إنها أقصوصة أدبية، وراءها قصة واقعية، وأمامهما كتاب علمي، فلنبدأ بالأقصوصة:

"الحلو دا.. الحلوة دي"

أصابتها جلطة المخ المفاجئة فصُعق كل أحبابها، هي التي ظلت غندورة حتى بعد الستين.. مشرقة، ومهندمة، وضحوك، وتذكر دومًا أنها كانت الوحيدة -من بين كل بنات العائلة- التي تزوجت بعد قصة حب، بل أسطورة حب ريفية، وخرجت من الغيبوبة بأقل كثيرًا مما توقعه الأطباء: خزل خفيف في الجانب الأيمن، واختزال لكل لغتها في كلمتين: "الحلو دا" و"الحلوة دي"!

الحلو دا، والحلوة دي صارت تشير بهما إلى كل ما تطلبه أو تريد التعبير عنه، حتى بعد أن تعافت سريعًا من خزلها وصارت تقف في المطبخ.. تطهو ببراعة كعهدها، لكنها لا تملك عندما تريد شيئًا إلَّا أن تشير إليه، بآخر ما تبقى لديها من اللغة تشير.. تريد ملعقة فتطلب: "الحلوة دي"، وتريد الثقاب فتقول: "الحلو دا"، وتتألم من عدم فهم مرادها فتثور، وتشتم: "الحلو دا دا دا دا، الحلوة دي دي دي دي"، لكنها ما تلبث حتى تضحك متأثرةً بضحك الآخرين من حولها.. تضحك حتى تدمع.

وتدمع عيونها وتفيض وهي تشير إلى موضع ذبحة في صدرها لم يتوقعها أحد: "الحلوة دي ي ي. د ي ي ي ي"، وتشير إلى موضع القلب المذبوح ألمًا: "الحلو دااااا. داااااا"، ثم غامت نظرتها بينما كانت يمناها ترتفع قليلًا في الهواء.. ترتفع واهنةً لتشير إلى شيءٍ ما، غامض، هائم، وتسميه أيضًا: "الـ حلو دا. الـ حلوة دي"- وإن كانت تنطقها باستسلام وحزن .. حزن شفيف، حتى سكتت.

سكتت، وسكنت، فلم ينفجر في البكاء -على شدة الحب لها- أيٌّ من أحبابها الكثر الذين تحلقوا حول سريرها الجميل العالي: زوجها -العاشق القديم- وأولادها، وبناتها، وأحفادها، والأقارب، والجيران، فقد فوجئوا فور سكوتها وسكونها -ويقسمون على ذلك- بنفحة من عطر حلو، أحلى ما يكون، تغمر المكان وتحلق فيه.. كأنها طائر خرافي بهي، لا يبين، ويوشك في الصمت أن يتجسد.

*****************

هذه الأقصوصة كتبتها من وحي حالة حقيقية لمريضة من أقاربي استُدعيت لإدراكها في حالة حرجة وأنا نائب للأمراض النفسية في مايو عام 1981، ولم يكن ممكنًا أن أتخلى عن الاحتشاد والاجتهاد بشأنها، فلم يكن متاحًا هناك غيري وقد كان الوقت متأخرًا في الليل، صحيح أن جوهر تخصصي وعملي كان ينصب على طب الأمراض النفسيةPsychiatry  أما تخصص طب المخ والأعصاب Neurology فيكاد يكون مجرد إطلالة جانبية من الطب النفسي لاستبعاد ما يُشتبه في انتمائه إلى طب الأعصاب، وتحويله إلى متخصصيه، إلا أن الضرورة حتمت أن أشخص الحالة وأقدم لها علاجًا إسعافيًّا يمنع تدهورها، حتى الصباح التالي وعرضها على طبيب أعصاب مختص، وقد كان.

اختزال لغوي ساحر.. ومربك

لم يكن هناك في تلك الليلة، في ذلك المكان، أية إتاحة لأية تقنيات طبية مما هو متوافر الآن لتدقيق التشخيص، وكان نقل المريضة إلى المستشفى المناوب لاستقبال الطوارئ ليلتها، لا يعِد بأكثر مما يمكن أن أقدمه لها، اعتمدتُ على التاريخ المرضي للحالة وشكل بدء الأعراض وتطورها والفحص الإكلينيكي للرؤية والحركة والاستجابات الحسية، ودققت في استبعاد أن تكون الحالة سكتة دماغية نزفيّة  (hemorrhagic stroke) ناتجة عن تمزق وعاء دموي مغذٍّ للمخ، وهو ما تعلمناه كأبجدية شديدة الأهمية ضمن منهج طب الأعصاب في مرحلة البكالوريوس، واستقر تشخيصي على أنها سكتة (أو جلطة) دماغية إقفاريّة (ischemic stroke) نتيجة تضيُّق أو انسداد في أحد شرايين النصف الأيسر من المخ، مما تسبب في نقص تروية منطقةٍ ما في هذا النصف بالدم الحامل للأوكسجين والمغذيات المختلفة، كان واضحًا أنها منطقة ترتبط بتوليد اللغة، فقد كانت المريضة حين فحصتها فاقدةً للنطق، إضافةً إلى شلل النصف الأيمن من جسمها.

