استفاقت عائلة آدم بابكير من النوم مذعورين من مشهد سيول المياه وهي تغزو منزلهم من كل اتجاه، فبالرغم من علمهم بأن شهر أغسطس من كل عام هو الموعد شبه الدائم لفيضان النيل الأزرق في السودان، إلا أنهم لم يتخيلوا وصوله هذا العام إلى منزلهم.

"لو كانوا قد أنذرونا لكان من الممكن تفادي هذه الخسائر أو التقليل منها"، كما يقول "بابكير"، الذي تقطن عائلته مدينة "سنجة" على الضفة الغربية لنهر النيل الأزرق بولاية سنار وسط السودان، "ورثنا هذا البيت عن أجدادنا الذين بنوه منذ ما يزيد على مئة سنة، إلا أنه لم يحدث من قبل أن وصلت مياه الفيضان إلى منزلنا". رحل سكان البيت كما فعل أغلب جيرانهم ليقيموا في أبنية المدارس المجاورة، مخلفين وراءهم كل ما يملكون.

ولاية سنار الواقعة جنوب شرق العاصمة الخرطوم، كانت بين الأكثر تضرُّرًا، حيث ضربت الفيضانات 16 من أصل 18 ولاية في السودان، وفق بيانات المجلس الوطني للدفاع المدني، الأربعاء 16 سبتمبر، التي قدرت -بشكل مبدئي- الوفيات من جَرَّاء السيول والفيضانات في مختلِف الولايات بـ118 وفاة، إلى جانب انهيار ما يقارب أكثر من 40 ألف منزل بشكل كلي، وقرابة 60 منزل ألف بشكل جزئي، ونفوق 6950 رأس ماشية، ودمار جزء كبير من المحاصيل الزراعية.

سجلت الخرطوم ارتفاعًا في منسوب النيل، وصفه ياسر عباس -وزير الري والموارد المائية السوداني- بـ"التاريخي"؛ إذ وصل إلى ما يقارب 18 مترًا. في المؤتمر الصحفي الذي عُقد في 8 سبتمبر، عزا "عباس" الأمرَ إلى "غزارة هطول الأمطار على الهضبة الإثيوبية"، التي تصب في بحيرة تانا بإثيوبيا وهي منبع النيل الأزرق، هذا بخلاف ارتفاع منسوب بحيرة فيكتوريا بأوغندا، وهي منبع النيل الأبيض، ويلتقي النيلان في مدينة الخرطوم ليكوِّنا معًا نهر النيل.

وبتتبُّع علامات الخطر والبيانات التي كان من المفترض أن تنذر باقتراب الكارثة، تَبيَّن أنه في شهر مايو كانت هناك مجموعة علامات تنذر بالخطر، بدايةً من إعلان الحكومة الأوغندية عن قلقها من ارتفاع بحيرة فيكتوريا بمقدار 1.32 متر خلال 7 أشهر فقط، ووصوله إلى منسوب قياسي.

وما تلا ذلك من فيضانات وُصفت بالمميتة ضربت عددًا من دول شرق أفريقيا، مُلحقةً أضرارًا بالغة ومخلِّفةً 194 وفاة في كينيا، و55 في رواندا، و16 في الصومال، كما نزح حوالي 48.000 شخص من سكان مقاطعة نهر تانا بسبب الفيضانات التي وُصفت بأنها الأسوأ في التاريخ، إذ جرى تسكينهم في المدارس، وفق ما صدر عن هيئة الصليب الأحمر الكينية في مايو الماضي.

أزمة الفيضان لا ترتبط فقط بارتفاع منسوب النيلين، أو هطول أمطار غزيرة على هضبة إثيوبيا، ولكن كما ذكر "عباس"، فقد "استقبلت مدن السودان كمياتٍ كبيرةً من الأمطار"، وهو تصريح يتطابق مع خريطة الأمم المتحدة للفيضانات داخل السودان، التي تُظهر تضررًا وغرقًا جزئيًّا لمدن ليست نيلية.

البداية من المحيط الهادئ
بداية الخيط لفهم سلوك الأمطار المتدفقة على الهضبة الإثيوبية ووسط السودان ومنطقة الساحل تبدأ من المحيط الهادي، كما يشرحها مدثر زروق، خبير نماذج المناخ ومصادر المياه الإقليمية بمبادرة حوض النيل، والباحث بمركز البحوث الهيدروليكية بوزارة الري والموارد المائية بالسودان: "أهمية المحيط الهادئ تنبع من كونه يغطي تقريبًا نصف الكرة الأرضية".

