عولج طفل سعودي يبلغ من العمر 3 سنوات، من طفرة جينية مميتة يسببها اضطراب وراثي نادر للغاية، يقتل المواليد عادةً خلال أسابيع من الولادة، بفضل جهد وتعاون بحثي دولي، شارك فيه علماء من أمريكا والسعودية وفرنسا. 

ويعوق هذا المرض عمل الجهاز المناعي، ويسبب أعراضًا قاتلة، أبرزها فشل الجهاز التنفسي الناجم عن الالتهاب الرئوي، وتراكم السوائل في الدماغ، وفرط الالتهابات في جميع أنحاء الجسم، بالإضافة إلى تكلُّسات في المخ؛ إذ تؤدي زيادة علامات الالتهاب إلى فرط ترسُّب الكالسيوم في الدماغ، كما يؤدي إلى غيبوبة، وتسوُّس في العظام، بالإضافة إلى تآكل الجلد وتساقطه.

يُعرف هذا المرض النادر باسم نقص جين (USP18)، وهو اضطراب وراثي ينجم عن حدوث طفرة في هذا الجين. اكتُشف جين USP18 لأول مرة في عام 2016، عبر فريق بحث دولي شارك فيه علماء من كلية إيكان للطب في "ماونت سيناي" بمدينة نيويورك الأمريكية. ونشر الفريق نتائج دراسته في العدد الأخير من الدورية العلمية "نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين" (New England Journal of Medicine).

إستراتيجية العلاج

رعاية سريرية استثنائية، وتشخيص وراثي، وعلاج مناعي، تلك كانت إستراتيجية العلاج التى قادت الطفل إلى النجاة من الموت، ليعيش حياةً طبيعيةً خاليةً من الأعراض المميتة لهذا الاضطراب الوراثي. قال دوسان بوجونوفيتش، أستاذ مشارك في علم الأحياء المجهرية وطب الأطفال في كلية إيكان للطب، وقائد فريق البحث: "هذا المرض كان في السابق بمنزلة عقوبة الإعدام. الآن أثبتت نتائج دراستنا أنه يمكن علاجه، إذا جرى اكتشافه مبكرًا، وتم تقديم الرعاية السريرية السليمة، وحصل المريض على العلاج في الوقت المناسب".

وعن أهمية وجود فريق دولي مشارك في الدراسة، أضاف في تصريحات لـ"للعلم"، أن "التعاون الدولي أمرٌ لا بد منه؛ فالأمراض النادرة بحكم تعريفها لا يمكن لبلد واحد التعامل معها بمفردها، إذ يحتاج كل بلد إلى الخبرة التي تمتلكها قلة قليلة من الناس على هذا الكوكب". وتابع: "في دراستنا انضمت المملكة العربية السعودية، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية متمثلة في (كلية إيكان للطب "ماونت سيناي" وجامعة روكفلر). هكذا بالضبط يجب أن يكون الطب والتقدم العلمي، بلا حدود".

وأشار "بوجونوفيتش" إلى أن "الفريق لا يزال في بداية الأمر فيما يتعلق بالتشخيص الجيني السريع والعلاج التجريبي للاضطرابات الموروثة، لذا سنركز جهودنا المستقبلية على فهم أعمق وأفضل لهذه الأمراض التي قد تظهر في كثير من الأحيان عند الأطفال، ولكنها قد تحدث بصورة متأخرة وتؤثر على البالغين أيضًا"، مضيفًا أن هذا النوع من الأبحاث يشكل مجالًا أساسيًّا لفهم الأمراض الوراثية الشائعة وعلاجها.

رعاية استثنائية

وُلد الطفل المريض لأب وأم، أقارب من الدرجة الأولى (أبناء عمومة)  بعد 38 أسبوعًا من الحمل الذي تم عن طريق الإخصاب المجهري، ما يعني أنه حمل كامل النمو، وبعد 13 يومًا من الولادة أصيب بمتلازمة ضيق النفس الحادة (ARDS)، بالإضافة إلى تجلُّط الدم داخل الأوعية دون تضخُّم عضوي، إذ جرى إدخاله إلى وحدة العناية المركزة للأطفال "الحضانة". وكان طفلٌ أكبر للأسرة نفسها قد تُوفي بالمرض ذاته، ولكن دون معرفة الأسباب الحقيقية.

وعلى مدار الـ6 أشهر الأولى من عمره، خضع الطفل لرعاية سريرية استثنائية في الحضانة، على يد أطباء قسم طب الأطفال بكلية الطب جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية، بقيادة فهد السويمي، مستشار الرعاية المركزة للأطفال بالمدينة، لعلاج المضاعفات التي أُصيبَ بها.

وبعد أن اشتبه الأطباء في المملكة بإصابة الطفل بنقص (USP18)، تواصلوا مع علماء من جامعة "روكفلر" بمدينة نيويورك الأمريكية، وجامعة باريس ديكارت الفرنسية، وكلية إيكان للطب. وقد أسهمت الأخيرة في اكتشاف الجين المسبب للمرض عام 2016، وهكذا بدأ التعاوُن السريري والبحثي بين أفراد الفريق.

