يعتبر نخيل التمر، أحد أهم أشجار الفاكهة في العالمين العربي والإسلامي، حيث تستحوذ الدول العربية على 71% من أشجاره في العالم، وعلى 81% من جملة الإنتاج العالمي، بينما ترتفع هذه النسبة لتصل إلى 99% (103.95 ملايين شجرة)، من عدد أشجار نخيل التمر بالعالم البالغة 105 ملايين، عند الجمع بين العالمين العربي والإسلامي، وفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو".

وتتم زراعة أشجار نخيل التمر في دولة الإمارات العربية المتحدة التي تُعَد حاليًّا واحدةً من ضمن أكبر 10 منتجين للتمور في العالم، ويقدر عدد أشجار النخيل بالإمارات بحوالي 40 مليون نخلة، إذ بلغ إنتاجها أكثر من 825 ألف طن في عام 2010، لكنه تراجع إلى حوالي 672 ألف طن في 2016، بنسبة انخفاض بلغت 18٪.

ويُعزى هذا التراجع الواضح في إنتاج الإمارات من التمور -وفق باحثين إماراتيين- إلى زيادة تكاليف الإنتاج والتغيرات المناخية والآفات الزراعية الخطيرة التي تسبب الإصابة بالعديد من الأمراض، يأتي في مقدمتها مرض خطير يُطلَق عليه "متلازمة التدهور المفاجئ للنخيل"، يسبب تدهورًا مميتًا لبساتين النخيل؛ إذ يبدأ على شكل بؤرة إصابة في منطقة معينة، ثم سرعان ما يمتد ليشمل جميع أشجار النخيل الموجود في البستان، مؤديًا إلى هلاكها.

فريق بحثي من قسم علوم الحياة في كلية العلوم ومركز خليفة للتقانات الحيوية والهندسة الوراثية في جامعة الإمارات العربية المتحدة، نجح -بالتعاون مع باحثين من جامعة مردوخ الأسترالية- لأول مرة في تحديد أسباب متلازمة التدهور المفاجئ للنخيل وعلاجها في دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك عن طريق دراسة جينوم النخيل، إذ تمكَّن من علاج هذه الآفة باستخدام مبيد فطريات كيميائي. نُشرت نتائج الدراسة في دورية إنترناشيونال جورنال أوف موليكلير ساينسيز.

ووفق الدراسة، تهاجم متلازمة التدهور المفاجئ نسيجَ أشجار نخيل التمر، فتقلل من قدرتها على امتصاص الماء. وسرعان ما تبدأ علامات ندرة المياه تظهر على الشجرة بشكل تدريجي، وما إن تظهر أعراض المرض بوضوح، حتى يصبح من الصعب إيقافها، كما أنه لا يوجد علاج فعال يواجه هذه المتلازمة حتى الآن.

وتبدأ أعراض تلك الآفة بتلوُّن العرق الوسطي لجريد النخيل بلون برتقالي مصفر، ثم تنتقل الأعراض إلى الجريد الخارجي، ثم إلى قلب النخلة، أما تيبُّس السعف أو الجريد فيبدأ من الأعلى إلى الأسفل، وفي النهاية يتحول الجريد بكامله إلى لون بني شاحب، وتموت النخلة في غضون بضعة أيام إلى عدة أسابيع.

وأما عن تأثير المرض على التمور، فهو يؤدي إلى سقوط ثمار البلح قبل الوصول إلى مرحلة النضج، وإذا هاجمت الآفة النخلة في مرحلة الرطب تجف الثمار. وتصاب النخلة بهذا المرض في مختلف الأعمار، ولكن ذكور النخيل أقل إصابة.

مسببات المرض

درس فريق البحث مسبِّبات المرض، عن طريق أخذ عينات من جذور أشجار نخيل مصابة في مدينة العين الإماراتية، لاكتشاف أنواع فطريات التربة التي تسبب المرض، والطرق الفعالة لمواجهتها.

وركزت الأبحاث على دراسة 3 أنواع من فطريات "اﻟﻔﻳوزارﻳوم" (Fusarium) الخيطية التي تسبب المرض، وتنتشر بشكل كبير في التربة، وهي: (F. oxysporum، F. proliferatum ، F. solani). وتعتبر تلك الفطريات هي الأكثر تدميرًا لنخيل التمر في دول شمال أفريقيا، ولا سيما الجزائر والمغرب وموريتانيا.

