على مر العصور، مثلت مزارع النخيل مصدرًا رئيسيًّا للرزق لدى نسبة غير قليلة من سكان العالم، خاصةً سكان دول الجنوب، وفي حين ظلت ثمار النخيل موضع اهتمام المجتمع العلمي، اعتُبرت نواتج عمليات التقليم السنوي مجرد نفايات زراعية. لكن تنوع الخصائص الفيزيائية والكيميائية والميكانيكية لتلك المنتجات دفع الباحثين إلى إعادة اكتشافها، وتوظيفها في تطبيقات تدعم جهود التنمية المستدامة للمجتمعات الريفية، وتحافظ على الثقافات المحلية، وتوفر الآلاف من فرص العمل.

في هذا الإطار، نجح فريق بحثي مصري في استخلاص ألياف نسجية طويلة من جريد نخيل التمر، الذي طالما جرى اعتباره مخلفات زراعية. تتشابه الألياف المنتجة من هذه التجربة مع ألياف شهيرة كالكتان والسيزال، ما يفتح الباب أمام استغلالها في العديد من التطبيقات.

أجرى الفريق تجارب ناجحة لتحويل تلك الألياف إلى خيوط وأقمشة منسوجة وحصر غير منسوجة، ليتم استخدامها في المقام الأول كألياف تسليح، تدعم وتقوي مُركبات البوليمر التي تدخل في صناعة السيارات الحديثة.

والألياف المستخرَجة عبارة عن ألياف سليلوز كالتي تُستخرج من الكتان والقطن، وهي نوع من السلاسل السليلوزية أو البوليمرات الطبيعية (Polysaccharide)، تزيد متانتها وخصائصها الميكانيكية كلما كانت مكبوسةً أكثر وخاليةً من الفراغات الهوائية وموجهةً في اتجاهٍ موازٍ لمحور الألياف ومن ثم زيادة مؤشر التبلور.

وقد يصل طول الألياف المستخلصة إلى طول الجريدة ذاتها (من 3 أمتار إلى 5)، لكن يتم تقطيعها إلى متر واحد، حتى تتوافق تكنولوجيًّا مع خطوط غزل الألياف الطويلة.

ووفق محمد الميداني -أستاذ مساعد في كلية الهندسة وعلوم المواد في الجامعة الألمانية بالقاهرة وعضو فريق البحث-، فإن التكوين الطبيعي لجريد النخل عبارة عن 44% ألياف سليلوزية، و30% هيميسيليلوز، و26% لجنين، وفي العينات المثالية استطاع الفريق أن يصل بنسبة نقاء السليلوز إلى 69.3%، والنزول بنسبة الهيميسيليلوز إلى 15.4%، والليجنين إلى 15.3%، وهذه النسب تقترب بشدة من أشهر درجات نقاء السيليلوز، وهو الكتان، الذي تبلغ نسبة نقاء السيليلوز فيه 70-75%، وتتفوق في كثير من الأحيان على الخيش أو الجوت، الذي تتراوح نسبة نقاء السيليلوز فيه بين 61% و75.5%. أما القطن فيعتبر استثناء؛ لأنه موجود في الطبيعة في صورة ألياف ولا يحتاج إلى استخلاص، إذ تبلغ درجة نقاء السيليلوز فيه من 90% إلى 95%.

credit: Intexive

وأوضح الباحثون في دراستهم المنشورة في دورية (Industrial Crops and Products) أن الهدف الرئيسي للدراسة كان استخلاص ألياف نسجية طويلة من جريد النخيل، عبر تطبيق معالجة قلوية- ميكانيكية مشتركة، ودراسة تأثير ظروف الاستخلاص على الخصائص الفيزيائية (الكثافة، والقطر، والطول)، والكيميائية (نسب السليلوز، الهيميسليلوز، اللجنين)، والميكانيكية (معامل المرونة، قوة الشد، الاستطالة) للألياف.

