أنت شخص ذو نمط حياة "صحي"، تراقب حميتك الغذائية، وتمارس التمارين الرياضية، وقبل كل هذا تضع كريم الوقاية من الشمس قبل الخروج مثلما ينصح الأطباء، إلا أن هذا لن يحميك من نقص فيتامين "د" والذي يُطلَق عليه أيضًا "هرمون الشمس".

فعندما تتعرض جلودنا لأشعة الشمس خلال منتصف اليوم، يتحفز الجسم لإنتاج النمط الثالث من فيتامين د، وفي حال استخدام كريم الحماية من الشمس بمُعامل حماية معين، يؤدي إلى حرمان الجلد من أكثر من 99% من هذا الفيتامين، وفقًا لدراسة أعدتها الجمعية الأمريكية للطب التقويمي، ونُشرت في المجلة التابعة لها مطلع الشهر الجاري.

وحذر الفريق البحثي من تزايُد أعداد المصابين بنقص فيتامين د، ووصول الرقم إلى مليار شخص حول العالم، "يقضي الناس وقتًا أقل في الخارج، وعندما يفعلون، يضعون عادة كريمًا واقيًا من الشمس؛ ما يعوق قدرة الجسم على إنتاج فيتامين د"، هكذا تبدي كيم بفوتينهاور -أستاذ مساعد في جامعة تورو بولاية نيفادا الأمريكية ، وأحد باحثي الدراسة- تخوفها تجاه الأمر.

وترجع أهمية فيتامين "د" إلى أنه يساعد على امتصاص الكالسيوم، وبالتالي فإن له دورًا حيويًّا في بناء العظام وتكوينها، ما يقي من هشاشتها، كما يرفع من مناعة الجسم وقدرته على مقاومة الأمراض المعدية، وكذلك أمراض القلب والمناعة والأمراض العقلية، كما يوفر حماية ضد عدة أنواع من السرطان.

وبجانب أشعة الشمس، للفيتامين عدد من المصادر الغذائية، ومنها الأسماك، مثل السردين والتونة والسلمون الأحمر، وزيت كبد السمك، وكبد البقر، وصفار البيض، ومنتجات الألبان، وحبوب الإفطار المدعمة بالفيتامين، إلى جانب المكملات الغذائية.

ووفق الدراسة لا يمكن الاقتصار على المصادر الغذائية للحصول على الاحتياجات اليومية من الفيتامين؛ يقول مايكل هوليك -أستاذ الطب، وعلم وظائف الأعضاء والفيزياء الحيوية في المركز الطبي بجامعة بوسطن، ومؤلف كتاب Vitamin D Solution- على موقعه الشخصي: "من المستحيل تقريبًا على أي شخص تلبية احتياجات فيتامين "د" من خلال النظام الغذائي فقط، فالأمر يتطلب هجومًا ثلاثيًّا: التعرُّض لأشعة الشمس، والغذاء، والمكملات الغذائية".

أصحاب البشرة الأغمق

كما توصي الدراسة بالتعرض لأشعة الشمس بمنتصف النهار -دون وضع واقٍ للحماية- مدةً تتراوح بين خمس دقائق ونصف ساعة، مرتين أسبوعيًّا، مع مراعاة زيادة هذه المدة للأشخاص ذوي البشرة الداكنة، والذين يقطنون في المناطق الشمالية.

وتنص الدراسة على أنه "بالمقارنة مع أصحاب البشرة البيضاء، يتطلب أصحاب البشرة الداكنة من ثلاثة إلى خمسة أضعاف الوقت المطلوب لتخليق الجلد الكمية المطلوبة من الفيتامين؛ ما يجعلهم أكثر عرضةً لنقص معدلاته، وخاصةً كبار السن منهم. فنحو 95% من البالغين ذي الأصل الأفريقي يعانون نقصًا فيه، ويعاني سكان المناطق الشمالية زيادة معدلات هذا النقص عن غيرهم".

كذلك تتأثر قدرة الجلد على تكوينه، وفقًا لفصول السنة؛ فتزداد معدلات النقص إلى حد كبير في فترات الشتاء والخريف، كذلك تختلف باختلاف ساعات اليوم الواحد.

وينصح عادل إبراهيم -أستاذ الجلدية والتناسلية بجامعة بنها- بالتعرُّض للشمس بشكل معتدل، وتناوُل المكملات الغذائية مع الكالسيوم لزيادة نسبة امتصاصه في العظام، هذا إلى جانب الأغذية.

