يُعد النحل حشرات اجتماعية تعيش في مجموعات منظمة، تعمل كوحدة واحدة للحفاظ على نوعها، وخدمة الأنظمة البيئية التي تعيش فيها. وتكمن أهمية النحل البري بمختلِف أنواعه في قدرته على تلقيح الأزهار، مما يشكل حجر الزاوية في تكاثر النباتات، ومن ثم الحفاظ على النظم البيئية الطبيعية وإنتاج الثمار المهمة لغذاء الإنسان والحيوان. ويشكل التوسُّع العمراني والإفراط في استخدام المبيدات الحشرية وتغيُّرات المناخ أبرز العوامل في تهديد الأنواع البرية من النحل، مما أدى إلى إدراج بعض تلك الأنواع على القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض من قبل الاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعة (IUCN).

وقد شهدت مصر العام الماضي ظاهرةً غريبة عليها، باتت تُعرف بـ"الاختفاء المفاجئ" لنحل العسل، وقد سببت خسائر فادحة للنحالة المصريين. فريق "للعلم" أجرى حوارًا مع محمد جمال الدين ناصر، مدرس علم الحشرات في قسم علم الحشرات بكلية العلوم جامعة عين شمس، والذي لديه الكثير من المساهمات البحثية في دراسات علمية أُجريت حول الحشرات في مصر ومنها النحل.

"جمال الدين" أكد في حديثه معنا أن عام 2019 شهد انتشار الظاهرة لأول مرة في مصر، موضحًا أنه حتى الآن لا يوجد سبب واضح محدد يقف وراء هذا الأمر، وإنما يمكن الإشارة إلى عدة أسباب محتملة قد تقف وراء هذه الظاهرة الغريبة، "للعلم" تناولت معه في الحوار التالي بالنقاش والتحليل دورة حياة النحل وطبيعة عمل النحالين، وكيف يمكن تنظيم هذه المهنة المهمة، والأسباب المحتملة وراء ظاهرة اختفاء النحل المفاجئ، وهل من الممكن أن تؤدي هذه الظاهرة إلى انقراض حشرة النحل. وإلى نص الحوار..

  • في البداية ما هي حشرة النحل؟ وكيف تفيدنا كبشر؟

علميًّا فإن الحشرات تُشكل قرابة 80% من الكائنات الحية المعروفة على سطح كوكبنا الأرضي، ويشكل عالمها واحدًا من أغرب عوالِم المخلوقات المحيطة بنا، وترتبط حياة الإنسان بتلك المخلوقات ارتباطًا وثيقًا، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فمنها ما هو ضار ومهدِّد لصحة الإنسان ومقدراته، ومنها ما هو نافع يخدم الإنسان ويسهِّل سبل الحياة على الأرض، وفي القلب من تلك الحشرات النافعة، يأتي النحل.

وتعتبر طائفة النحل مجموعة واحدة من أهم المجموعات الحشرية المفيدة للإنسان، ولكن يوجد على مستوى العالم 20 ألف نوع من النحل، تنتمي جميعها إلى رتبة غشائية الأجنحة، وهي الرتبة ذاتها التي ينتمي إليها النمل والزنابير. والنحل في معظمه حشرات اجتماعية وشبه اجتماعية، تعيش في مجموعات منظمة تعمل كوحدة واحدة للحفاظ على نوعها وخدمة الأنظمة البيئية التي تعيش فيها.

  • وفيمَ تفيدنا نحن البشر؟

يرتبط النحل في مفهوم الغالبية الأعم من البشر بنحل العسل، الذي يشكل جزءًا شديد الصغر من عالم النحل الواسع، فنحل العسل ينتمي إلى جنس أبيس Apis، ويندرج تحته تسعة أنواع تقوم جميعها بإنتاج العسل، يعيش معظم تلك الأنواع فى جنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية، ويشكل نوع نحل العسل الغربي أبيس ميليفيرا النوع الأكثر انتشارًا تجاريًّا لإنتاج العسل والشمع وكل منتجات النحل الأخرى على مستوى العالم.

وتتكون خلية النحل من الملكة، وهي الأنثى الوحيدة القادرة على التكاثر ووضع البيوض، والشغالات، وهي إناث عقيمة نتيجة الإفرازات الفرمونية المنتجة من الملكة وطبيعة نظم التغذية المختلفة في طورها اليرقي، وهي تقوم بكل أعمال الخلية، من جمع الغذاء، وإنتاج العسل وتخزينه، وتربية الصغار، وحماية الخلية والدفاع عنها، وعمر تلك الشغالات داخل الخلية 21 يومًا، تقوم خلالها بكل تلك الأعمال بترتيب مقسم على طول عمرها، وتبدأ في بداية حياتها برعاية اليرقات، وتنتهي بجمع الرحيق.