سارعتُ بتدبير الحالة بالأدوية المناسبة كحالة إسعافية تمنع أو تقلل تدمير الخلايا العصبية في المنطقة المصابة لحين عرضها على مختص بطب المخ والأعصاب في اليوم التالي، وقد كان سويًّا محترمًا، وغير خاضع لذلك التنافس "التجاري" والخيلائي بين تخصصين طبيين شديدي التجاور، أيَّد تشخيصي وأثنى على ما قدمته للمريضة، ووضع لها خطة علاجية وتأهيلية طويلة المدى كالمعتاد في مثل حالتها، ومكثت أتابعها كقريبة وكانتصار صغير أحرزْتُه، ولم يمر شهر إلا وقد حققتْ تقدمًا كبيرًا في وقت قياسي، وإن بقي معها خزل النصف الأيمن من الجسم مع إعاقة حركية خفيفة، وإعاقة لغوية بدت شديدة الغرابة ومحيرة لمختصي المخ والأعصاب حينها، صحيح أن مركز الكلام يتموضع في نصف المخ الأيسر الذي ضربته الجلطة، لكن ذلك الاختزال العجيب للغتها في مجرد اسم إشارة تذكِّره وتؤنثه "دا" و"دي"، وتُلحقه بصفة "حلو" و"حلوة"، كان –طبيًّا- أعجوبة عضوية شديدة الغرابة ومجهولة المنشأ، أما فنيًّا، فكان ومضة ساطعة لإثارة الدهشة، تُغري انتباهة الأدب!!

ظلت تدهشني مفارقة هذا الاختزال اللغوي الساحر لدى قريبتي حتى توفاها الله بمضاعفات مرض السكر في يناير 1985، ودفع رحيلها اللطيف، كما هو لُطف الاختزال في لغتها، بدهشتي الأولى للطفو على سطح الانفعال الجمالي، فكتبت عنها تلك الأقصوصة دفعةً واحدة، في انفعالة واحدة، ودون أن "أؤلف" فيها ولو سطرًا واحدًا لا يتحرَّى الحقيقة، وهذا أمر يتكرر معي كثيرًا، مما يجعلني أردد دائمًا أن الأدب الواقعي مستمر وسيستمر، فهو زاخر بسحر يفوق أي سحر خيالي، ودورنا ككُتَّاب هو الانتباه لالتقاطه متى ما وَمَض أو أمطر أو فاض أو تجلَّى، لكن هاجسًا محددًا جعلني أتردد في نشر هذه الأقصوصة، منذ كتبتها.. قبل خمسة وثلاثين عاما!!

نافذة تنفتح لإضاءة اللغز

كنت خائفًا أن يكون قد استولى عليَّ الخلط بين الواقع والخيال الذي ينتاب كل أديب، وأن يكشف العلم عن حقائق تطيح بواقعية حدوث هذا الاختزال الانتقائي للغة قريبتي الراحلة، لكنني منذ عامين قرأت كتاب "الجلطة التي أنارت بصيرتي" للكاتبة الدكتورة "جيل بولتي تيلور" My Stroke of Insight: by Jill Bolte Taylor، وتسجل فيه تجربة إصابتها بجلطة نزفية في المخ، وفي النصف الأيسر تحديدًا، وتعافت منها، ولكن بعد ثماني سنوات من المعاناة والكفاح الأسطوريين، فحسم الكتاب حيرتي أمام ذلك الانتقاء الجمالي للاختزال اللغوي الذي خلَّفته جلطة المخ عند قريبتي، لقد كشف سحر العلم عن أصول سحر الواقع!