تحدث في المحيط الهادئ ظاهرتان مهمتان للغاية، كما يوضح "زروق": "فعند ارتفاع درجة حرارة المحيط الهادي بأكثر من نصف درجة مئوية، تحدث ظاهرة إلنينو المرتبطة بالجفاف، وإذا انخفضت الحرارة بالمقدار نفسه تحدث ظاهرة لانينا، المرتبطة بحدوث الفيضانات".
وعلى الرغم من حدوث هذه الظواهر المناخية في المحيط الهادئ، إلا أنها تؤثر على المناخ وعلى معدلات الأمطار والرطوبة في مناطق العالم المختلفة.

أهمية فهم هذه الظواهر -كما يقول "زروق" لـ"للعلم"- أنها تمكِّننا من عمل تنبؤ موسمي بمعدلات الأمطار المرتقبة، سواء كانت في منطقة البحيرات -وتحديدًا بحيرة فيكتوريا- أو في منطقة الهضبة الإثيوبية. "تعمل جهات عالمية مسؤولة عن رصد وتتبُّع المناخ على تتبُّع الظاهرتين، ولكن لم يكن هناك أي مؤشرات لحدوث ظاهرة لانينا هذا العام، بالعكس كان هناك نماذج عديدة ترجح حدوث إلنينو".

ويبدو أن التطرف المناخي أمرٌ متكرر في السودان، فوفقًا لبيانات الهيئة القومية للأرصاد الجوية في عام 1984 تعرضت البلاد لموجة جفاف شديد في الفترة من مايو إلى أكتوبر، في حين انقلب الأمر بعد ذلك بأربع سنوات فقط، ففي أغسطس عام 1988 استقبلت الخرطوم كمياتٍ غزيرةً من الأمطار في مدى زمني محدود جدًّا، وتحديدًا خلال 24 ساعة فقط.

ويقول "زروق": "التغيرات المناخية وما نشهده من ارتفاع درجات حرارة كوكب الأرض بصفة عامة يؤدي إلى حدوث موجات من الفيضانات الشديدة والجفاف الطويل، والموجتان مرتبطتان كما أوضحت بظاهرتي إلنينو ولانينا".

الفيضان المتطرف 
هذه العلاقة بين ما يحدث من ظواخر مناخية في المحيط الهادئ وإيراد نهر النيل حظيت بدراسات معمقة من الفاتح الطاهر، أستاذ الهندسة المدنية والبيئية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كامبريدج بالولايات المتحدة الأمريكية، والحاصل على جائزة العلوم الهيدرولوجية لعام 2017، يهدف من خلالها إلى تحسين جودة نظم التنبؤ المبكر، إذ خلصت دراسة أجراها في عام 1996 إلى أن "25٪ من التذبذب الطبيعي في التدفق السنوي للنيل يرتبط بظاهرة إلنينو أو التذبذب الجنوبي (ENSO) ".

كما أوضحت الدراسة -التي لا تزال تحظى بتقدير من قِبَل الباحثين- أنه ليس من الضروري أن يرتبط مستوى التصريفات أو الأمطار بالظاهرتين، ففي بعض السنوات كانت لانينا تحدث بقوة في المحيط، لكن الأمطار كانت منخفضة والعكس، لكن الارتباط هو السمة الغالبة في معظم الحالات.

يقول "زروق": "في عام 2013 أجريتُ دراسة خلصت فيها إلى أنه في حال حدوث ظاهرة لانينا تالية لظاهرة إلنينو في عام، فإننا سنشهد مستوى قياسيًّا للفيضان، أو ما يسمى بـ"فيضان متطرف"، وهو ما حدث مثلًا في عام 1988، إذ انتهت إلنينو، وبدأت لانينا فحدث فيضانٌ عنيف، وكذلك أعوام 1998 و2007 و2010 و2016، وهو ما حدث هذا العام، وأثر على ارتفاع منسوب فيكتوريا، وهو أمرٌ نادر الحدوث، عكس النيل الأزرق".

ويفسر "زروق" السبب في حدوث هذا الفيضان التاريخي في السودان بالتقاء فيضان النيل الأبيض الناتج من زيادة الأمطار بشكل كبير في شهر مايو في منطقة البحيرات، ووصول ارتفاع المياه في بحيرة فيكتوريا إلى مستوى غير مسبوق، مع فيضان عالٍ في النيل الأزرق، وهي ظاهرة نادرة الحدوث، ولن تتكرر قريبًا".