وأخيرًا الذكور، ودورها فقط تلقيح الملكات الجديدة خلال فترات التزاوج. ومنذ ظهور الإنسان على سطح الأرض كانت هناك دائمًا علاقة متبادلة مع النحل، مما دفع الإنسان إلى التفكير في احتواء تلك الحشرات لتربيتها والاستفادة منها، ولعل المصريين القدماء من أقدم الشعوب التي دجنت النحل ونجحت فى ترويضه والاستفادة منه منذ أكثر من 4500 عام، إذ سجلوا ذلك على جدران معابدهم. ومن هنا ظهرت لأول مرة في التاريخ وظيفة النحالة، وهي الفئة المهتمة بتربية نحل العسل وتكاثره وجمع منتجاته.

  • ولكن ما هي دورة تربية النحل حتى إنتاج العسل؟ وما هي تفاصيل صنعة النحال؟

تقوم دورة إنتاج العسل على طبيعة النحل، الذي يقوم بتخزين الغذاء في فترات الوفرة (الربيع والصيف)؛ للاستفادة منها في ظروف شح الطعام (الخريف والشتاء)، وتسرح شغالات النحل يوميًّا في فترات الوفرة لجمع رحيق الأزهار وحبوب اللقاح، ويقوم النحل بتغذية اليرقات الخاصة به بحبوب اللقاح، أما الرحيق فيخزن في البداية في معدة العسل داخل الشغالات، حيث يضاف له بعض الإنزيمات، ثم تقوم الشغالات بعد ذلك باسترجاعه في الخلايا السداسية الخاصة بحفظ الرحيق الجديد، وتعمل شغالات أخرى داخل الخلية على طهو هذا الرحيق المجمع من خلال رفرفة أجنحتها حوله حتى يتبخر منه الماء، وعند لزوجة معينة تحددها تلك الشغالات تُغلق الشغالة العين السداسية بالشمع؛ ليتكون ما يُعرف بالعسل المختوم.

وتبدأ خلية النحل في الأساس بطرد النحل، الذي يتكون من ملكة ملقحة وعدد من الشغالات، يقوم النحال بوضع ذلك الطرد في الخلية، سواء البلدية أو الخلايا الحديثة، ويتأقلم النحل الجديد على الوضع فى خليته الجديدة، ويبدأ في بناء أقراص الشمع، في الوقت الذي تقوم فيه شغالات أخرى بجمع الرحيق وحبوب اللقاح، وغالبًا ما تتم عملية إنشاء خلايا جديدة في فصل الربيع، حيث التنوع الكبير في الأزهار والوفرة من الغذاء.

ويفحص النحال الخلايا بشكل دوري للتأكد من صحة الحضنة وخلو الخلايا من الأمراض والطفيليات، ويقوم بالتدخل العلاجي في حالة وجود أي أمراض، وفي نهاية الموسم مع امتلاء أقراص الشمع بالعسل يقوم النحال بعملية فرز الأقراص لحصاد الإنتاج من العسل، وخلال فترات الشح يقدم النحال للنحل محاليل سكرية بديلة للعسل الذي تم حصاده، بالإضافة إلى وضع غذاء بروتيني للحضنة كبديل لحبوب اللقاح.

  • لكن ماذا عن حجم الاختفاء المفاجئ في خلايا النحل في مصر خلال الفترة الأخيرة؟

منذ عام 2006 ظهر مصطلح جديد فى عالم نحل العسل، وهو مرض اعتلال خلايا النحل، المعروف علميًّا باسم Colony Collapse Disorder))، وكانت بداية ظهوره في خلايا النحل بأمريكا الشمالية، وإن كانت هناك بعض التسجيلات للظاهرة ذاتها فى أوروبا منذ عام 1998، وتُعرف تلك الحالة باختفاء خلايا النحل، إذ تختفي معطم الشغالات فى الخلية، تاركةً وراءها الملكة مع عدد صغير جدًّا من الشغالات والغذاء المجمَّع، وتسبب هذه الظاهرة أو المرض خسائر اقتصادية فادحة لمنتجي العسل ومربي النحل، خاصةً إذا وقعت فى فترة إنتاج العسل، كموسم الربيع والصيف. وفي مصر بدأت تلك الظاهرة خلال عام 2019، حيث أكدت عدة شهادات لنحالين فحصوا خلاياهم ليجدوها في حالة جيدة جدًّا، ثم بعد هذا الفحص بعدة أيام فقط لاحظوا ظاهرة اختفاء الخلايا.

  • ما أسباب هذا الاختفاء المفاجئ؟

حتى الآن لا يوجد سبب محدد لظاهرة اختفاء خلايا النحل وما يصحبها من فقد فى الإنتاج وخسارة لخلايا كانت منذ أيام تعج بعدد وفير من النحل في حالة صحية جيدة. لكن هناك عددًا من التقارير والبحوث العلمية التي تتحدث عن أسباب محتملة لهذه الظاهرة، ومنها: استخدام بعض أنواع المبيدات الحشرية -وعلى رأسها النيونيكوتينويد- التي جرى حظرها فى أوروبا بسبب تأثيرها على نحل العسل والنحل البري.

