كشفت نتائج دراسة حديثة أن التوسعات الأخيرة لقناة السويس، أدت إلى تسريع انتقال الكائنات البحرية غير المحلية من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط عبر قناة السويس.

وتحذر الدراسة من أنه في حال استمرت حركة الأنواع البحرية الغازية، فستكون هناك احتمالات كبيرة لانتقال أنواع قد تتسبب في حدوث عواقب بيئية غير محمودة.

الدراسة المنشورة في دورية "نيتشر إيكولوجي أند إيفولوشن" مطلع شهر سبتمبر الحالي، أعدها باحثون في معهد "سميثسونيان" للبحوث الاستوائية (STRI) في بنما، ومركز "لايبنيتز" للبحوث البحرية الاستوائية (ZMT) في ألمانيا. تناول الباحثون في هذه الدراسة أثر التوسعات الأخيرة في كلٍّ من قناة بنما وقناة السويس.

ويمكن لانتقال بعض الأنواع الحيوانية أو البحرية إلى بيئة مغايرة أن يتسبب في مشكلات بيئية أو اقتصادية في أي الموقعين -الموقع الذي ارتحلت منه الأنواع أو الذي انتقلت إليه- أو في كليهما، ما يمثل تهديدًا للتنوع الأحيائي والموائل الطبيعية، ويؤدي من ثَمَّ إلى حدوث خلل في التوازن البيئي.

تحذير مبكر

تُعد القنوات البحرية الصناعية نقاطًا ساخنة لانتقال الكائنات البحرية مع تغيُّر الخصائص الطبيعية في منطقة إنشاء القناة، مثل التغيرات التي رصدها الباحثون في ملوحة بحيرة "جاتون" وهي خزان اصطناعي للمياه العذبة، تم بناؤه في أثناء تطوير قناة بنما.

يمر جزء بطول 29 كم من قناة بنما عبر البحيرة جاتون، وهو ما مثَّل عائقًا طبيعيًّا أمام حركة الأنواع؛ إذ تتَّسم البحيرة بقلة ملوحتها. لكن هذا الأمر يوشك أن يتغير مع تمكُّن مئات الأنواع من الأسماك التي تتحمل الملوحة المنخفضة من عبور قناة بنما إلى المحيط الهادئ عبر البحر الكاريبي أو العكس.

في عام 2016 جرى الانتهاء من إحداث ممرات أكبر لإتاحة مرور السفن الكبيرة جدًّا عبر قناة بنما. وبعد 4 سنوات فقط من توسيع القناة سجلت المراقبة طويلة المدى وجود 11 نوعًا جديدًا من الأسماك البحرية في بحيرة جاتون، التي كانت بمنزلة حاجز للمياه العذبة أمام حركة الحيوانات البحرية بين المحيطين الهادئ والأطلسي منذ افتتاح القناة في عام 1914. 

ومع التوسعات الأخيرة، زاد العدد الإجمالي لأنواع الأسماك البحرية المعروفة في بحيرة جاتون من 18 إلى 29، وحلت أسماك بحرية مثل الشيميات، والسنوكس، والموجارات، والإلوب محل أسماك المياه العذبة في بعض أجزاء البحيرة.

كما لاحظ العلماء زيادة الملوحة في البحيرة، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد أسبابها، ورجحت نتائج الدراسة أن يكون لزيادة معدل حركة السفن علاقةٌ بارتفاع نسبة الملوحة.

يقول المؤلف المشارك في الدراسة، جوستافو كاستيلانوس-جاليندو، زميل ما بعد الدكتوراة في معهد "سميثسونيان" للبحوث الاستوائية: إن هذه الغزوات البحرية تُعَد علامة تحذير مبكرةً لما يمكن أن يحدث إذا لم يتم اتخاذ إجراءات تصحيحية؛ إذ لا يعرف العلماء ما هي العواقب البيئية والاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تتسبب في إحداثها الأنواع الغازية.

ويضيف في البيان الصحفي المرفق بالدراسة أنه "خلال مراحل التخطيط لكلا المشروعين (التوسعات في قناتي بنما والسويس)، حذر الباحثون من مخاطر توسيع هاتين القناتين". 

تتفق دراسة نُشرت في عام 2016 مع نتائج الدراسة الحالية من أن توسيع قناة السويس أدى إلى انتقال أنواع غازية جديدة إلى البحر المتوسط، ما يتسبب في إحداث نوع من إرباك الأمن البيولوجي، رغم المنافع التي تعود على مصر من حيث مضاعفة سعة الشحن وتقليل وقت العبور، بالإضافة إلى زيادة العوائد المالية لاستخدام هذا الممر المائي. 

كما حذرت دراسة أخرى نُشرت في عام 2019 من انتشار واسع لسمكة الأسد في البحر المتوسط بدرجة لا يمكن "استئصالها". وأشارت الدراسة إلى أنه جرى رصد أكثر من 800 نوع من الأنواع غير الأصلية متعددة الخلايا في البحر المتوسط، ثلثاها على الأقل تم إدخالها عبر قناة السويس.

قناة السويس الجديدة

افتُتحت قناة السويس للملاحة البحرية في عام 1869، ومنذ افتتاحها كانت البحيرات المرة أكثر ملوحةً من البحرين المتوسط ​​والأحمر، مما حد كثيرًا من حركة الأنواع الغريبة. لكن ذلك لم يمنع ​​أكثر من 400 نوع من تلك الحيوانات غير الأصلية من دخول البحر المتوسط، بما في ذلك أكثر من 100 نوع من الأسماك البحرية من البحر الأحمر. 

