشخاص الذين يكونون على اتصال بحيوانات برية -وخاصة لفتراتٍ طويلة- يواجهون مخاطر أعلى للإصابة بعدوى حيوانية المصدر".

ووفقًا لتقديرات المركز الأمريكي لمكافحة الأمراض، فإن ثلاثة من كل أربعة أمراض مُعدية جديدة أو ناشئة لدى البشر يكون مصدرها الحيوانات، ويعتبر التصدي لتهريب الحيوانات البرية إحدى الوسائل الرئيسية لمنع الجائحات المستقبلية التي تنشأ من أمراض حيوانية المصدر.

وتضيف رويس -التي تُشرف حاليًّا على عددٍ من الدراسات الطولية بهدف فهم كيفية ظهور الأمراض المُعدية الحيوانية المصدر وانتقالها على مستوى العالم- أن منطقة الشرق الأوسط، مثل الكثير من دول العالم، تفتقر إلى أنظمة فعَّالة لمراقبة الحيوانات أو الحياة البرية تُمكِّنها من اكتشاف التوقيتات التي تبدأ فيها نوبات تفشِّي الأمراض الحيوانية المصدر.

ووفقًا لما تقوله «الشبكة العالمية لمراقبة تجارة الحياة البرية»، المعروفة اختصارًا باسم (TRAFFIC)2، تُشكِّل الحيوانات الحية واللحوم على الأرجح أكبر المخاطر لانتقال الأمراض، "إذ تنتقل مُسبِّبات المرض من خلال ملامسة سوائل الجسم أو الإفرازات، أو عن طريق الاستهلاك المباشر".

ويُشير تقرير "مدرج الانقراض" إلى أن معرفة أنماط التهريب -مثل رصد نوعية الحيوانات أو منتجات الحيوانات البرية التي تُنقل، وتحديد المطارات التي تُنقل من خلالها- يمكن أن تُساعد سلطات المطارات على استهداف أساليب النقل الأكثر شيوعًا التي يستخدمها المهرِّبون.

ترى أُوترمُولين أن دول الشرق الأوسط يجب أن تعمل بكل طاقتها على مكافحة أنشطة تهريب منتجات الحياة البرية في قطاع النقل الجوي، من خلال التوعية والتدريب وإنفاذ القانون ووضع السياسات واكتشاف عمليات التهريب، بالإضافة إلى تشديد العقوبات للحد من الطلب المحلي على الحيوانات البرية الغريبة.