جيل بولتي تيلور خلال حفل تسلمها درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة بتلر الأمريكية عام 2016 Credit: CC BY-SA 4.0

الكتاب ترجمته الشاعرة أستاذة الأدب العربي بجامعة الكويت الدكتورة نجمة إدريس، فقدمت بترجمتها إبداعًا جماليًّا موازيًا لإبداع السرد العلمي لمؤلفة هذا الكتاب، الذي سأكتفي منه الآن بما أناره من لغز اختزال وانتقاء لغة بطلة أقصوصتي، فهذا الكتاب قد يكون في حاجة إلى قراءة ثانية وربما ثالثة فيما بعد، فهو ينطوي على علم كثير مثير، ودافع للإنعاش والجدل العلميين، لأستاذة متخصصة في المخ بجامعة هارفارد المرموقة، تصف فيه ما لم يكن ممكنًا وصفه إلا بتجربة على هذا القدر الهائل من المعاناة، وهذا القدر الهائل من الوعي العلمي بما وراء معاناتها، ثم الإرادة المذهلة في الاجتهاد والجهد من أجل التعافي، فهذا الانبثاق لكل ذلك النور الذي أضاء بصيرتها بجمال الوجود وروعة العقل البشري، ويكاد يشكل نوعًا من "صوفية" المادة الحية، يظل في حاجة إلى وقفة أخرى، ليست مجرد عرض لما ورد في الكتاب، بل حوار جدلي معه واستلهام منه، هكذا أتصور عرض تلك الكتب!

لقد برز التفات الدكتورة جيل بولتي تايلور إلى ألغاز العقل البشري مبكرًا، عندما بدأت أعراض الإصابة بمرض الفصام (الشيزوفرينيا) تظهر على شقيقها الذي يكبرها بعام ونصف، وقد تأكد فصامه وأُدخل إحدى المصحات العقلية وهو في الحادية والثلاثين، وقد لاحظت جيل أنه خلال سنوات الطفولة كان هذا الشقيق الذي تصفه بأنه "أقرب مخلوق لي في الكون" يبدو مختلفًا في إدراكه لحقيقة الأشياء، وفي اختياراته وتصرفاته، لهذا ظلت مأخوذةً بما وراء اختلافه عقليًّا، وعندما بدأت دراستها الجامعية في أواخر عام 1979 وجدت نفسها مدفوعةً بجوع معرفي لفهم ماذا تعني كلمة (طبيعي)، من منظور تشريحي وفسيولوجي للمخ، وقد كان هذا المنظور حينها جديدًا وناشئًا، فانصرفت إلى دراسة علم النفس الفسيولوجي وألمت بأكبر قدر متاح حينها من العلم المعني بهذا الشأن، وفي أعقاب تخرُّجها عملت بمختبر بحوث الأعصاب الدقيقة واستمدت منه رسالتها للماجستير، وبعد ذلك حصلت عام 1999 على الدكتوراة في علم التشريح العصبي، وخلال مشوارها العلمي كله، ظلت مشغولةً بمحاولة فهم لماذا استطاعت هي أن تربط أحلامها بالواقع وتُحوِّل هذه الأحلام إلى حقائق ملموسة، بينما لم يستطع شقيقها ذلك، وكان سؤالها الذي تمضي وراءه هو "ما هو الاختلاف في مخ أخي، الذي يجعله يربط أحلامه وأمنياته بالأوهام والخيالات بدلًا من الواقع الملموس؟"، وظل هذا السؤال يدفع شغفها بالبحث في مرض الفصام من منظور عضوي يرتبط بتشريح وفسيولوجيا وباثولوجيا المخ، فواصلت ذلك في منحة ما بعد الدكتوراة التي ألحقتها مُحاضِرةً وباحثة بقسم علم الأعصاب في كلية الطب بجامعة هارفرد.

عالِمة مخ في قلب الحدث

من هذا كله، ندرك أنها كانت عالمة متخصصة، تعرف عن المخ والجهاز العصبي الكثير من الأعمق والأحدث، وعند مفصل شديد الحساسية، جديد الاقتحام، لأنه يربط أحوال النفس بما يحدث في تكوين المخ من تغيرات، وراثية أو مكتسبة؛ فهي في الواقع كانت أستاذة مخ وأعصاب على وجه العموم، ومتخصصة في الأمراض النفسية المرتبطة بتغيرات الجهاز العصبي على وجه الخصوص، ومن هنا يبدو ما خاضته بتأثير جلطة المخ التي أصابتها، بدءًا بما كانت ترصده منذ أول دقيقة لإصابتها وحتى تدهورها، ثم وهي تتشافى، تجربةً استثنائية طويلة وعميقة لعالِمة مخ في قلب الحدث، أكتفي منها هنا بما يفسر علميًّا ما وراء أعجوبة الاختزال والانتقاء اللغويين الذي خرجت به قريبتي من جلطة في نصف المخ الأيسر، كما هي جلطة الدكتورة جيل تيلور.

