طور باحثون جزيئًا صغيرًا يمكنه استهداف بروتين HSF1 بشكل فعال، ويُعرف ذلك البروتين علميًّا باسم عامل الصدمة الحرارية، وهو بروتين يحمي الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي ومن علاجات السرطان.

الجزيء الذي جرى تطويره نجح في إبطاء نمو الأورام السرطانية في أربعة نماذج لسرطان البروستاتا في الفئران، ويُتوقع له أن يحسِّن النتائج لدى المرضى الذين يعانون من أحد سرطانات البروستاتا العدوانية، وكذلك أورام خبيثة أخرى تميل إلى مقاومة العلاجات المستخدمة في الوقت الحالي.

فعلى الرغم من أن وجود بروتين HSF1 في سيتوبلازم الخلية يحميها من الإجهاد الحاد، إلا أن العلماء لاحظوا أنه يؤدي أيضًا دورًا آخر في حماية الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي ومن التأثيرات المميتة لعلاجات السرطان.

كما أظهر العديد من الدراسات العلمية أن المستويات العالية من HSF1 ترتبط بضعف فرص البقاء على قيد الحياة لمرضى أنواع مختلفة من السرطان.

فسرطان البروستاتا العصبي الصماوي، أحد أكثر سرطانات البروستاتا شراسة، وتزداد احتمالات ظهوره لدى مرضى سرطان البروستاتا الغدي ممن فشل علاجهم الهرموني، إذ يطور الورم آليةً لمقاومة العلاج، مما يجعل علاجه والشفاء منه أمرًا صعبًا.

وقد لاحظ العلماء وجود HSF1 بوفرة داخل نواة خلايا سرطان البروستاتا العصبي الصماوي، وأن تراكمه داخل نواة الخلية السرطانية ارتبط بزيادة نشاط الورم ومقاومته للعلاج، كما تراجعت معه فرص بقاء المريض على قيد الحياة.

وكان فريق بحثي متعدد التخصصات من كلية الطب جامعة ديوك بمدينة دورهام، ولاية كارولاينا الشمالية الأمريكية، بقيادة دينيس جي. تييلي، أستاذ متميز في علم الأدوية وبيولوجيا السرطان، قد نجح لأول مرة في تصميم مركب أطلقوا عليه المثبط المباشر الانتقائي لعامل الصدمة الحرارية1 (HSF1)، المعروف اختصارًا بـ(DTHIB)، والذي يرتبط بهذا العامل داخل النواة ويقوم بتكسيره.

وظل البروتين HSF1 هدفًا جذابًا للعلاجات الجديدة، ولكن لم تكن هناك مركبات معتمدة يمكنها استهدافه بشكل انتقائي في البشر، حتى خروج نتائج هذه الدراسة إلى النور.

استخدم الفريق البحثي تقنية فحص متقدمة، مكَّنتهم من تحديد العديد من الجزيئات التي يمكن أن ترتبط بـHSF1 وتثبطه في نوى خلايا الفئران.

وفي النهاية، نجحوا في تصنيع المثبط الانتقائي DTHIB الذي أوقف انتشار الخلايا السرطانية وعاق عمل البروتين HSF1 دون التفاعل مع البروتينات الأخرى.

كما أبطأ DTHIB نمو الأورام أو عكَسه في أربعة نماذج من الفئران، تتضمن القوارض المصابة بسرطان البروستاتا الصماوي العصبي المقاوم للعلاج.

والبروستاتا هي غدة تناسلية لدى الذكور، حجمها يقارب حجم حبة الجوز، تقع أسفل المثانة وأمام المستقيم، وظيفتها إفراز معظم السائل المنوي الذي يغذي الحيوانات المنوية.

وحتى الآن لم يتوصل العلماء بشكل قاطع إلى الأسباب وراء الإصابة بسرطان البروستاتا، إلا أن بعض عوامل الخطر قد ترفع احتمالية الإصابة به، ومنها عامل السن؛ إذ تتزايد معدلات الإصابة بشكل كبير بعد سن الخمسين.

 وتشير الإحصائيات إلى أن 6 من كل 10 حالات مصابة بسرطان البروستاتا موجودة في الذكور فوق سن الـ65، كذلك التاريخ المرضي في العائلة ووجود مصابين سابقين بسرطان البروستاتا.

ويُعد العِرق من عوامل الخطر التي حددها الباحثون على مر السنين؛ إذ وجد العلماء أن سرطان البروستاتا يحدث أكثر بين الأمريكيين من أصل أفريقي، والرجال من أصل كاريبي، في حين أن حدوثه أقل بين الرجال الأمريكيين من أصل آسيوي، وكذلك اللاتينيين.