استعان الفريق في دراسته بتقنيات حديثة للكشف عن مسببات الأمراض الفطرية، تسمى (ITS/LSU rRNA) أو تقنية الباركود، وهي تعتمد على استخدام المادة الوراثية للحمض النووي (DNAلمعرفة المسببات المرضية للآفات، وتوصلوا إلى أن فطريات "الفيوزاريوم سولاني" (F. solani) في التربة هي التي تقف وراء الإصابة بهذه المتلازمة.

وفي محاولة لمواجهة تلك الآفة، جرب الفريق أنواعًا مختلفة من مضادات الفطريات الكيميائية، وتمكنوا لأول مرة من تحديد علاج فعال لها، يتمثل في مبيد الفطريات الكيميائي "سيدلي توب" (Cidely® Top)، وهو جيل جديد من المركبات الفطرية يتميز بتركيبة وقائية وعلاجية جيدة، ويستهدف بشكل أساسي آفات مثل البياض الدقيقي وتبقُّعات الأوراق، وأمراض أخرى تصيب المحاصيل الزراعية البستانية والحقلية، مثل الطماطم والقرعيات، ومحاصيل الحبوب ومنها القمح.

من جانبه، قال "خالد عباس الطرابيلي"، أحد أعضاء الفريق البحثي: إن مبيد الفطريات الكيميائي "سيدلي توب" نجح في إعاقة نمو فطر "الفيوزاريوم سولاني"، بل وقتله في الدراسات المختبرية.

وفي حديث لـ"للعلم" أضاف "الطرابيلي" أن هذا المبيد نجح أيضًا في القضاء على مرض ذبول النخيل في التجارب التي أجريت داخل البيوت البلاستيكية، وبذلك يعتبر هذا البحث هو الأول الذي يؤكد أن هذا المبيد فعال بقوة ضد متلازمة التدهور المفاجئ للنخيل.

وأوضح أن الممارسات البستانية الجيدة تقلل من تأثيرات هذه الآفة وتطيل عمر الشجرة، وتشمل هذه الممارسات قص الأجزاء المصابة وتهذيبها، وحرق الجريد المصاب، وإجراء الصيانة الدورية للتربة ووضع المخصبات المناسبة؛ لزيادة صحة ونشاط أشجار النخيل. وأشار "الطرابيلي" إلى أن استخدام المواد الكيميائية والمبيدات بشكل عام لا يزال يشكل الإستراتيجية الرئيسية للتخفيف من خطر أمراض المحاصيل، بغض النظر عن مشكلاتها البيئية والمخاوف المتعلقة بالصحة العامة، إذ يمكن للمبيدات الفطرية أن تقلل من حدوث مرض ذبول أشجار النخيل المبكرة من العدوى.

وعن الخطوات المستقبلية للفريق، كشف عن أنهم سيواصلون جهودهم للبحث عن عوامل المرض وقدرته على إحداث الضرر والانتشار بين أشجار نخيل التمر، ما سيساعد بشكل أكبر في تطوير إستراتيجيات فعالة لإدارة هذا المرض ومواجهته بطرق حديثة صديقة للبيئة، وذلك كي يكون بديلًا لاستخدام المبيدات الكيميائية.

واعتبر "السمان محمود" -الباحث بمعهد بحوث الهندسة الوراثية الزراعية، بمركز البحوث الزراعية في مصر- أن الإنجاز الأكبر الذي توصل إليه الباحثون في هذه الدراسة، هو الوصول إلى علاج فعال لمتلازمة التدهور المفاجئ، والتعرف على المسبِّب المرضي الحقيقي والمسؤول عن ظهور أعراض المرض، بعد أن تمكَّن الباحثون من عزل كل التجمعات الفطرية الموجودة في جذور النخيل المصابة، ثم تطبيق تقنية تعريف المجتمعات الفطرية عالية الدقة، التي مكنتهم من تعريف الفطريات اﻷكثر ظهورًا في أشجار النخيل وتوثيقها، وتجربة أنواع مختلفة من مضادات الفطريات الكيميائية، حتى توصلوا إلى مبيد للفطريات قادر على تثبيط التجمعات الفطرية ووقف نموها تحت ظروف الصوبة الزراعية.