مسارات الألياف العصبية للجسم الثفني الرابط بين نصفي المخ تصعد موصلة بين المناطق الوظيفية المختلفة  في لحاء النصفين Credit: Public Domain

برغم أن فرضية وجود فصين للمخ قديمة قِدَم الآباء المؤسسين للطب منذ قرون، إلا أن آلية تعامُل كل فص مع المعلومات واكتساب المعرفة في الحالات الطبيعية، واختلال ذلك في الحالات المرضية، لم تحظَ بالاهتمام البحثي الحديث إلا في سبعينيات القرن العشرين، ونال جراح المخ وعالم الأعصاب روجر سبري عنها جائزة نوبل لعمله في التشريح الوظيفي لألياف الجزء الثفني corpus callosum الذي يمثل جسر اتصال بين نصفي كرة المخ، ينطوي على "كابلات" تربط كل أجزاء النصفين بعضها ببعض، وكانت تلك من ومضات البداية التي قدمت فرضية "مخ شمال ومخ يمين"، التي أثبتت الخبرات الجراحية أن نصفي المخ مختلِفي القدرات ويدعم كلٌّ منهما أداء الآخر حين يكونان متصلَين بشكل طبيعي، لكن حين يتم فصلهما جراحيًّا (أو بنزيف أو جلطة أو ورم يعزل أحدهما عن الآخر) فإن كل فص يعمل بمفرده كعقل مستقل بشخصية فريدة، وهي حالة وُصِفت للتقريب -الذي ثبت أنه مُخل- بظاهرة "الدكتور جيكل والسيد هايد"، اقتباسًا من رواية الكاتب الإسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون المنشورة عام 1886، وتتحدث عن طبيب سوي يتحول إلى شرير بجرعة من عقار ابتكره، الأمر ليس بهذا التبسيط، وليس بهذه الدرامية، لكنه أعمق وأرهف.

مراكز لغة لا تكف عن الثرثرة

من ركام ملحوظات التجربة والبحث على نصفي كرة المخ، توافرت لوائح تسرد ما يختص به كل نصف، فإضافة إلى ما كان معروفًا من هيمنة كل نصف على إنتاج الحركة في النصف المقابل من الجسم، وهو ما يظهر من شلل أو خزل على النصف الأيمن (كمثال) عند إصابة نصف المخ الأيسر بجلطة أو نزيف أو ورم، فهناك ظاهرة عدم تماثُل في الوظائف التخصصية الأدق لكل فص، ويعنيني منها هنا ما يختص باللغة وينصب على إماطة اللثام عن أعجوبة لغة بطلة أقصوصتي، وقد أثبت كتاب الدكتورة تايلور أنها أعجوبة واقعية، تنتصر لأعاجيب الحياة فينا -كبشر- وتدعونا إلى التواضع، والاعتزاز، فالثابت من أبحاث المخ الحديثة التي وردت في هذا الكتاب، أن مراكز اللغة في الفص الأيسر من دماغنا تظل تتحدث معنا بشكل دائم، وهي ظاهرة سمتها جيل تيلور "ثرثرة العقل" التي تذكرنا بشراء هذا أو عمل ذاك من مسميات الأطعمة والثياب، وترتبط بظاهرة الحوارات التي نُجريها مع أنفسنا داخل أنفسنا، وتكرر مرارًا وتكرارًا تفاصيل حياتنا فنظل نتذكرها، وعبرها تتحدد ذواتنا، وتزودنا بمَن نكون، ومن دونها سوف ننسى مَن نحن ونفقد معالم حياتنا وهويتنا.

على هذا النحو يوصف النصف الأيسر من مخنا بأنه مسؤول عن مراكز التفكير باللغة والذاكرة، إضافة إلى معالجة المعلومات الحسية، والقدرات التنبُّئية، وتحديد ما نحب وما لا نحب، ويكون دور الفص الأيمن في الحالة الطبيعية من اتصال الفصين، أن يكمل إنجاز المراكز اللغوية للفص الأيسر عن طريق التواصل غير المنطوق، فهو يفسر تلميحات اللغة الخفية التي توحي بها نبرة الصوت وتعبيرات الوجه ولغة الجسد، ومن ثم تفرز ما هو حقيقي وما هو كاذب من الكلام بمضاهاة ما يقوله الكلام مع ما تنطق به الإيماءات والملامح.