أُجريت تجارب الاستخلاص على 28 عينةً في ظروف استخلاص مختلفة، تعتمد على تركيز المحلول القلوي وتغيير درجة حرارة وزمن دورة المعالجة، وأدت إلى استخلاص ألياف دقيقة وتقليل نسبة الشوائب السطحية وزيادة نقاء السليلوز حتى 69٪، دون التسبُّب في تلف الألياف أو تقطيعها.

ووفق الدراسة، جرى تحسين خصائص الألياف المعالجة بشكل ملحوظ؛ إذ وصلت كثافتها إلى 1.324 جم/سم3، أما استقرارها الحراري -أي قدرة تحمُّل الألياف للحرارة مع احتفاظها بخصائصها- فقد وصل إلى 226 درجة مئوية، ومؤشر التبلور الدال على نسبة ترتيب وكبس سلاسل السليلوز المكونة للألياف إلى 58.4٪، وقوة شد تصل إلى 453 ميجاباسكال، وهو مقياس يعبر عن مدى متانة تلك الألياف.

وأثبتت الدراسة أن الخصائص الفيزيوكيميائية والمورفولوجية والميكانيكية للألياف المستخلصة من جريد النخيل، تتشابه مع خصائص مثيلاتها من الألياف الطبيعية الأخرى مثل السيزال والقنب والكتان، علاوةً على ذلك، فإن الخطوات التي تمت في استخلاص تلك الألياف لا تقتصر على جريد نخيل التمر فقط، بل يمكن تعميمها على نواتج زراعية أخرى كنخيل الزيت مثلًا، ما يعظِّم من قيمة هذه الموارد غير المستغلة ويخلق قيمة اقتصادية جديدة.

عضو جديد في قائمة الألياف

وقال "الميداني": بنجاح عملية الاستخلاص نكون قد أضفنا عضوًا جديدًا إلى قائمة الألياف النباتية بخصائص مشابهة للكتان، كما أن ذلك يزيد التنوع الحيوي للمحاصيل المنتجة للألياف، وبذلك نكون في مأمن من تأثر محاصيل الألياف بظروف التغيرات المناخية، التي يُعد نخيل التمر أحد أبرز المحاصيل المقاومة لها.

وأضاف في حديث لـ"للعلم" أن نواتج تقليم نخيل التمر مورد غير مستغل، وتكلفته "صفر" داخل الحقل، ولا تجري زراعته خصوصًا لاستخلاص الألياف، كما أنه ليس موسميًّا، فالتقليم مستمر طول العام، ما يجعله موردًا مستدامًا.

وعن خطوات الاستخلاص، أوضح "الميداني" أن تجربته لاستخلاص الألياف من جريد النخيل ليست الأولى، وأن المحاولات السابقة ركزت على فرمه وتحويله إلى حُبيبات تُستخدم حشوًا في صناعة منتجات البلاستيك وبديلًا له، لكن إضافة تلك الحبيبات كانت تؤثر سلبًا على الخصائص الميكانيكية للبلاستيك (متانة الشَّدِّ والثني)، لذا كانت أكبر نسبة يمكن إضافتها إلى تلك المنتجات هي 5% فقط.

وألياف جريد النخيل تتكون من حزم ليفية وعائية، تشبه الأوعية الدموية، هدفها نقل الغذاء إلى أطراف الجريد؛ إذ يمتلئ جدار تلك الحزم بألياف السليلوز الدقيقة، وكان التحدي هو أن هذا التجويف الوعائي يجعل تلك الألياف غير مرنة وغير قابلة للثني، ولا تصلح للغزل أو النسيج، على عكس ألياف الكتان غير الوعائية المرنة.

ووفقًا للميداني، فإن صعوبة استخراج الألياف السليلوزية تكمن في أنها مغلفة بمادة صمغية طبيعية تسمى "الليجنين" (Lignin)، والتحدي هو استخلاص تلك الألياف الدقيقة والتخلص من التجويف الذي يجعلها مقاوِمةً للثني، وفصل الحزم الليفية إلى ألياف دقيقة طويلة كي تصبح مرنة، وتحديد ظروف الاستخلاص المُثلى التي تعطي أعلى درجة من نقاء السليلوز مع التخلص من الصمغ دون التأثير على خواصها الميكانيكية والفيزيائية.