فيما يوصي بحث أُجري على "دورة الغدد الصماء والتمثيل الغذائي" بالحفاظ على المستويات المُثلَى للفيتامين، تبعًا للسن والحالة الصحية، فيُنصح الرضع في الأشهر الستة الأولى بتناول نحو 400 إلى 1000 وحدة، ومن ستة أشهر إلى سنة 400 إلى 1500 وحدة، فيما يحتاج الأكبر سنًّا من عمر 19 وحتى 50 إلى 600 وحدة على الأقل، خاصةً بعدما يتوقف الجسم عن بناء الكتلة العظمية بدايةً من عمر الثلاثين، وتزداد هذه النسبة إلى نحو 800 وحدة للأكبر من 50 عامًا.

ويضيف مجدي عبد العزيز رجب -أستاذ الأمراض الجلدية والتناسلية وأمراض الذكورة بجامعة الإسكندرية- لـ"للعلم" أن الوضع المثالي لفيتامين د، مرتبط بتوفير نمط حياة متوازن، وأن هناك أمراضًا تنشأ نتيجة لنقصه، منها الإكزيما الجلدية، وهناك أمراض يكون الفيتامين علاج لها مثل الصدفية. ويتابع: "واقيات الشمس من الوسائل المهمة التي تحمي الناس من التشيُّخ الضوئي والبقع الداكنة والنمش والكلف؛ لذا أنصح باستخدام الواقيات".

آثاره الجسدية والإدراكية

دعنا نوضح أن الضوء المتسرب لغرفتك من فتحة نافذتك ليس بالبساطة التي يبدو عليها، فأشعة الشمس فوق البنفسجية تنقسم إلى ثلاثة أنواع، الأول C وهو بالغ الخطورة ولحسن الحظ أنه لا يصل إلى الأرض بفضل وجود طبقة الأوزون، أما النوع A فله قدرة على النفاذ إلى داخل غرفتك، وأضراره تتركز عند التعرض لأشعة الشمس لوقت طويل، أما B فله قدرة عالية على التسبُّب في حروق الجلد، إلا أن التعرض له يساعد الجسم على تصنيع فيتامين "د".

فيما ربطت دراسات بين نقص فيتامين د، وعدد من مشكلات الحمل والولادة، فعلى سبيل المثال يتسبب النقص فيه، خلال الفترة بين الأسبوع 16 و20 من الحمل، في الإصابة بأمراض الرئة المزمنة عند الرُّضَّع، والإصابة بالربو للأطفال في عمر الست سنوات.

على الجانب الآخر، تتجاوز آثاره الناحية الجسدية لتشمل تأثُّر المهارات الإدراكية والمعرفية والحسية، فيتسبب نقص فيتامين د في زيادة خطر الإصابة بالخرف وألزهايمر والاكتئاب. لذا ينصح الأطباء بالانتباه إلى العلامات المنذرة بنقص الفيتامين مثل: الآلام المزمنة -خاصة التهاب المفاصل، وآلام العظام، والكسور- والتعرق الزائد، والتعب المفرط –لا سيما ضعف العضلات- بجانب التقلبات المزاجية والاكتئاب.

الحد المطلوب

فيما يرى أنتوني يونغ -أستاذ علم الأحياء الضوئية في معهد سانت جون للأمراض الجلدية بكينجز كولدج في لندن- أن الربط بين نقص فيتامين د ووضع كريمات الحماية قد لا يكون سليمًا، فالكمية التي يستخدمها الأفراد من الكريم الواقي محدودة وتشكل طبقة رقيقة غير مؤثرة.

ويضيف: "يجب وضع نحو 2 ملج من الكريم الواقي مقابل كل سنتيمتر من الجلد"، وهو ما طبقته إحدى مجموعتي دراسته، التي أجراها على 79 شخصًا، فيما سمح للمجموعة الثانية باستخدام الكريم الخاص بهم بطريقتهم المعتادة.

ويتفق رجب مع نتائج هذه الدراسة، إذ يرى أن الكمية التي يضعها الفرد من كريم الحماية لن تشكل طبقة كثيفة ولا تؤثر في امتصاص فيتامين د لأي منطقة يتعرض لها، ويرى أن الدراسة "أمر مبالغ فيه".

توافق د. حنان أحمد سالم، أستاذ الأمراض الجلدية والتناسلية بجامعة المنصورة، فتعزو نتائج الدراسة إلى أنه قد يكون لاختلاف سطوع الشمس وقوتها في البلاد التي لا تتمتع عادةً بسطوع الشمس بشكل مستمر، أي أنه ربما كان يعاني سكانها بالفعل من وجود نقص في الفيتامين، بعكس البلاد العربية التي تتمتع بشمس ساطعة في غالب أيام السنة.