"لم نُخلق لعالم كله كذب وخداع"، عبارة من ست كلمات لخصت قصة انتحار شابين مصريين داخل غرفة بأحد فنادق محافظة الإسكندرية، أحدهما طالب بكلية الطب والآخر طالب بكلية الهندسة، وعلى الرغم من أن تلك القصة لا تزال تحمل بين طياتها كثيرًا من رواية لم تكتمل فصولها، إلا أنها أعادت من جديد فتح ملف الانتحار الذي بات يمثل إحدى أخطر المشكلات التي يواجهها العالم.

ومن هنا تأتي أهمية التقارير العديدة التي نشرتها مجلة "للعلم"، وتناولت خلالها الأسباب والتفسيرات العلمية المتنوعة لظاهرة الانتحار وطرق التعامل معها وسبل التنبؤ بها وإمكانيات الحد من خطورتها.وفي السياق، أجرت مجلة "للعلم" مقابلة مع "خالد سعيد" -مستشار الصحة النفسية والإدمان بمنظمة الصحة العالمية- أكد فيها أن "الحروب الأهلية والاكتئاب واليأس من علاج الأمراض المزمنة من أهم أسباب الانتحار، وأن الإشباع العاطفي والتعليم السليم والتغطية الإعلامية الناجحة لقصص الانتحار أقصر طرق إنقاذ الأفراد من السقوط ضحية للانتحار".

وقال "سعيد" في المقابلة التي أجرتها الزميلة نجوى طنطاوي إن "التعريف الذي تعتمده منظمة الصحة العالمية للانتحار هو القتل العمدى للنفس، وأن السلوك الانتحاري يتكون من عدة خطوات تشمل التفكير في الانتحار ثم التخطيط له ثم التنفيذ الذي قد يؤدى إلى الوفاة أو لا يؤدي، ووفق الإحصاءات التي تم تحديثها مؤخرًا، فإن هناك 20 شخصًا حاولوا الانتحار مقابل كل شخص تمكَّن من الانتحار بالفعل".

وأضاف أن "السلوك الانتحاري يأتي نتيجة التفاعل بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية. وتبقى الأسباب النفسية والإدمان على رأس الأسباب المؤدية إلى الانتحار، وهناك حالات بها تاريخ عائلي من الانتحار، وأصحاب الأمراض المزمنة لديهم قابلية للانتحار أكثر من غيرهم، إضافةً إلى مَن يتعرضون لأزمات نفسية واقتصادية".

وتابع "سعيد" أن "هناك عوامل فردية تؤدي إلى إقدام الفرد على الانتحار مثل وفاة أحد الأقارب منتحرًا، وفقدان العمل، وإدمان الكحوليات والمخدرات مثل الحشيش والهيروين والكوكايين، كما تؤدي العوامل البيولوجية والوراثية دورًا في إقدام الشخص على الانتحار؛ إذ ترتبط المستويات المنخفضة من هرمون السيروتونين بمحاولات الانتحار الخطيرة لدى المرضى الذين يعانون من اضطرابات المزاج والفصام".

وتحت عنوان "الأعمال الدرامية التلفزيونية الهادفة تعزز الصحة العقلية للمراهقين"، تناول تقرير أعده الزميل تامر الهلالي دراسة أجراها باحثون من "مركز العلماء ورواة القصص" بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس الأمريكية.

درس الباحثون تأثير مشاهدة المراهقين للأعمال الدرامية التلفزيونية على صحتهم النفسية، واختاروا العمل الدرامي "13 سببًا.. لماذا" (13 Reasons Why) لرصد هذا التأثير.  ويحكي  المسلسل قصة المراهق كلاي جينسن، الذي يعود إلى منزله ليجد صندوقًا موضوعًا على عتبة منزله، يحوي مجموعة شرائط كاسيت مسجلة بصوت زميلته، هانا بيكر، التي انتحرت قبل أسبوعين. وتحكي شرائط "بيكر" قصة انتحارها والأسباب التي دفعتها لاتخاذ قرار الانتحار، وكذلك الأشخاص الذين تسببت سلوكياتهم في انتحارها، بدايةً من قُبلتها الأولى لصديقها جستن فولي، الذي نشر شائعات سيئة عنها، وانتهاءً باغتصابها على يد المراهق برايس والكر، مرورًا بتعرُّضها لـ"التنمر" من بعض زملائها في المدرسة.