علاج فعّال

وقال "مراد مختار مختار"، الباحث بقسم بحوث الخرائط الوراثية بمعهد بحوث الهندسة الوراثية الزراعية بمركز البحوث الزراعية في مصر، لم يشارك بالدراسة: إن هذه الدراسة من أوائل الأبحاث التي تؤكد أن مبيد الفطريات الكيميائي "سيدلي توب" فعّال في علاج أشجار النخيل المصابة بمتلازمة التدهور المفاجئ.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضاف أن فريق البحث استخدم فحص وتحليل المادة الوراثية الخاصة بالمرض، وهي وسيلة تقنية حديثة ومنتشرة عالميًّا على نطاق واسع. وأشار إلى أن متلازمة التدهور المفاجئ ومرض اللفحة السوداء اللذَين يصيبان نخيل البلح من أهم العوامل الرئيسية التي أدت إلى تدمير العديد من بساتين النخيل على مستوى الوطن العربي، ونتج عنها خسائر اقتصادية فادحة. ونوه بأنه على الرغم من المشكلات التي يسببها استخدام المواد الكيميائية وسيلةً لعلاج أمراض النباتات بصفة عامة، إلا أنه يتم اللجوء إليها في بعض الأحيان، في حالة فشل استخدام عوامل المكافحة الحيوية؛ إذ أثبتت العديد من الدراسات عدم كفاءة استخدام المكافحة الحيوية في الأمراض التي تسببها عائلة فطريات "اﻟﻔﻳوزاريوم".

والمكافحة الحيوية، هي استخدام الكائنات الحية (المفترسات أو المتطفلات أو العوامل المُمْرِضة) كالحشرات والسوس والحشائش، لمنع أو تخفيف الخسائر أو الأضرار الناتجة عن الكائنات الضارة، أو تقليل أعداد الآفة عن الحد الذي يسبب ضررًا اقتصاديًّا، ولا تهدف المكافحة الحيوية إلى القضاء الكامل على الآفة، بل إلى خفض أعدادها إلى درجة من التوازن الطبيعي تصبح فيه الآفة غير ضارة اقتصاديًّا رغم وجودها على المحصول.

وأوصى "مختار" بإجراء دراسات مستقبلية لتجربة هذا المبيد على نطاق أوسع في الحقل؛ لتحديد إمكانية استخدامه على النطاق التجاري، كما أوصى بإجراء دراسات أكثر تخصصًا لهذه الآفة؛ إذ سينعكس هذا بالإيجاب على عملية الإدارة المتكاملة للأمراض، وفق قوله.

من جانبه، قال "سنان أبوقمر" - أحد أعضاء الفريق البحثي- إن الفريق لن يعتمد على المبيدات الكيميائية فقط لمواجهة متلازمة التدهور المفاجئ لنخيل التمر في الإمارات، بل سيواصل جهوده العلمية لبحث إمكانية استخدام المكافحة الحيوية للآفات الزراعية، عن طريق استخدام البكتيريا النافعة التي تقوم بقتل الفطر الضار المسبب للمرض.  وأضاف قائلًا لـ"للعلم" إن آلية قتل البكتيريا النافعة للفطر الممرض تتمثل فى إفراز مضادات حيوية طبيعية وإنزيمات محللة للجدر الخلوية للفطر الضار، معتبرًا أن هذه الطريقة البديلة سوف تساعد بشكل أكبر في تطوير استراتيجيات فعالة لمواجهة هذا المرض بطرق حديثة صديقة للبيئة، وذلك للتقليل من استخدام المبيدات الكيميائية.

أدوات لمواجهة الآفات الزراعية

ورأى "السمان محمود" أن التطبيق المستقبلي لنتائج هذا البحث في مجال تربية أشجار النخيل وإكثارها قادر علي زيادة إنتاجيتها المتوقعة وحماية الثروة المحلية من متلازمة التدهور المفاجئ. وأضاف -في تصريحات لـ"للعلم"- أن الباحثين منحوا الجهات المختصة في البلدان التي تزرع نخيل التمر، اﻷدوات المناسبة لمواجهة مثل هذه الآفات الزراعية والتحكم في ظهورها وتفشِّيها، ما سينعكس بالإيجاب على جودة أشجار النخيل وعلى زيادة المجهودات الكبيرة التي تُبذل لحمايتها، وزيادة اﻹنتاج المحلي، والتغلب على الآفات غير القابلة للعلاج.

ونوه بأنه يمكن تطبيق المسار البحثي نفسه للتوصل إلى علاج فعلي للعديد من الآفات الزراعية غير معروفة اﻷسباب، والتي تسبب خسارة فادحة في العديد من المساحات الشاسعة من أشجار النخيل التي تتميز بها عديد من الدول العربية.