ويعتبر عث الفاروا Varroa mites من الأسباب المحتملة أيضًا، وهو طفيلي صغير يتطفل على يرقات نحل العسل ويضعفها، وقد يؤدي دورًا في تغيُّر سلوكها، ويُعَد القاتل الأساسي لنحل العسل في العالم اليوم. وأيضًا مرض النوزيما Nosema apis، ويسببه طفيل وحيد الخلية عُرف أخيرًا بأنه أحد الفطريات، ويرجح عدد من التقارير العلمية ارتباطه بظاهرة اختفاء النحل، وصنفته وزارة الزراعة الأمريكية كأحد أبرز المتهمين بالتسبُّب فى تلك الظاهرة. وكذلك الحال مع المحاصيل المعدلة وراثيًّا، التي أصبحت أيضًا أحد المتهمين المحتملين؛ فالرحيق المعدل قد يؤثر سلبًا على سلوك الشغالات، مما قد يمنعها بطريقةٍ ما من العودة إلى خلاياها، وأيضًا ظاهرة الاحترار العالمي أو ما يُعرف بتأثير الصوبة الزراعية، وتشير إليه بعض أصابع الاتهام كمسبب لظاهرة اختفاء النحل؛ لما لدرجة الحرارة والرطوبة من تأثير واضح على تلك الحشرات، الأمور لا تزال رمادية حتى الآن فيما يخص هذا المرض. وفي مصر لا يختلف الوضع كثيرًا؛ فالمسببات غير معروفة، ولا توجد أية دراسات تمت لفك غموض تلك الظاهرة وما تنتجه من خسائر للنحالين والمشتغلين بالنحل حتى الآن.

  • ما دور الجهات المسؤولة.. خاصةً وزارة الزراعة في دعم النحالين؟

كما هي الحال في مجالات أخرى عديدة بمصر، لا يوجد تنظيم كافٍ للصناعة النحلية، رغم كون مصر أحد البلدان التي بدأت فيها النحالة منذ أكثر من 4000 عام، لا يوجد تنظيم للمراعي النحلية، أو دراسات توضح كم خلية يحتاجها فدان البرسيم أو الموالح مثلًا لإعطاء أعلى عائد اقتصادي، ولا يوجد حصر لتعداد خلايا النحل بالمحافظات ووضع النحالين، ورغم كون مصر مصدرًا لنحل العسل وملكات النحل، إلا أن العملية تتم دون تنظيمٍ كافٍ للاستفادة من الثروة النحلية المصرية، وفي غياب المعلومات الأساسية يصعب اتخاذ قرارات فى هذا المضمار، وأيضًا هناك فجوة بين البحوث الأكاديمية الخاصة بالنحل ومشكلات النحالين على أرض الواقع. ومشكلة مثل اختفاء خلايا النحل تحتاج مثلًا إلى وجود تأمين للنحال على منحله، وهذا النوع من التأمين سوف يخفف تأثير الخسارة الاقتصادية عليه، وهو ما يوجد في بلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

  • ما الفرق بين مصر والخارج في قضية النحل؟

الفرق الأساسي هو عملية تنظيم النحالة، وعدم وجود قاعدة بيانات جيدة للمناحل المصرية تضمن الاستفادة بتلك الثروة النحلية، وكما أسلفنا من قبل عدم وجود نظام للتأمين على المناحل، حتى يقلل الخسائر التي يتعرض لها النحال بسبب ظاهرة اختفاء النحل أو غيره، وهو موجود في عدد كبير من البلدان الغربية، بطبيعة الحال أيضًا هناك اختلاف في تقنيات فرز الأعسال وتعبئتها، وعمليات الفحص التي تتم عليها قبل طرحها فى الأسواق.

ما احتمالات انقراض حشرة النحل؟

هذا السؤال يعتمد على سؤال آخر: عن أي نحل نسأل؟ بطبيعة الحال يواجه نحل العسل العديد من المشكلات، كاستخدام المبيدات الحشرية وتغيُّر المناخ، ولكنه غير مهدد بالانقراض؛ لأن الإنسان يقوم بتربيته وإكثاره والحفاظ عليه في مختلِف مناطق العالم، ولم يُدرجه الاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعة (IUCN)، وهو المعني بوضع القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض، ونحل العسل تحت الأنواع المهددة، ولكن إذا كنا نسأل عن النحل بصفة عامة فالأمر مختلف.

ويواجه النحل البري اليوم بمختلف أنواعه العديد من التحديات، والغريب أن من ضمنها نحل العسل نفسه، إذ يتنافس مع الأنواع البرية المحلية من النحل ويهددها في مناطق مثل حوض الأمازون وغابات جنوب شرق آسيا، ومن الأنواع البرية من النحل ما وُضع بالفعل في القائمة الحمراء للأنواع المهددة والمعرضة لخطر الانقراض نتيجةً لتدمير موائلها والتوسع العمراني والزراعي وتغيُّر المناخ.

وفي النهاية يشكل النحل واحدًا من أهم مكونات النظم البيئة في مختلف أنحاء العالم، ويُعتبر المنتج الرئيسي للغذاء؛ إذ يؤدي الدور الأكبر في عملية تلقيح النباتات لإنتاج الثمار والبذور، فكما قال الفيزيائي الكبير ألبرت آينشتاين: لن يستطيع الإنسان العيش طويلًا على الأرض حال اختفاء النحل.