في صباح أحد أيام شهر مايو، انطلق أليكس وسونيا في نزهة سيرًا على الأقدام على طول طريق صحراوي معروف بالقرب من مدينة ميسا في ولاية أريزونا، وذلك عندما سمعا طنين نحل العسل. لم يدرك المتجولان أنهما عثرا بالمصادفة على خلية نحل عملاقة، قدّر الخبراء فيما بعد أنها تضم نحو خمسين ألف نحلة من نحل العسل الأفريقي. ويجمع النحل الرحيق من بساط الزهور البرية التي تكسو الصحراء، تبلغ أوجها في شهري مايو ويونيو، موفرةً غذاءً للمستعمرات التي تنمو بسرعة هائلة من بضعة آلاف إلى 10 آلاف نحلة أو أكثر.

ويؤكد كارل أولسن -عالم الحشرات بجامعة أريزونا- أن النحل لا يبادر باللدغ مباشرة، قائلًا: "يجيد نحل العسل تحذير الأشخاص ودفعهم إلى الابتعاد؛ فبالضبط كما تهز الأفعى الجرسية ذيلها كنوع من التحذير، فإن أول فوج من النحل الذي يخرج من الخلية يرتطم فقط بالشخص الذي تجاوز ودخل نطاقها، وكأنه يقوله له: ’اخرج من هنا‘".

وما إن رأى الشابان النحل، حتى شرعت سونيا -التي كانت تعيش في المنطقة، وكثيرًا ما تجولت فيها- في الركض والابتعاد عن المكان، أما أليكس -وهو زائر من ولاية داكوتا الشمالية- فربما أخذ يضرب النحل محاولًا إبعاده عنه. ووفقًا لجاستن شميت -العالم المتخصص في سلوك الحشرات في معهد ساوث ويست البيولوجي بمدينة توسون، ومؤلف كتاب The Sting of the Wild- فإن محاولة ضرب النحل وإبعاده هو رد فعل بشري طبيعي، إلا أن التلويح بالذراع ومحاولة إبعاد النحل بالضرب هذه يمكن أن تحوِّل لقاءً بالصدفة إلى هجوم قاتل.

ويقول شميت: "إن النحل لا يكوِّن الصور بالطريقة نفسها التي يكوِّنها البشر؛ إذ إنه يستخدم الرؤية بصورة أساسية للكشف عن الحركة، ويفسر الحركات السريعة أو المفاجئة بالقرب من الخلية على أنها تهديد"، وهنا يستجيب النحل لهذا التهديد باللدغ وحقن المهاجم بسم يتكون أساسًا من ببتيدات الميليتين وإنزيم الفوسفوليباز.

وما إن تغرز النحلة إبرتها في الجلد حتى تطلق الإبرة فيرومونات تحدد هذا المكان، وهي عبارة عن إشارات كيميائية قوية تجتذب مجموعات النحل الأخرى وتثيرها. وحين تُطلَق هذه الفيرومونات بالقرب من مستعمرة، فمن الممكن أن تحفّز سربًا دفاعيًّا ضخمًا من إناث النحل التي تحرس الخلية. ويقول شميت: "تبدو هذه الإشارة الكيميائية وكأنها تقول للنحل: 'إليَّ هنا أيتها الأخوات، وجدت هنا ثغرة في درع هذا المفترس الضخم الذي يهاجمنا'، إن هذا يثيرهنّ ويحفزهن بقوة".

ربما يكون الركض والاحتماء داخل حمام الحديقة هو ما أنقذ حياة سونيا، لكن لم يكن صديقها محظوظًا مثلها؛ حيث وجد المنقذون أليكس ملقى على الأرض قرب الخلية يغطيه النحل، فنقلوه سريعًا إلى مستشفى قريب، إلا أنه سرعان ما استسلم لتأثير سمّ أكثر من ألف لدغة، وفارق الحياة.

وفي أعقاب تلك المأساة، قال رئيس الشرطة المحلية للصحفيين: "إن هذه الهجمات أصبحت متكررة أكثر من ذي قبل". وهو ما يراه شميت أمرًا محتملًا؛ فالمدن تتوسع إلى مناطق كانت غير مطروقة من قبل، بالإضافة إلى تزايد أعداد الأشخاص المقبلين على التنزه سيرًا على الأقدام أكثر من ذي قبل، لكن كما يشير شميت، فإن ادعاء ازدياد عدد هجمات النحل الجماعية واسعة النطاق ليس إلا محض تكهنات، مؤكدًا أنه "لا يوجد من يقتفي أثر هذا النوع من الحوادث. نحن ببساطة ليس لدينا قاعدة بيانات لمثل هذا النوع من المعلومات".

