هل تحمل الفراشات الحالمة -التي طالما وُصفت بأنها رمز الرقة والرومانسية- بين رفرفة أجنحتها وألوانها الزاهية أسرار تطوُّر هذه الكائنات؟ ربما.

فقد كشفت دراسة أجراها باحثون بجامعة هارفارد الأمريكية ونشرتها مجلة "ساينس" (Science) وجود كمية مذهلة من تدفق الجينات بين أنواع الفراشات، حتى بين بعض الأنواع ذات الصلة البعيدة، مؤكدةً أن "التهجين هو العملية الأساسية في ظهور هذا التنوع البيولوجي".

يقول جيمس ماليت -أستاذ علم الأحياء والبيولوجيا التطورية، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة بدأت عام 2013 من خلال تحالف دولي ضم فريقًا من علماء الأحياء الذين يعملون على مجموعة من فراشات الكرمة العاطفية المعروفة باسم هيليكونوس، والتي تستخدم ألوانها الزاهية في توجيه رسالة تحذير لأعدائها من الحيوانات المفترسة بأنها مزعجة وسامة، وأنها تطلق مادة السيانيد السامة عند التعرُّض لأي أذى. لقد وجد العلماء سابقًا أن أحد أسباب تشابُه هذه الأنواع من الفراشات هو أنهم يتشاركون فعليًّا في أجزاء من الحمض النووي الخاص بهم، وذلك بفضل التهجين الذي حدث في مرحلةٍ ما من أصل أجدادهم. وتشير النتائج الجديدة إلى أن هذه العملية لتبادُل الحمض النووي أكثر شيوعًا بكثير مما كان يُعتقد سابقًا".

حاول الباحثون فهم الكيفية التي تقوم الفراشات من خلالها بنقل الجينات إلى الأنواع الأخرى عن طريق "التهجين الضمني"، والذي يُعرف أيضًا بـ"الانجبال الداخلي"، ويُقصد به نقل المعلومات الوراثية من نوع إلى آخر بعد تهجين بعضها مع بعض، لذلك قام الفريق البحثي بتحليل مجموعات الجينوم الجديدة المكونة من 20 نوعًا من الفراشات الهيليكونية الموجودة في الغابات المطيرة بأمريكا الجنوبية.

يضيف "ماليت": قمنا بدراسة تسلسل 20 نوعًا من الفراشات الهيليكونية، وقمنا لأول مرة بتكوين خرائط الجينوم الخاصة بها، ساعدنا ذلك على فهم عمليات التهجين أو تدفُّق الجينات بين كل هذه الأنواع، ما وجدناه كان مذهلا حقًّا؛ إذ إن الانجبال الداخلي يحدث حتى بين الأنواع ذات الصلة البعيدة. فالأنواع ليست ببساطة كما كنا نعتقد، والآن لدينا الدليل. وتُعد الشجرة التطورية لهذه الفراشات بمنزلة مستنقع كامل الترابط؛ إذ يبدو أن كل جزء من جينوم الفراشة يحتوي على شجرة مختلفة".

من جهته، يوضح الباحث الرئيسي في الدراسة "نيت إيدلمان"، في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة، أن "مجموعات الجينوم تُعد موردًا مهمًّا للباحثين؛ لأنهم يستطيعون من خلالها رسم خريطة الجينات في الجينوم".

وجد الباحثون دليلًا على أن بعض الجينات كانت قادرةً على الانتقال بين الأنواع، وكان البعض الآخر أكثر مقاومةً لهذه العملية. أحد العوامل الرئيسية التي تحدد ما إذا كان الجين يستطيع أو لا يمكن أن يتحرك هو عملية بيولوجية أساسية تسمى "إعادة التركيب"، وفق "إيدلمان".

يُعتقد أن إعادة التركيب مفيدة في توليد أنماط وراثية متنوعة للأجيال القادمة، ويشير نظام إعادة التركيب الموصوف في هذه الدراسة إلى أنه يحدث أيضًا في أثناء تدفق الجينات بين الأنواع، ما قد يوفر طريقًا ممكنًا لتمرير الجينات التكيُّفية من حين إلى آخر بين الأنواع ، وكذلك داخل الأنواع.

يقول "ماليت": تدفق هذه الجينات ذهابًا وإيابًا يعتمد غالبًا على مقدار وحدة مناطق إعادة التركيب وتماسكها. ففي مناطق إعادة التركيب المنخفضة، نميل إلى رؤية مزيد من المقاومة لتدفُّق الجينات مقارنةً بمناطق إعادة التركيب العالية التي تشهد انفصال الجينات المقاومة أو غير المتوافقة عن الجينات التي يمكن أن تتدفق عبر حدود الأنواع، وإذا نظرنا إلى قطعة معينة من الحمض النووي، نجد أن كل جزء يروي قصة محددة. وبالتالي فإن الطريقة التي طورناها تفحص شظايا الحمض النووي هذه، ويمكن أن تخبرنا بالأجزاء التي قد تكون أكثر عرضةً لإدخال تعديلات عبر الانجبال الداخلي بشكل أو بآخر.

يختتم "ماليت" تعليقه قائلًا: في الحياة البرية، من غير المرجح أن يتكاثر الفرد مع عضو من فصيلة أخرى، ومع مرور الوقت، ربما يحدث هذا فقط في مجموعات الأنواع الأصغر، وهي الأنواع التي تكون فيها عملية التطور سريعة الحركة. ويمكن أن يكون لهذا الفهم الجديد تأثير كبير على صناعة التكنولوجيا الحيوية، وفهم الدور الذي يؤديه التنوع الجيني الطبيعي في الحفاظ على الحياة البرية.