أن تتعرض لأشعة الشمس، فأنت تحصل على فيتامين "د" المهم للحفاظ على كثافة العظام، لكنك تحصل أيضًا على بعض الحروق، والأسوأ أن تحدث بعض التحوُّرات في خلايا الجلد مسببةً الإصابة بسرطان الجلد، فما الحل لحماية سطح الجسم دون التعرُّض لمخاطر صحية.

ينصح المتخصصون بوضع كريم الحماية في كل مرة نتعرض فيها للشمس، لما يقوم به من دور يشبه عمل درع حامٍ للجلد من الأشعة فوق البنفسجية التي تطلقها الشمس، وتُحدث خللًا في الجلد، ولكن يحذر بعضهم من الاختيار السيئ لأنواع من الكريمات تحوي مواد سامة.

ففي دراسة تجريبية، أجراها فريق بحثي من مركز تقييم المخدرات والسموم التابع لهيئة الغذاء والدواء الأمريكية، لاحظ الباحثون امتصاص الجلد لنسبة من كريمات الحماية. "لوقت طويل، ساد الاعتقاد لدى العلماء بأن كريمات الحماية لا تمر عبر الجلد، ولكننا لاحظنا وجود نِسَب منها في مجرى الدم بعد أقل من 24 ساعة من وضعها"، وفق تيريزا ميشيل، مديرة قسم المنتجات الدوائية غير الموصوفة في إدارة الغذاء والدواء، وأحد المشاركين في الدراسة.

واعتمدت الدراسة التي نُشرت مطلع الشهر الجاري بدورية الجمعية الطبية الأمريكية JAMA على نتائج قياس 4 مركبات كيميائية شائعة الاستخدام في تركيبات كريمات الوقاية من الشمس: أفوبنزون، وأوكسي بنزون، وأوكتوكريلين، ومركب أكامسولي.

وأُجري البحث في مرحلته الأولى على عينة عشوائية من 24 فردًا، من بينهم نساء ورجال من ذوي البشرة الفاتحة والداكنة، وجرى قياس تركيز المركبات المذكورة في بلازما الدم، وهي المكون السائل الرئيسي للدم، وتكون على شكل مادة سائلة شفافة تميل إلى الاصفرار، وتُعَد الناقل الأساسي للعناصر المختلفة، مثل المواد الغذائية وهرمونات الجسم والأدوية التي يتعاطاها الإنسان.

وانتهت الدراسة إلى أن استخدام كريمات الحماية لمدة يوم واحد بالطريقة الموصوفة من قِبَل الشركات المنتجة -وضع الكريم من جديد بعد مضي ساعتين في حال وُجد الشخص في مكان مشمس- يؤدي إلى وجود المركبات المذكورة في مجرى الدم بنسب تصفها الدراسة بأنها "تستحق إجراء المزيد من الأبحاث"، بينما تعلق "ميشيل" لـ"للعلم": "نعلم أن المواد المذكورة جرى امتصاصها من الجلد وإلى الجسم، ولكن هذا لا يعني أن المكونات غير آمنة".

 وتابعت: "هناك حاجة ملحَّة لعمل المزيد من الدراسات حول هذا الأمر؛ نظرًا لتجاوُز نسب هذه المكونات المعدلات التي أقرتها هيئة الغذاء والدواء الأمريكية FDA"، مشددةً على أن الهيئة تولي أهميةً خاصة لدراسة مدى أثر هذه المركبات على صحة الأفراد، ولذا فهي تعتقد أن هذه النتائج "ستدعم جهود الهيئة لتحديد سلامة مكونات منتجات الوقاية من الشمس."

هل نتوقف عن وضع كريمات الحماية؟

الإجابة بالتأكيد: لا، وفق ما ذكرت الدراسة في توصياتها، فمع ارتباط التعرض لأشعة الشمس بشكل مباشر بالإصابة بمرض سرطان الجلد، يشدد الخبراء على أهمية استخدام واقٍ من أشعة الشمس الضارة.

وتحتل مصر المرتبة الثامنة عالميًّا في نسب ازدياد حالات الإصابة الجديدة بسرطان الجلد، وذلك وفق نتائج دراسة شملت 62 دولة، نشرها موقع فهرس سرطان الجلد 2018.