وانتهى الباحثون في الدراسة إلى أن "الأعمال الدرامية التلفزيونية الهادفة تساعد على فتح مناقشات جادة حول قضايا تشغل بال المراهقين مثل الانتحار والاعتداء الجنسي والعنف المنزلي والبلطجة والتشرد وإطلاق النار في المدارس".

وتحت عنوان "الفطر السحري قد يساعد في علاج الاكتئاب"، ذكر تقرير أعده الزميل محمد منصور أن مركب "سيلوسيبين" (Psilocybin)، وهو المادة الفعالة النشطة فيما يُعرف بالفطر السحري، يساعد على "ارتفاع مستويات المشاعر الإيجابية وزيادة قدرة الأشخاص على الشعور بالمتعة وانخفاض مستويات القلق والتفكير في الانتحار".

كما حذر تقرير أعدته الزميلة دينا درويش من أن "الاضطرابات العصبية ترتبط بارتفاع معدلات الانتحار"، ما يتطلب تقديم الدعم النفسي للمصابين بالأمراض العصبية.. وخاصةً مرضى "التصلب الجانبي الضموري" و"هنتنجتون".

ونقل التقرير عن أنيت إيرلانجسن" –من معهد الأبحاث الدنماركي لمنع الانتحار، والباحث الرئيسي في الدراسة- قولها في تصريحات لـ"للعلم": إن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عصبية يكون لديهم معدل انتحار أعلى بنسبة 75% من الأشخاص الذين لا يعانون من هذه الأمراض؛ ففي الوقت الذي يبلغ فيه معدل الانتحار بين عموم الشعب الدنماركي حوالي 20 حالة من بين كل 100 ألف شخص سنويًّا، يرتفع المعدل بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عصبية إلى نحو 40 حالة من بين كل 100 ألف شخص.

كما أوضح تقرير أعدته الزميلة هبة حسين أن "اقتناء سلاح ناري سبب رئيسي في الإقدام على الانتحار"، مشددة على ضرورة "اتخاذ إجراءات للحد من تداوُل الأسلحة النارية لتقليل حوادث الموت باستخدام الأسلحة النارية".

ونقل التقرير عن "لورا براتر"، باحثة ما بعد الدكتوراة في طب الباطنة بمركز "وكسنر" الطبي، والمؤلف المشارك في الدراسة- قولها "إن محاولة الانتحار تُعد إنذارًا بضرورة علاج الشخص نفسيًّا، ولكن استخدام الشخص لمسدس يجعل مساعدته أكثر صعوبة. وقد تَبَيَّن أن 7% فقط من الأشخاص الناجين من محاولات الانتحار يعاودون الكرة مرةً أخرى".

إلى ذلك، اهتمت مجلة "للعلم" بتقرير أعدته منظمة الصحة العالمية، محذرة من أن "بعض أنواع التغطية الإخبارية يمكن أن تزيد من احتمالات إقدام مزيد من الأشخاص على الانتحار، وانه يجب على الإعلاميين اتباع 7 توصيات في أثناء تغطيتهم حوادث الانتحار"، أهمها "عدم استخدام العناوين الصحفية المثيرة والرنانة، والكتابة عن الانتحار دومًا باعتباره فعلًا سيئًا فعله الشخص وليس باعتباره نهايةً للألم أو حلًّا سحريًّا للخروج من المآزق. وتجنَّب استخدام أي إشارة صريحة إلى طريقة الانتحار أو مكانه".