هل تستطيع أن تقضي يومًا كاملًا من دون هاتفك الذكي؟ كم عدد الساعات التي تقضيها يوميًّا بصحبته؟ هل تشعر بالقلق وعدم الراحة إذا نفدت بطارية الهاتف أو لم تكن هناك تغطية كافية لشبكة المحمول؟

من خلال الإجابة عن هذه الأسئلة يمكنك أن تعرف إن كنت تعاني من "النوموفوبيا"، التي ترتبط بدورها بعدة اضطرابات نفسية أخرى، كالاكتئاب والقلق المرضي والوسواس القهري، وفق ما كشفته نتائج دراسة حديثة.

ما هي النوموفوبيا؟

والنوموفوبيا هي الخوف أو القلق من فكرة أن تكون من دون هاتفك المحمول أو غير قادر على استخدامه، وفق تعريف قاموس جامعة كامبريدج.

وتأتي اختصارًا لـ“no-mobile phobia”، وعُرف هذا المصطلح لأول مرة عام 2008 من خلال دراسة أجرتها منظمة You Gov البحثية، بتكليف من مكتب البريد في بريطانيا؛ لتقييم القلق الذي يعاني منه مستخدمو الهواتف المحمولة، وتوصلت الدراسة وقتها إلى أن أكثر من 13 مليون شخص في المملكة المتحدة -يمثلون أكثر من 50% من مستخدمي الهاتف المحمول- يعانون من قلق مشابه لزيارة طبيب الأسنان أو قلق الإقدام على الزواج عندما يكونون بمعزل عن هواتفهم.

النوموفوبيا والاضطرابات النفسية

وقالت الدراسة، التي أُجريت على مجموعة من الشباب في البرتغال، ونشرتها دورية كمبيوترز إن هيومن بيهفير ريبورتس Computers in Human Behavior Reports في إصدار أغسطس-ديسمبر: إنه على الرغم من ارتباط النوموفوبيا بالاستخدام المفرط للهاتف المحمول، إلا أن الأشخاص الذين لديهم اضطرابات نفسية يميلون إلى تطوير هذا النوع من الرهاب أكثر من غيرهم.

وكشفت الدراسة، التي أُجريت على 495 شابًّا، تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا (52% تقريبًا منهم من الإناث، وأكثر من 70% منهم في المرحلة الثانوية، و22% في المرحلة الجامعية)، عن وجود ارتباط إيجابي بين النوموفوبيا واضطرابات القلق والوسواس القهري والاكتئاب والذهان والعدائية والشعور بالدونية.

ومن أعراض النوموفوبيا الشعور بالقلق وعدم الراحة والتوتر والعصبية والألم عند الشخص، عندما لا يكون بحوزته هاتفه الذكي أو عندما يكون غير قادر على استخدامه، ومن ثم لا يقدر على الوصول إلى المعلومات التى يسعى للحصول عليها، أو لأنه يفقد خاصية الترابط والتشبيك التي يوفرها له الهاتف الذكي، وفق الدراسة.

وكما صرحت آنا باولا كورييا، أحد مؤلفي الدراسة، أستاذ مساعد في قسم الدراسات التربوية في جامعة أوهايو، في بيان صحفي: إنه ذلك الخوف، ذلك الشعور بالفزع الذي يجعلك تتعجب صارخًا: "لقد تركت هاتفي في المنزل".

وأضافت "كورييا" أن هناك فارقًا بين الاستخدام العادي للهاتف الذكي الذي يساعد الشخص في حياته، كإجراء محادثة فيديو مع الأصدقاء عندما يتعذر عليك أن تكون معهم، أو استخدامه في العمل على سبيل المثال، والإفراط في استخدام الهاتف الذكي وبشكل يتعارض مع حياة الشخص، ولفتت إلى أن هذا النوع من السلوك من المرجح أن يسبب لصاحبه القلق عندما يكون بعيدًا عن هاتفه.

وشددت على أن أولئك الذين يطورون النوموفوبيا، يكون الأمر بالنسبة لهم "أكثر من مجرد هاتف يستخدمه الأشخاص في مهمات معينة على وسائل التواصل الاجتماعي، كمعرفة ما يحدث مع المؤثرين على هذه المنصات، أو بشكل عام في التواصل مع الآخرين،. لذا فإن الابتعاد عن الهاتف أو انخفاض مستوى شحن البطارية يمكن أن يقطع هذا الاتصال نوعًا ما، ويترك لدى بعض الأشخاص نوعًا من مشاعر الاهتياج".

الشباب الأكثر إصابة

واختار الباحثون عينة الدراسة من فئة الشباب، وسوَّغوا ذلك بكونهم المجموعة الأكبر من مستهلكي الهاتف المحمول في جميع أنحاء العالم؛ لاعتمادهم عليه بشكل كبير في التواصل فيما بينهم عبر الشبكات الاجتماعية، والتعرُّف على الأخبار والاستماع إلى الموسيقى ومشاهدة الفيديوهات.

وذكرت الدراسة أنه على الرغم من مزايا الهواتف الذكية وشعبيتها، إلا أنها يمكن أن توثر سلبًا على أنماط حياة الأفراد عندما يصبح الاستخدام مفرطًا، ويمكن أن تكون التأثيرات جسدية ونفسية وسلوكية واجتماعية، وأنه على الرغم من كونه مصطلحًا ناشئًا، إلا أن هناك عددًا من الدراسات كشفت عن ارتباطه بالعديد من المشكلات الصحية والاجتماعية، مثل آلام الذارعين والكتفين والصداع، وتوترات الظهر والرقبة، وإصابات العظام في الأصابع واليدين، إضافةً إلى تدنِّي الثقة بالنفس، والعزلة الاجتماعية، والخوف من الارتباط، وتدنِّي احترام الذات، والقدرة المنخفضة على التكيف.