ثمة مبالغة في تقدير التهديد الذي يمثله نحل العسل الأفريقي منذ هروب سلالات النحل الأوروبي الأفريقي الهجينة من خلاياها في البرازيل في خمسينيات القرن الماضي، والتي وصلت إلى ولاية تكساس بعد ثلاثة عقود وانتشرت في الجنوب الغربي بأسره، حيث ساعدتها الظروف المناخية الحارة والجافة على النمو والانتشار. في بداية الأمر اعتقد المحققون أن لدغة النحل الأـفريقي أشد فتكًا من لدغة الأنواع الأخرى، غير أنه في عام 1989، شارك شميت في وضع دراسة نُشرت في دورية "نيتشر" Nature توصلت إلى عدم وجود فارق في درجة الفتك بين سم سلالات نحل العسل المختلفة، وتوصل المؤلفون في نهاية تلك الدراسة إلى أنه "ربما يكون استخدام المصطلح الشائع (النحل القاتل) لوصف النحل الأفريقي غير ملائم".

ورغم أن التعرض لمواجهات قاتلة مع النحل أمر نادر الحدوث، إلا أن شميت لديه بعض الاقتراحات البسيطة لضمان سلامة التنزه في المناطق التي من المرجح وجود النحل فيها:

  • ارتداء ملابس فاتحة اللون؛ ذلك لأن النحل قد تطور ليتعرف على تهديدات بعض الحيوانات المفترسة مثل الدببة وغُريرات العسل وغيرها من الثدييات ذات الفراء داكن اللون، وكذلك تجنُّب ارتداء اللون الأحمر الذي يظهر أسود للنحل.
  • عدم الاقتراب قط من خلية النحل أو محاولة إزعاجه. وإذا لاحظت أن النحل يدخل إلى شق صخري أو حفرة في الأرض أو تجويف في شجرة، أو يخرج من أحدها، فتوقع وجود خلية نحل هناك وغادر المكان فورًا.
  • الانتباه إلى سلوك النحل؛ فإذا كان النحل يطير صوبك أو بدأ في الاحتشاد فوقك أو حولك، فإنه على الأرجح يحذرك للابتعاد عن المكان. تذكّر: لا تحاول ضرب النحل أو التلويح لإبعاده، فقط غادر المكان.
  • إذا حدث أن أزعجت خلية نحل، فاركض على الفور، وحاول أن تحتمي بمكان مغلق (سيارة مثلًا) أو اركض حتى يتوقف النحل عن ملاحقتك، وقد يكون من الضروري أن تبتعد عن المكان الذي بدأ فيه الهجوم بحوالي كيلومتر ونصف أو أكثر. غَطِّ وجهك بأي شيء متاح لديك إذا استطعت فعل ذلك دون أن تؤثر على الرؤية.
  • لا تقفز قط في بركة ماء للهروب من النحل، إذ إنه سينتظرك حتى تخرج إلى السطح. ويستشهد شميت بحادثة حلّق فيها سرب نحل لساعات فوق رجل في بحيرة، وكان يلدغه كلما خرج ليتنفس (ولم ينجُ الرجل إلا لأن النحل عاد إلى خليته بعد غروب الشمس).

يحذر شميت أيضًا أن بعض النصائح الشائعة لتفادي هجمات النحل قد تبدو معقولة لكنها تفتقر إلى أساس علمي، فيقول: "كثيرًا ما نقرأ أشياءً من قبيل (تجنب العطور ومزيلات العرق برائحة الزهور)، ولكن هذا ضرب من الهراء. إن المثير الحسي الرئيسي للحشرات هو الرائحة فعلًا، ولكن ليس هناك دليل قاطع يستند إلى تجارب على أن انبعاث رائحة شبيهة برائحة الزهور من شأنه اجتذاب النحل".

ومن حسن الحظ، فإن تجنُّب التفاعلات التي قد تكون خطيرة مع النحل أمر بسيط وسهل؛ فينصح شميت قائلًا: "كل ما عليك فقط هو أن تكون متعقلًا؛ وانتبه للملصقات التحذيرية، وارتدِ ملابس فاتحة، وعندما ترى النحل، ابتعد عنه فورًا".