تشير الدراسة إلى أنه مع توسيع القناة لتشمل قناةً جديدةً بطول 35 كيلومترًا في عام 2015، أدى تدفُّق المياه المتزايد إلى إضعاف تأثير البحيرات المرة، وانتقلت ثمانية أنواع جديدة من أسماك البحر المتوسط ​​خلال السنوات الخمس الماضية، كان آخرها سمكة الأسد السامة. 

يقول "كاستيلانوس-جاليندو": إن انتقال مزيد من الأنواع غير الأصلية في البحر المتوسط ​​يعني المزيد من الفرص لتأسيس مجتمعات لهذه الأنواع التي يمكن أن يكون لبعضها تأثيراتٌ على النظم البيئية وعلى الموائل التي تعتمد عليها الأنواع المحلية.

في تصريح لـ"للعلم"، يخفف محمود حنفي -أستاذ البيئة البحرية في جامعة قناة السويس- من تأثيرات توسيع قناة السويس على انتقال الأنواع بين البحرين الأحمر والمتوسط؛ إذ لم تؤثر "التفريعة الجديدة" على درجة ملوحة البحيرات المرة. "الهجرة أمرٌ طبيعي، خاصةً مع تغيُّر المناخ والاحترار العالمي الذي يتسبب في هجرة الأنواع البحرية من الجنوب إلى الشمال". 

ويوضح "حنفي" أنه حتى ينتقل كائن من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، لا بد من أن يمر أولًا على البحيرات المرة ويتأقلم مع بيئتها قبل أن ينتقل شمالًا إلى البحر المتوسط.

ويضيف أن البحيرات المرة كانت عالية الملوحة في بداية إنشاء قناة السويس، لكن مع حركة المياه ذابت الأملاح المختزنة في البحيرات، ومن ثم تعادلت ملوحتها مع ملوحة البحر الأحمر، في الوقت الذي زادت فيه ملوحة البحر المتوسط بعد انخفاض معدل ضخ المياه العذبة له مع إنشاء السد العالي. 

تشير الدراسة الحالية كذلك إلى تأثيرات تغيُّر المناخ، ويتوقع الباحثون أن يؤدي تغيُّر المناخ إلى تسريع وتيرة إدخال الأنواع غير الأصلية عبر قناة السويس، إذ يؤدي ارتفاع درجة حرارة البحر المتوسط ​​إلى جعل الظروف أكثر ملاءمةً لانتقال الأنواع من البحر الأحمر.

ردع الغزاة

يرى جيسون هال سبنسر -أستاذ الأحياء البحرية في جامعة "بلايموث" البريطانية- أن هذه الدراسة مهمة؛ لأنها تشير إلى الحلول السهلة نسبيًّا لهذه المشكلة الدولية الكبرى التي تنطوي على إدخال أنواع "مزعجة"، مثل الفيروسات والبكتيريا وقنديل البحر والطحالب الضارة وأنواع الأسماك الغازية عبر القنوات والممرات البحرية. 

ويضيف "سبنسر" في تصريح لـ"للعلم" أنه قبل عام 2015 كان في قناة السويس مناطق عالية الملوحة، مما أوقف انتشار العديد من الأنواع. "وبالنظر إلى أن مصر تطور ممر قناة السويس، وأن مخلفات إنتاج المياه العذبة من المياه المالحة هي محلول الملح، فإن هذا يوفر حلًّا يمكن أن يكون مفيدًا للجميع". 

يمكن استخدام المحلول الملحي الناتج عن تحلية المياه لرفع ملوحة قسم من قناة السويس؛ ليكون حاجزًا أمام انتشار الأنواع غير المحلية، وفق "سبنسر"، الذي يرى أنه بالنسبة لتلك الأنواع التي أصبحت موجودةً بالفعل في البحر المتوسط​​، فقد فات الأوان لمقاومتها.

تمثل رسوم الشحن عبر الممرات المائية ما يقرب من 10٪ من الناتج المحلي الإجمالي في كلٍّ من مصر وبنما، لذلك فإن هناك حافزًا اقتصاديًّا لمواصلة زيادة حركة الشحن عبر القناتين، لذلك يعتقد المؤلفون أن توفِّر الخطة العشرية للأمم المتحدة لعلوم المحيطات من أجل التنمية المستدامة (2021-2030) فرصةً مثاليةً لضمان إدراج الممرات البحرية في السياسة البحرية الدولية؛ للحد من الآثار البيئية والاقتصادية للأنواع الغازية.

تذهب الدراسة إلى ما اقترحه "سبنسر" من استخدام المخلفات السائلة شديدة الملوحة من محطات التحلية لجعل البحيرات المرة أكثر ملوحةً مرةً أخرى، لكن الباحثين يشددون على أن هذا الحل يجب دراسته بعناية قبل التنفيذ. كما قد تساعد أدوات المراقبة المتطورة واستخدام تحليلات الحمض النووي في عينات المياه لإنشاء قوائم بالأنواع الغازية والإمساك بها في وقت مبكر قبل إنشاء تجمعات كبيرة. ويمكن أيضًا المقاومة المباشرة للغزوات عن طريق الحواجز الكهربائية.