التشخيص الجيني

بعد أخذ موافقة خطيّة مستنيرة من والدي الطفل، أخذ الفريق البحثي عينةً من الخلايا الليفية الجلدية للطفل المريض، وأرسلوها إلى مختبر التشخيص الجيني في مدينة روستوك بألمانيا؛ لإجراء المسح الجيني.

كشف اختبار المسح الجيني أن الطفل مصاب بطفرة في جين (USP18)، وقد جرى تجريب عقار يسمى "روكسوليتينيب" (Ruxolitinib)، وهو دواء يُستخدم لعلاج بعض اضطرابات نخاع العظام، وينتمي إلى فئة من العقاقير تُعرف بمثبطات بروتين كيناز. وفي غضون شهرين من العلاج كان الطفل في حالة جيدة بما يكفي للاستغناء عن جهاز التنفس الصناعي بالحضانة. وبعد عامين من العلاج، بعد أن بلغ الطفل الآن 3 سنوات، لم تظهر عليه العلامات السريرية للاضطراب الوراثي، ويتلقى فقط متابعة علاجية في عيادة خارجية، وما زال ينمو بشكل طبيعي، وإن كان مع تقدم أبطأ مقارنةً بأقرانه، لكنه على الأرجح سيحتاج إلى تناول "روكسوليتينيب" بقية حياته للسيطرة على أعراض المرض، وفقًا للدراسة.

الحالة الأولى عربيًّا

من جانبها، رأت غادة محمد عبد السلام -أستاذ الوراثة الإكلينيكية والوراثة البشرية بالمركز القومي للبحوث- أن نتائج هذه الدراسة تمنح البحث العلمي أملًا لإمكانية علاج واحد من الأمراض الوراثية نادر الحدوث، إذ تعتبر هذه هي الحالة السادسة حول العالم، والأولى في العالم العربي التي يتم تشخيص إصابتها بهذا المرض، وفق قولها.

وتابعت أن هذا المرض من المتلازمات التي تنتقل بطريقة متنحية نتيجة زواج الأقارب، ما يعني أن نسبة تكرارها خلال كل حمل ٢٥%، وكان للحالة التي تناولها البحث أخ أكبر، توفي بالأعراض نفسها، لكن نسبة تكرار الحالات الناتجة عن العدوى خلال الحمل لا تتعدى ٣-٥%، وهي نسبة ضعيفة جدًّا إذا قورنت بتلك الناتجة عن الأمراض الوراثية المتنحية.

من جانبه، قال محمود يسري، الباحث في قسم الوراثة الإكلينيكية، بالمركز القومي للبحوث بمصر: إن فريق البحث نجح في إنقاذ طفل من موت محقق، عبر خطة علاجية للسيطرة على طفرة جينية مميتة، تصيب الأجنة خلال الحمل، وتؤدي إلى موتهم في بطون أمهاتهم، وفي حالات أخرى يمكن أن تستمر أعراضها حتى ولادة الطفل، وتؤدي إلى موته بعد أسابيع من الولادة.

واعتبر -في حديث لـ"للعلم"- أن خطورة هذا المرض أنه يودي بحياة الأجنة دون أن يتم تشخيصهم، أو يشخصه أطباء وحدات الرعاية الخاصة أو الحضانات عادةً على أنه تسمم في الدم، نظرًا لعدم معرفتهم بهذا المرض، وعدم توافر تقنيات المسح الجيني باهظة الثمن في كثير من البلدان.

وعن وظيفة جين (USP18) في الجسم، أوضح "يسري" أنه يعمل إذا أصيبَ الطفل بعدوى بكتيرية، وسواء كان في بطن أمه أو عندما يولد، فإن الجسم يرد على هذه العدوى عن طريق إفراز علامات أو دلالات التهابية تقاوم الميكروبات أو العدوى، لكن هذه العلامات لها حدود معينة لا تزيد عنها، ووظيفة هذا الجين إيقاف العلامات الالتهابية عند الحدود الطبيعية، لكن عندما يصاب الأطفال باضطراب وراثي في هذا الجين، يتم تعطيل عمله، وتبقى العلامات مستمرةً في العمل دون توقف وتزيد مستوياتها، وتحدث الأعراض الصحية المميتة لهذا الاضطراب.