ولفتت الدراسة إلى أن هناك عددًا من الباحثين حاولوا تفسير رهاب الابتعاد عن الهاتف المحمول، ومن النتائج التي وصلوا إليها أن الأشخاص الذين يعانون من هذا الرهاب يتعاملون مع الهاتف الذكي باعتباره عضوًا في جسم الإنسان؛ إذ يتفاعل الدماغ مع عدم اهتزاز الهاتف الذكي بالطريقة ذاتها التي يتفاعل بها عندما يكون لدى المرء طرف مبتور!

جمعت الدراسة بيانات المشاركين المتعلقة بالجنس والعمر والمستوى التعليمي وأنماط استخدام الهاتف الذكي من خلال استبانة، وابتكرت مقياسًا ذاتيًّا لتقييم شدة الرهاب لديهم وارتباطه بمجموعة من الاضطرابات النفسية الأخرى، عبر مجموعة من العناصر المحددة لكل اضطراب نفسي أو نفسي جسدي، كالذهان والوسواس القهري والقلق والاكتئاب وغيرها.

وجدت الدراسة أن معظم المشاركين يستخدمون الهاتف المحمول بمعدل من 4 إلى 7 ساعات يوميًّا، يقضون أغلبها على مواقع التواصل الاجتماعي بنسبة (47.1%)، ثم في سماع الموسيقى (14.1%)، ثم الألعاب (13.5%)، ثم معرفة الأخبار (10.9%) ثم متابعة المدونات (10.1%)، وأخيرًا مطالعة الإيميل (4.4%).

وكشفت الدراسة عن وجود ارتباط إيجابي بين عدد ساعات الاستخدام وتطوير رهاب الابتعاد عن الهاتف المحمول، وارتباط سلبي بين مستوى التعليم والنوموفوبيا، في حين لم تجد فروقًا بين الجنسين أو من حيث فارق العمر بين أفراد عينة الدراسة التي تراوحت من 18 إلى 24 عامًا.

وتفيد نتائج الدراسة أن الحفاظ على علاقات اجتماعية وأسرية قوية والحصول على مستوى عالٍ من التعليم يمكن أن يُعد من العوامل الوقائية ضد النوموفوبيا.

وفيما يتعلق بالجنس، أشارت دراسة أخرى، نُشرت في مايو الماضي، حول تأثيرات النوموفوبيا، إلى أن النساء يُظهرن مستويات أعلى من النوموفوبيا؛ نظرًا لاعتمادهن المتزايد على هواتفهم الذكية، إلا أن دراسات أخرى لم تجد فروقًا ذات دلالة إحصائية بين الرجال والنساء في هذا الصدد.

يقول هاشم بحري، أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر، لـ"للعلم": إن النساء تعاني من اضطرابات القلق بشكل متزايد عن الرجال، وربما يكون ذلك سببًا لزيادة احتمالات إصابتهن بالنوموفوبيا.

ويتفق "بحري" مع ما توصلت إليه الدراسة من ارتباط رهاب الابتعاد عن الهاتف المحمول بالاضطرابات النفسية، قائلًا: "القلق والاكتئاب وغيرهما من اضطرابات الشخصية تجعل الفرد مهيأً لهذا النوع من الرهاب، في حين أن الشخصية القوية الواثقة بنفسها قادرة على أن تتعامل مع الهاتف المحمول بكل مغرياته كجزء من حياتها وليس كل حياتها".

كيف نواجه النوموفوبيا؟

ينصح أستاذ الطب النفسي بعمل رحلات للطبيعة والانخراط في أنشطة بدنية، بما يجعل الأشخاص يدركون بأنهم قادرون على الاستمتاع بمعزل عن هواتفهم المحمولة.

وأوصت دراسة أُجريت على طلاب في الفلبين (نُشرت العام الجاري) بتعزيز نمط حياة صحي بين المراهقين والشباب؛ لتجنُّب تفاقُم رهاب النوموفوبيا، بعدما كشفت عن ارتباط سلبي كبير بين النوموفوبيا ونمط الحياة الإيجابي، فيما يتعلق بممارسة النشاط البدني والتغذية والعلاقات الشخصية والصحة النفسية.

 ومن جانبه، يقول وليد هندي -استشاري الطب النفسي- لـ"للعلم": إن علاج أي رهاب يحتاج إلى علاج معرفي وسلوكي، ومن التدابير التي يمكن اتخاذها لتقليل تفاقم النوموفوبيا، تحديد ساعات صمت يبتعد فيها الشخص عن الهاتف المحمول، تبدأ بساعة وتزداد تدريجيًّا؛ لتقليل وقت استخدام الهاتف، وتوسيع دائرة الأنشطة التي يؤديها لتشمل أمورًا أخرى لشغل تفكيره عن الهاتف، وعمل مقابلات اجتماعية وجهًا لوجه بدلًا من المقابلات الافتراضية.

وينصح "هندي" بضبط الهاتف على الوضع الصامت بشكل دائم، بحيث لا يكون الشخص منتبهًا له طوال الوقت، وكذلك وضعه في غرفة غير التي ينام فيها.

وأضاف أنه لا يوجد وعي بأضرار إدمان الهاتف الذكي لدى أغلب الآباء والأمهات، ومن ثم لا يتم تحديد ساعات تعرُّض أطفالهم للهاتف، وهو ما قد يضعنا أمام مشكلة خطيرة خلال وقت قريب، وهي انتشار النوموفوبيا في صفوف الأطفال إلى جانب المراهقين والشباب، مما يُفقدهم القدرة على تطوير مهارات التواصل الاجتماعي في الحياة الحقيقية.