وتؤكد نهى عمر -أخصائية الجلدية بوزارة الصحة المصرية- أهمية وضع كريمات الحماية من الشمس، خاصةً لذوي البشرة الفاتحة الذين يقطنون بلدانًا مشمسة. "من المؤكد أن أي مادة توضع على الجلد تتسرب إلى الدم"، وفق "عمر"، وتضيف أنه مع غياب وجود دراسات كافية في هذا المجال، فعلى المستخدم أن يختار الكريمات بعناية.

وتتابع: "من الأفضل تجنُّب الكريمات التي تحوي المواد الأربع الموجودة في الدراسة، واختيار كريمات ذات أساس معدني، مثل مراهم الزنك، وأكاسيد المعادن بأنواعها، وهي متوافرة في الصيدليات". وتوضح أن المستخدمين عادةً ما يتجنبون هذه الأنواع لأسباب تجميلية، قائلةً: "إن كريمات أكاسيد المعادن تخلِّف طبقةً فاتحة اللون وواضحة على البشرة، كما أنها صعبة الدهن (ليست كريمية الأساس وتترك علامات)، بخلاف نظيراتها الكيميائية، لكنها تتميز برخص سعرها، وكونها آمنة ولا تخلف آثارًا سلبية في حال جرى امتصاصها". كما تؤكد "عمر" أهمية قراءة مكونات المنتج قبل شرائه، "علينا إعادة النظر إلى نوع كريمات الحماية التي نستخدمها، مع التأكيد على استخدامها بشكل دائم".

إنذارات سابقة

في عام 2016، حذرت دراسة دنماركية من احتواء كريمات الحماية من الشمس على مواد كيميائية تؤثر على قدرة الحيوانات المنوية على أداء وظائفها، وذلك بعد فحص عينات بول لمشاركين، ولاحظوا وجود أثر للمركبات الكيميائية المانعة للشمس على صحة المني عند الرجال.

ومن بين جميع المركبات الكيميائية لكريمات الوقاية من الشمس، من المعروف أن أوكسي بنزون ​​هو السبب الأكثر شيوعًا لتهيُّج البشرة وحساسيتها، كما لاحظت دراسة سويسرية وجود أوكسي بنزون ​​كواحدة من أربع مواد كيميائية واقية من الشمس في 85٪ من عينات لبن الأم، مما أثار مخاوف من إمكانية تعرُّض الأطفال حديثي الولادة لأذى صحي.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية حظرت ولاية هاواي المطلة على المحيط الهادئ استخدام واقيات الشمس التي تحتوي على أوكسي بنزون ​​وأوكسينوكسيت؛ لأنها تسبب تبيُّض المرجان، وتشكل خطرًا على النظم الإيكولوجية البحرية.

وتعلق سحر طلعت -أستاذ الباثولوجي بجامعة القاهرة- بقولها: "بالنسبة لي لم تكن المعلومات صادمة، فكل منتج مصنَّع نستخدمه هو منتج كيماوي، واحتمالية أن يكون له أضرار أمر وارد جدًّا، وبالتالي أستغرب التعامل مع أي منتج كيماوي على أنه آمن تمامًا، وكأنه ترياق أو فيه شفاء للناس".

وبنبرة تعجب تقول "طلعت" لـ"للعلم": "في كثير من الأحيان كنت أرى الأمهات يدهنَّ أجساد الأبناء بطبقات من هذه المنتجات، ودائمًا ما يدهشني هذا الأمان في أثناء التعامل مع مادة مخلقة في المعمل".

أين الرقابة؟

وتلفت "طلعت" النظر إلى غياب الرقابة: "الأزمة الثانية التي أظهرها البحث، هي غياب الأجهزة الرقابية؛ إذ لا تملك القدرة ولا الطاقة لعمل رقابة على كل المنتجات". وترى أن أزمة كريمات حماية البشرة ليست الأولى؛ فمنذ سنوات اشتعلت أزمة أخرى حول أثر استخدام المطهرات القاتلة للبكتيريا والجراثيم، التي تضر أكثر مما تنفع.

لكن من جهتها تحاول هيئة الغذاء والدواء رصد المواد التي تحويها كريمات الشمس، وإدراجها في قوائم الترقب، أي وضعها تحت الاختبار لحين إجراء المزيد من الدراسات عليها، لكنها تسمح في هذه الأثناء بتداولها في السوق.