من المعروف أن الماء عنصرٌ أساسيٌّ للحياة على الأرض؛ حيث يوجد ذلك السائل في جميع أنحاء كوكبنا الأزرق وداخل أجسامنا وأجساد كافة الكائنات الحية، لكن من أين أتى الماء؟ ذلك سرٌّ لم يُكشَف بعد.

يذهب بعض العلماء إلى أن الماء كان موجودًا في الصخور التي التحمت معًا وكوَّنت كوكب الأرض من الغبار الكوني قبل نحو 4.5 مليارات سنة، في حين يرى آخرون أن الأرض كانت جافةً منذ مليون عام بسبب حدث مجهول، ثم تعرضت لهجمة نيزكية حملت إليها الماء من جديد.

لكن أيًّا من هاتين الفرضيتين لا تفسر كمية الماء الموجودة على الأرض في الوقت الحالي، إلا أن فريقًا دوليًّا من العلماء يقولون إنهم ربما توصلوا إلى مصدر الماء الرئيسي.. ألا وهو الشمس.

يقول الباحثون في الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر أسترونومي" (Nature Astronomy) : "إن الرياح الشمسية أنتجت الماء على سطح حبيبات الغبار التي تكوَّن منها كوكب الأرض".

قام العلماء بتحليل شظايا صغيرة من كويكب لتأكيد صحة افتراضهم، ووجدت تجاربهم -التي أجروها على النطاق الذري- أن الماء يوجد بكثافة في الأجزاء الخارجية من الحبيبات المعدنية المرتبطة بالكويكبات في شكل طبقة رقيقة للغاية.

وتعتمد فكرة الباحثين على أن جزيئات الغبار التي عثر الباحثون على الماء فيها هي الجزيئات نفسها الموجودة في القرص الكوكبي الأولي الذي تكونت منه الكواكب والكويكبات في أثناء تشكُّلها، لكن كيف عرف الباحثون أن الإشعاع الشمسي أسهَمَ في تكوين جزيئات الماء تلك؟

يقول "لوك دالي"، الباحث في علوم الأرض بجامعة جلاكسو الإسكتلندية، والمشارك في الدراسة: "إن نسبة الديوتيريوم إلى الهيدروجين تُخبرنا أن الرياح الشمسية مساهم أساسي في وجود الماء".

يضيف "لوك" في تصريحات لـ"للعلم": قاس الفريق العلمي وجود الماء في الجزء القريب من الحبيبات الصغيرة من كويكب يُسمى "إيتوكاوا"، وكانت مهمة "هايابوسا" التابعة لوكالة الفضاء اليابانية قد استخدمت تقنيةً جديدةً رائعةً تُسمى التصوير المقطعي الذري، وأتاحت تلك التقنية قياس الذرات الفردية داخل المواد الصخرية لمعرفة ماهية تكوينها ومكان وجودها في الصخر، وفي حالتنا استخدمنا تلك التقنية لقياس توزيع جزيئات الماء ووفرتها.

توصَّل الباحثون إلى أن هذه المياه تم إنتاجها بواسطة أيونات الهيدروجين في الرياح الشمسية "من تيار يتكون في الغالب من الهيدروجين وأيونات من الشمس"، مما أدى إلى تشعيع هذه الجسيمات عندما كانت موجودةً ومستقرةً على سطح كويكبها لتنتج ذرات غنيةً بالماء نسبيًّا.

يقول "لوك": يوجد الكثير من الماء في هذه الحبيبات الصغيرة، بحيث يمكن أن تحتوي الأسطح الصخرية للعوالم الخالية من الهواء، والتي تتأثر بالرياح الشمسية على ما يصل إلى 20 لترًا من الماء لكل متر مكعب من التربة على سطح الكويكب، وهذا له آثارٌ على الأرض المبكرة حين كانت تتشكل من القرص الكوكبي الأولي، الذي كان غنيًّا جدًّا بجزيئات الغبار الصخري الصغيرة، والذي تأثر أيضًا بالرياح الشمسية، وبالتالي فإن كثيرًا من الحبيبات الصغيرة الغنية بالمياه سوف يتساقط على الأرض المبكرة خلال هذا الوقت المبكر.

يُعد أصل محيطات الأرض أحد أقدم الألغاز في علم الكواكب، ويعتقد العلماء أن معظم المياه جاء من مصدر خارج كوكب الأرض، وأن أفضل مرشح حتى الآن هو الكويكبات الغنية بالمياه ونيازك الكوندريت الكربونية، لكن مع ذلك، عندما نقيس التركيب النظيري للماء من هذه الكويكبات، فإنه لا يتطابق تمامًا مع الماء الموجود على الأرض؛ إذ إن ماء الكويكبات أثقل قليلًا، لذلك هناك حاجة إلى معرفة المكان الذي جاءت منه مياه الأرض "الأخف".

وتُظهر قياسات الفريق العلمي أن جزيئات الغبار الصغيرة في الفضاء يمكن أن تحتوي على كميات كبيرة من الماء المُنتَج بواسطة الرياح الشمسية، "والتي يُمكن أن تكون الخزان المفقود الذي نحتاج إليه لموازنة الماء الأثقل الذي جاء إلى الأرض بعد أن ارتطمت بالكويكبات الغنية بالماء".

يقول "لوك": "إن الغبار الذي كوَّن الأرض في وقت مبكر اتحد مع الماء الذي جاء بواسطة الكويكبات الغنية وامتزجا معًا ليكوِّنا الماء الموجود حاليًّا على سطح كوكب الأرض".

ويتابع: بالإضافة إلى مساعدتنا في فهم أصل المياه الموجودة في الأرض، هناك تأثيرٌ إضافيٌّ في تلك الدراسة، يتمثل في أن كل عالم خالٍ من الهواء في نظامنا الشمسي وفي مجرتنا بالفعل يجب أن يحتوي على الكثير من المياه من الرياح الشمسية في تربتها الصخرية، وهذا يعني وجود مورد مائي متجدد يمكن الوصول إليه بسهولة عبر مجرتنا، ويمكن أن يكون مهمًّا جدًّا لاستكشاف الإنسان للفضاء وإنشاء مستوطنات بشرية في عوالم أخرى تمنح الناس الحياة من خلال مياه الشرب وكذلك وقود الصواريخ عن طريق تقسيم الماء إلى هيدروجين وأكسجين.

وكان فريق العمل قد بدأ الدراسة في عام 2017؛ إذ استغرقت 4 سنوات كاملة لتطوير النهج، والحصول على النتائج الأولى، ثم بناء التعاون الدولي لتأكيد النتائج.

يقول "لوك": الرائع بحق هو العمل مع فريق دولي متنوع من العلماء عبر ثلاث قارات للتحقيق في أمر يهمنا جميعًا.. وهو أصل الماء.