تفكيك الحزم الليفية الدقيقة

ووفقًا لنتائج الدراسة، فالاستخلاص يمر بـ4 مراحل، أُولاها المعالجة القلوية، عبر نقع الجريد في محلول قلوي (الصودا الكاوية)، لمهاجمة مادة الليجنين، بالإضافة إلى تفكيك الحزم الليفية الدقيقة عبر الجدار الوعائي الذي يتماسك بمادة تسمى "الهيميسليلوز" (Hemi cellulose).

أما الخطوة الثانية فكانت المعالجة الميكانيكية، إذ إن الليجنين حساس للمحلول القلوي و"ينفش" كالإسفنج الذي يوضع في الماء، وبمجرد أن "ينفش" تجري إزالته من الألياف ميكانيكيًّا قبل أن يجف، من خلال عملية الدرفلة التي تعتمد على تمرير الألياف عبر أجسام أسطوانية ثقيلة وصلبة بهدف تقليل سُمكها وقطرها. في المرحلة الثالثة، يُضاف محلول حامضي للتخلص من الشوائب والرواسب القلوية وبقايا المحلول القلوي للوصول إلى رقم هيدروجيني محايد تقريبًا (لا قلوي ولا حامضي) وهو 7.5، أما المرحلة الرابعة فتتمثل في عملية الشطف بالماء لتنقية الألياف.

credit: Intexive مساهمة المنتج الجديد في الاقتصاد الحيوي الدائري

مقارنات ضرورية

ووفقًا للدراسة، فإن الخصائص الميكانيكية لألياف العينات التي لم تخضع للمراحل الـ4، كانت متانتها في حدود 118 ميجابسكال، وزادت مع المعالجة إلى 452 ميجابسكال، في حين وصل قطر حزم الألياف إلى 100 -120 ميكرونًا بعد المعالجة بعد أن كانت 600 -700 ميكرون نتيجة التجاويف الداخلية المليئة بالهواء والتي تُضعف الألياف. "وبهذه الطريقة أصبحت الألياف المستخلصة مرنة، ويسهل التعامل معها وإدخالها في التطبيقات الصناعية بصورة تماثل الألياف الطبيعية الشهيرة مثل السيزال والخيش وغيرها"، وفق "الميداني".

وبلغت الكثافة النوعية للألياف المستخلصة 1.3، وهي كثافة ألياف مثل الكتان والقنب والجوت، وهو مؤشر يدل على أنه جرى التخلص من الهواء الذي يملأ تجاويف الألياف، كما أن التخلص من الشمع الطبيعي الذي يغلف الألياف السليلوزية زاد من كثافتها، وزاد أيضًا من مؤشر التبلور فيها، ورفع من خصائصها الميكانيكية، وفقًا للميداني.

اكتشاف جديد

من جانبه، أشاد حامد الموصلي -أستاذٌ مُتفرِّغٌ بكلية الهندسة بجامعة عين شمس- بما توصل إليه فريق البحث، ووصفه بأنه "اكتشاف جديد" لمورد مهدر، ويمكن أن يعود بالنفع على أجزاء أخرى من النخلة، كالعرجون والخوص والليف، مشيرًا إلى أن نواتج النخلة الواحدة تقدر سنويًّا بـ54 كج، ويمثل جريد النخيل 15 كج فقط منها.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم" أن نقاء الألياف المستخرجة يمكِّنها من تسليح البوليمرات البلاستيكية، بنسب تبدأ من 50 إلى 80%، وبذلك يمكن توفير هذه النسب ذاتها من كمية البلاستيك الذي يشكل خطورةً على البيئة. وأوضح أن ما يميز هذا الاكتشاف أنه يعتمد على منتج ثانوي مهدر ومتوافر بكثرة، وبذلك يتميز عن مصادر الألياف الأخرى التي تُزرع خصوصًا لهذا الغرض –كالكتان- وما يتبع ذلك من تكاليف الزراعة والعمالة والمياه والمخصبات والمبيدات.