آلية تأثير المرض على الجسم

ووفقًا لـ"يسري"، فإن نقص (USP18) واحدٌ من الأمراض الناتجة عن خلل في بروتين  "الإنترفيرون"، ويؤثر هذا الجين بالتحديد على آلية عمل النوع الأول من "الإنترفيرون" (Interferon I)، وهو بروتين تنتجه خلايا الجهاز المناعي للجسم بشكل طبيعي كمضاد للعدوى الفيروسية والالتهابات، ويُحدث التهابًا في المنطقة المصابة بالفيروس أو العدوى، كي يحفِّز الجهاز المناعي على إفراز أجسام مضادة تقاوم العدوى، ويقوم هذا الجين بتنظيم إشارة "الإنترفيرون"، لكن إذا أصيب الجسم بنقص فيه -كما يحدث في الاضطراب الوراثي الذي تتناوله الدراسة- فإن آلية الالتهاب تظل عاملةً دون توقُّف، فتشتد درجة الالتهاب بصورة كبيرة، وبالتالي يحدث تحجيم لعمل الجهاز المناعي، وتحدث الأضرار الخطيرة التي حدثت للطفل، كنزيف المخ وتكلُّسه، والإصابة بالالتهاب الرئوي .

وأضاف أن هذه الطفرة يطلق عليها أيضًا اسم (pseudo-TORCH syndrome)، ويتم تشخيصها عادةً على أنها فيروس أو ميكروب في أثناء الحمل، وليس مرضًا جينيًّا، لكن ما ساعد على الوصول إلى هذه النتائج، أن هذا الطفل كان محظوظًا لأنه عاش حتى الشهر السادس من عمره، بفضل الرعاية الطبية الاستثنائية التي حصل عليها، لحين إجراء تحليل المسح الجيني له، بغية التأكد من إصابته باضطراب وراثي.

وأشار إلى أن الفريق جرب على المريض دواء "روكسوليتينيب"، الذي يُستخدم لمرض مشابه يطلق عليه متلازمة (Aicardi-Goutières)، وينتمي إلى مجموعة من الأمراض تسمى "خلل الإنترفيرون" أو (interferonopathies)، لكن هذا الدواء لم يحصل على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لعلاج المرض، ولاحظوا أن الطفل يتحسن إذا حصل على جرعات زائدة منه، ويعود إلى أعراض المرض إذا تم سحب الدواء منه أو تقليل الجرعات، فزادوا الجرعة.

وأكد "يسري" أن الطفل لم يُشفَ تمامًا من المرض؛ لأن الطفرة الجينية لا تزال موجودةً لديه، لكن تجري السيطرة على أعراضها بفضل العلاج، إذ تظهر الأعراض في حالة الإصابة بأي عدوى مثل التهابات الجهاز التنفسي العلوي نتيجة الإنفلونزا، فإن هذا الالتهاب لا تجري السيطرة عليه، وبالتالي تحدث المشكلات المصاحبة لهذه الطفرة الجينية، إذا لم يتناول المريض العلاج. في حين قالت "عبد السلام": إن هذه أول دراسة ترصد تأثير دواء "روكسوليتينيب" على المصابين بنقص ((USP18، كمثبط لـ"الإنترفيرون ١"، إذ يُستخدم هذا الدواء في علاج بعض الأمراض الناتجة عن خلل المناعة، لكن من المبكر جدًّا التنبؤ بنجاح هذا الدواء في تلك المجموعة من الأمراض، وخاصةً نقص (USP18)؛ لأن التجربة أُجريت على مريض واحد فقط، وكذلك لمدة بسيطة وهي سنتان، ولكنها -في الوقت ذاته- الدراسة الوحيدة التي عاشت فيها حالة مصابة المرض حتى سن الثالثة بعد العلاج، إذ إن الحالات الخمس السابقة التي جرى تشخيص إصابتها بالمرض حول العالم ماتت عند الولادة أو بعدها مباشرة.

دروس مستفادة

وأكد "يسري" أن هناك دروسًا مستفادة من نتائج هذه الدراسة، أبرزها ضرورة الحد من زواج الأقارب، وثانيًا توعية الأطباء -وخاصة المعنيين بحديثي الولادة في الحضانات- بعدم الاستسلام وتشخيص الحالات المشابهة على أنها تسمم في الدم، وخاصةً إذا كان الأبوان أقرباء، وكان هناك تاريخ عائلي يتمثل في وفاة طفل آخر في الأسرة بالأعراض ذاتها، ويكون ذلك عن طريق إخبار أطباء الوراثة بهذه الحالات؛ حتى لا تكون النتيجة أن هذا الطفل "يموت وسره معه" دون تشخيص.

وأشار إلى صعوبة اكتشاف مثل هذه الأمراض، فالمسح الجيني المتقدم لا يتوافر في مصر والدول المجاورة على سبيل المثال، وبالتالي يبقى الأمل معقودًا على القدرة المادية للأسرة، لإرسال العينات وتحليلها بالخارج، وهذا بطبيعة الحال لا يتوافر كثيرًا.

ونوه بأنه من الأفضل إجراء تشخيص للأجنة، قبل عمليات الحقن المجهري، إذا كان هناك طفل يعاني من هذه الحالة في الأسرة، وذلك لاختيار الأجنة السليمة، واستبعاد الأجنة المصابة بالمرض، وهذا التشخيص كلفته مرتفعة، لكنه سيمنع من ولادة طفل بالمرض نفسه.