 ويتابع: "عن نفسي لم أتوقع حدوث هذا الفيضان بهذا الشكل؛ لأنه حتى النماذج العالمية لم تتوقع الظاهرة؛ إذ كانت التوقعات أن نشهد موسم أمطار شديدًا، لكن ليس بهذا المستوى، ولكن مع اقتراب موسم الفيضان تغيرت تقديرات النماذج، وبدا واضحًا أننا نشهد هذا العام حدوث ظاهرة لانينا".

ماذا عن سد النهضة؟

في شهر يوليو الماضي، بدأت إثيوبيا -الجارة الجنوبية للسودان- بملء خزان سد النهضة بما يقارب 5 مليارات متر مكعب، وأقدمت على هذه الخطوة بشكل منفرد، ودون تنسيق مع دول المصب: مصر والسودان، مما دعا بعض الأصوات إلى اتهام السد الإثيوبي بمضاعفة آثار فيضان هذا العام.

يعلق كيفن ويلر، الخبير الدولي في تخطيط الموارد المائية وهندستها ونمذجة النظم الهيدرولوجية والهيدروليكية بجامعة أوكسفورد: "الربط بين سد النهضة أو السد العالي في مصر وفيضانات السودان يخالف العلم والمنطق، فكمية المياه التي احتجزها السد أقل من أن تُحدث أثرًا إيجابيًّا أو سلبيًّا".

وأشار "ويلر" إلى أنه إذا كان هناك ملام في أمر الفيضان، فمن الأفضل توجيه اللوم إلى ظاهرة "ثنائية قطب المحيط الهندي" IOD أو تذبذب المحيط الهندي، التي تحدث عند تعرُّض المحيط الهندي وبحر العرب لدرجات حرارة مرتفعة، مما يزيد كميات البخر في الهواء، ومع حركة الرياح تتشكل سحب فوق إريتريا وإثيوبيا والسودان، وتتسبب في هطول الأمطار.

ويتفق أحمد كمال -الباحث بالمركز القومي لبحوث المياه- مع "ويلر"، ويرى أن الفيضان الحالي لا يرتبط فقط بظاهرتي إلنينو ولانينا، "فمن الممكن أن يعملا كعامل مساعد يؤثر في المسار الطبيعي للأمطار بشرق أفريقيا، خاصةً تلك التي تتأثر بالرياح التجارية الشرقية الموسمية التي تأتي من المحيط الهندي صيفًا بشكل منتظم سنويًّا".

وتابع: "هذا إضافة إلى تأثير آخر لرياح المحيط الأطلنطي، التي تنجذب نحو نطاقات الضغط المنخفض في وسط وشمال السودان، حيث تجذب الرياح نحوها من مناطق الضغط المرتفع على المحيطين الهندي والأطلنطي، وتتسبب في تساقط الأمطار صيفًا على دولة السودان من المحيط الأطلنطي إلى هضبة الحبشة".

وأضاف: "يمكن القول إنه توجد ظواهر أخرى، إذا تجمعت يمكن أن تتسبب في حدوث أمطار غزيرة، ومن ثم فيضانات هائلة على حوض النيل".

الأوضاع في مصر

أعدت مصر عدة خطط لمواجهة الفيضان، فبجانب تخزين المياه في بحيرة السد العالي، فتحت مصر منذ أيام مفيض توشكى؛ لتفريغ فائض المياه وتخزينه للمستقبل.

جمال سيد عبد الحليم -باحث أرصاد جوية في قسم جغرافيا المناخ بجامعة القاهرة، ومؤسس صفحتي أجواء مصر وأجواء العالم العربي- يقول لـ"للعلم": "أرى أن ظاهرة لانينا هذا العام ستتسبب في آثار أغلبها سلبي على كلٍّ من العراق، ودول الخليج، وبلاد الشام وأجزاء من مصر".

ووفق تقديرات "عبد الحليم"، سيكون هناك أمطار أقل في هذه الدول، وسترتفع درجة الحرارة، "أتوقع أن يتأخر الشتاء، وأن تتركز الأمطار في شهري أكتوبر ونوفمبر على كلٍّ من أسوان، والأقصر، ومدن البحر الأحمر وجنوب سيناء".

ختم "زروق" حديثه بتوصية، أن تعمل السودان على تحسين مستوى تداول المعلومات وأدوات إنتاجها، لتساند متخذي القرار، ودراسة منطقة البحيرات ومراقبتها، والانضمام إلى بعثة جمع المعلومات ببحيرة فيكتوريا، ووجود آلية لمراقبة منبع النيل الأبيض، والتعاون الإقليمي لتداول المعلومات.