وافقه الرأي محمود فرج -أستاذ الهندسة الميكانيكية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة- إذ اعتبر أن نتائج البحث مبشِّرة، وتقترب بشدة من مرحلة التطبيق الفعلي للأبحاث الأكاديمية التي أُجريت في السابق لاستخلاص ألياف طبيعية من جريد النخيل، ويمكن أن تفيد كثيرًا في إدخال هذا المنتج إلى التطبيقات الصناعية.

معالجة صديقة للبيئة

لكن "فرج" نوه بأنه يجب أن نأخذ في الاعتبار أمان الطريقة الكيميائية التي تُستخلص بها تلك الألياف، والتأكد من عدم صرفها في المجاري المائية. في حين أكد "الميداني" أن عملية المعالجة القلوية ليست حديثة، فهي تُستخدم في صناعة الغزل والنسيج، وخطواتها تمر في حلقة مغلقة ولا تحتاج إلى صرف مُخرجات على البيئة؛ إذ تجري إعادة تدوير المحلول بالكامل، كما يحدث في تحويل الأخشاب إلى عجينة ورق، وهي عملية ليست مكلفة، كما أن تركيز المادة القلوية يكون 30%، و20% في الغزل والنسيج، في حين لا نستخدم في عملية استخلاص ألياف جريد النخيل سوى 1% فقط.

تطبيقات عصرية

وعن تطبيقاتها، قال "الميداني": إنه يمكن استخدام الألياف الجديدة لتسليح البلاستيك، نظرًا لخصائصها الميكانيكية، وهذا يدعم توجه العالم إلى استخدام الألياف النباتية الخشنة الصديقة للبيئة في تصنيع الأجزاء الداخلية لكابينة السيارة بدلًا من الألياف الزجاجية التي لا تتحلل عضويًّا وتضر بالبيئة. وتابع أنه يمكن استخدامها في عزل الصوت والحرارة في السيارات، كبطانة للأبواب والأسقف، ولتخفيف الاهتزازات، ويمكن أيضًا أن تحل محل ألياف السيزال التي يجري استيرادها من الخارج وتُستخدم في تدعيم ألواح الجبس ومواد عزل البناء والحرارة.

وهناك اتجاه أيضًا إلى استثمار استخدامها في صناعة الطوب الجيري، وفقًا للميداني؛ إذ يمكن تدعيمه بهذه الألياف، كما تُستخدم في صناعة السجاد الكامل، لكن الاستخدام الشائع لها هو ظهر السجاد بدلًا من الجوت، بالإضافة إلى صناعة أجولة الغلال والحبال، وتصنيع الأوراق المنتجة من ألياف نباتية، وهذه تُستخدم في صناعة النقود وأوراق الديكور وأوراق الفلاتر.

وأشار إلى فائدة أخرى يمكن أن تخرج من عملية الاستخلاص، وهي بواقي الهيميسليلوز والليجنين التي تتبقى من عملية الاستخلاص، والتي يمكن استخدامها كطمية اصطناعية في المشاتل والمزارع؛ لمساعدة النباتات والزهور على النمو بشكل سريع، إذ عمل الفريق على تجربتها في الزراعة وأعطت نتائج جيدة.

وعن الخطوات المقبلة، قال الميداني: إن الفريق بدأ في عملية التعريف التجاري بهذه الألياف، كما أجرى تجارب صناعية كاملة لغزل الألياف على خط الكتان في أحد المصانع المصرية، وتمكَّن بنجاح من إنتاج خيوط وقماش منسوج وغير منسوج، بالإضافة إلى عرض الألياف على أحد المصانع المتخصصة في صناعة الحبال من ألياف السيزال التي يتم استيرادها من الخارج، وكان هناك قبول واسع وحماس كبير من الفريق الفني بالمصنع لهذه الألياف الجديدة، وفق قوله.