فص الابتسامات السخية والود

تقول تايلور: "لا تفكر الشخصيتان في فصَّي دماغي في الأشياء بشكلين مختلفين فقط، ولكنهما أيضًا تنتجان العواطف وتتعهدان الجسد بطرق تعينه على تمييز الأشياء بسلاسة، ما يفكر فيه فصي الأيمن يتعلق باللحظة الآنية وبكل ما يحدث الآن، إنه يتقافز بحماس مطلق العنان، دون حذر من شيءٍ في العالم من حوله، يطلق الابتسامات السخية، ويبدو ودودًا، وعلى النقيض من ذلك، فإن فصي الأيسر يشتغل بالتفاصيل، ويسيِّر حياتي في إطار نظام وجدول صارمَين، إنه جانبي الأكثر حزمًا، الذي يجعل وجهي جديًّا، ويصدر قرارات تستند إلى ما تعلمته سابقًا، هو مَن يحدد الحدود، ويصدر أحكامه على الأشياء وكونها صحيحة أو خطأ، جيدة أو سيئة.. هو مَن يترك الغضون على جبيني!".

وتضيف: "أما عقلي الأيمن فهو معنيٌّ بكل ما يتعلق بثراء اللحظة، وهو ممتلئ بالامتنان للحياة وكل مَن فيها وما فيها، إنه مغمور بالرضى، زاخر بالعواطف، يعطي بسخاء، ويفيض بتفاؤل بلا حد، وأعظم النعم التي غمرتني كنتيجة جلطة النزف الدماغي في نصف المخ الأيسر، هي إتاحة الفرصة أمامي لتجديد وتقوية دوائري العصبية المتعلقة بحس البراءة والنقاء والغبطة الداخلية، إنني ممتنة لهذه الجلطة، لأنني أصبحت حرةً أنطلق نحو اكتشاف العالم مرةً أخرى بفضول يشبه فضول الأطفال، إنه الوعي الكامن في فصي الأيمن، فما نحن إلا كينونة عالمية مُدمَجة الخيوط ومَحيكة بتناغم، والحياة طيبة، ونحن رائعون بهيآتنا التي نحن عليها".

هذا كلام عالِمة مخ عايشت تجربة إصابة جسيمة في المخ، لهذا لا يمكن اعتبار المحتوى مجرد تعبير شعري أو حس رومانسي، فهو قائم على قاعدة عضوية تنبت منها وتزهر كل تلك الأحاسيس، لهذا، أستطيع الآن أن أكون مطمئنًّا بشكل كبير، إلى تفسير ذلك الاختزال- الانتقاء اللغوي لبطلة أقصوصتي، فالحقيقة العلمية من خلال تجربة وعلم تايلور اللذَين  نثرتهما بروعة في كتابها، تقول إن تعطيل الكثير من وظائف نصف المخ الأيسر أفسح للنصف الأيمن وجودًا أرحب، ليعبر عن الوجود الجميل في روعة الحياة المسالمة والبصيرة العطوف، الوجود المدرك للجمال، فبطلة أقصوصتي عطلت جلطتها الكثير من هيمنة النصف الأيسر، فص توليد اللغة، وتجزئة الزمن، وإصدار الأحكام،  حتى لم يتبقَّ منها غير كلمتين، اسمَي إشارة للمذكر والمؤنث هما "دا" و"دي" (وأصلهما الفصيح: ذا وذي)، ومقدمةُ كلٍّ منهما بصفة "الحلو" و"الحلوة" المُستدعاة من لطائف النصف الأيمن، فكأن كل ما في وجود قريبتي بسبب جلطة نصف مخها الأيسر صار حلوًا، حتى الملاعق والطناجر والأطباق والكراسي، والناس! حالة مدهشة العذوبة والجمال داخل النفس الإنسانية يبرهن العلم أنها حقيقية، ومستندة إلى واقع تشريحي وفيزيولوجي وباثولوجي، أظهرته الدكتورة جيل تايلور بتجربتها المروعة التي أذاقتها في الوقت نفسه طعم روعة الوجود فينا.

أنطون تشيخوف: عندما يتعارض ما أكتبه مع الحقيقة العلمية فإنني أفضل ألا أكتب على الإطلاق Credit: Public Domain

درس أنطون تشيخوف

لقد قال سيد القصة الإنسانية الحديثة، وكاتبي المفضل الأعظم، الطبيب أنطون تشيخوف، إنه عندما لا يتوافق ما يكتبه مع الحقيقة العلمية فإنه يفضل ألا يكتب على الإطلاق، وأظنني وعيت الدرس، لهذا نحيت تلك القصة الموجزة خمسة وثلاثين عامًا، حتى صدر الحكم من تجربة عالِمة مخ بأعرق جامعات العالم بصحة الحقيقة العلمية التي تفسر ما وراء محورها الأدبي، وهاهي أخيرًا تُنشر، هنا، في مجلة علمية!