دراسة شاملة

من جانبه، يقول شريف الخميسي، مدير معهد علاج السرطان بجامعة برادفورد البريطانية: إن هناك مركبات أخرى تستهدف بروتين HSF1، "ولكن العديد منها يفعل ذلك بطريقة غير مباشرة، مثال ذلك، تلك المركبات التي تقوم بحجب مواقع تفعيل النسخ لبروتين HSF1".

ويشدد مروان عمارة -مدير مركز الشيخوخة والأمراض المصاحبة لها، بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، مصر- على ذلك بقوله: "إن هذه الدراسة قد تكون أول دراسة شاملة جرى التحقق من صحتها في تحديد مثبط مباشر وانتقائي لهذا البروتين".

ويوضح "عمارة" كيف استخدم الباحثون تقنية قياس التألُّق بالمسح التبايُني (DSF) لتحديد المثبط المباشر والمستهدف لعامل الصدمة الحراري 1 (DTHIB)، التي تُعد طريقةً سريعةً ورخيصةً للفحص يمكن تطبيقها لتحديد الربيطات ذات الوزن الجزيئي المنخفض، وهي مركبات كيميائية ترتبط بالبروتين النقي وتعزز استقراره".

وتكشف تقنية قياس التألق بالمسح التبايني عن التفاعلات البروتينية المباشرة من خلال مراقبة التغييرات في درجة حرارة انصهار البروتين المستهدف.

نجاح المركب على النماذج الحيوانية

وللتأكد من فاعلية المركب الذي قام الباحثون بتصميمه ليكون عقارًا دوائيًّا في الحيوانات، أجرى الباحثون تجاربه على أربعة نماذج من الفئران تم زرع أنواع مختلفة من خلايا سرطان البروستاتا بداخلها، ثم حقنوها بـ5 مجم/كجم من مركب الـDTHIB، ثم تمت مقارنتها بعينة تحكم.

وبعد مرور ثلاثة أسابيع من حَقن نماذج الفئران بمركب الـDTHIB، لاحظ الباحثون ضعف تطور الورم، مع عدم ظهور أي علامات على نموه، بالإضافة إلى تقلص متوسط حجمه قرابة 40% في بعض النماذج.

كما لاحظ الباحثون تراجُع الورم وتقلُّص حجمه في كل النماذج، متضمنةً تلك الممثلة لسرطان البروستاتا العصبي الصماوي الشرس والمقاوم للعلاج.

وأشاد "الخميسي" بالاختبارات التي أجراها الباحثون على الفئران، واصفًا إياها "بالقوية"، وأثنى على إجرائهم التجارب على نماذج من الفئران العارية، وهي نوع من الفئران المختبرية لديها طفرة تتسبب في انعدام المناعة، وذلك لحذف تأثير الجهاز المناعي على تراجُع الورم، وكذلك نموذج الفئران المتوافق وراثيًّا مع أنسجة سرطان البروستاتا العصبي الصماوي، والذي يوفر نهجًا فعالًا لدراسة كيفية أداء المركب في وجود جهاز مناعي عامل.

آفاق بحثية جديدة

تلك النتائج كلها تبدو مبشرة، إلا أن المركب ليس جاهزًا بعدُ لتجربته على البشر، "لا بد للباحثين من إجراء المزيد من الدراسات لبيان سُمِّيَّة المركب على نماذج حيوانية للتجارب ما قبل الإكلينيكية، وهناك أيضًا الأسئلة العملية المتعلقة بطريقة تناوُل المركب، والحركيات الدوائية للمركَّب داخل الجسم لوصف عمليات الامتصاص والتوزيع، والأيض وكذلك الإفراز"، وفق "الخميسي".

واتفق كلٌّ من "الخميسي" و "عمارة" على أن نتائج الدراسة تفتح آفاقًا جديدة للباحثين في المستقبل، و قد عبر "عمارة" عن رأيه قائلًا: "ستساعد الدراسة الباحثين على تجربة هذا المركب الجديد لعلاج أنواع أخرى من السرطانات التي يتم فيها التعبير عن عامل الصدمة الحرارية 1 بشكل كبير".

 ويرى "الخميسي" أنه "سيكون من المثير للاهتمام أن ننظر إلى المركب في حالات مختلفة، مثل تفاعل المركب الجديد مع العلاج بالحرمان من هرمون الأندروجين مع العلاج الإشعاعي أو من دونه، وأيضًا تأثير المركب في تحديد علاج الأندروجين ثنائي القطب"، مضيفًا أنه "من المهم أيضًا دراسة التأثير على النقائل العظمية التي تسبب كسورًا مرضيةً وآلامًا في العظام، وهما اثنتان من المشكلات الشائعة التي يواجهها مرضى سرطان البروستاتا المتقدم".