طوال السنوات الماضية، حذرت "منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة" (فاو) من أن استمرار زيادة سكان العالم واستهلاك الغذاء بالمنوال نفسه سيجعل العالم بحاجة إلى أغذية تزيد عن تلك المتوافرة حاليًّا بنحو 60% بحلول عام 2050، مؤكدةً أنه "لن يكون هناك مصدر لهذا الإنتاج الإضافي إلا عن طريق "التكثيف المستدام" للزراعة.

ومن هنا تأتي أهمية الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشرساستنبيلتي"(Nature sustainability) ، والتي أشارت إلى أن استخدام تقنيات "التكثيف المستدام" قد يؤدي إلى زيادة إنتاجية الوقود الحيوي.

و"التكثيف المستدام" هو عملية تجري فيها زيادة كميات المحاصيل الزراعية مقارنةً بالبقعة المزروعة نفسها من الأرض، ودون الاضطرار إلى استصلاح أراضٍ إضافية غير زراعية، ودون حدوث تأثيرات بيئية سلبية، ويُستخدم التكثيف المستدام عادةً لزيادة غلات المحاصيل الزراعية عن طريق الإخصاب والري.

وتأتي الدراسة في وقت تزداد فيه محاولات العالم لاستخدام الوقود الحيوي كمصدر محتمل للطاقة بهدف تخفيف حدة تغيُّر المناخ؛ إذ يتميز ذلك النوع من الوقود بانبعاثات كربونية أقل، وبصمة بيئية منخفضة. وبالتالي، فإن الفائدة المحتملة لإنتاج الوقود الحيوي تعتمد على التأثيرات البيئية الناجمة عن إنتاج المحاصيل، مثل الذرة وقصب السكر، اللازمة لصناعة ذلك الوقود.

يشير الباحثون إلى أن التكثيف المعتدل والمستدام للأراضي العشبية عالية التنوع يزيد من إنتاجية تلك المحاصيل، وإضافة أكثر من 70 كيلوجرامًا من إنتاجها لكل هكتار، وهو ما يعنى زيادة الإنتاج بقيمة 89%، وزيادة نسب تخزين الكربون في التربة بنسبة 187%، وانخفاض مستويات انبعاث الغازات الدفيئة بنسبة 32%.

وتخلص الدراسة إلى أن الفوائد البيئية المتعددة تتطلب ممارسات تكثيف مستدامة، تتناسب مع أنواع التربة والمناخ والنباتات في كل منطقة.

ويقترح الفريق البحثي استنبات مصادر الوقود العضوي في الأراضي العشبية الزراعية المهجورة والمتدهورة من جَرَّاء ممارسات زراعية سيئة، مشيرين إلى أن "زراعة تلك الأراضي ستقلل من تكالب المُزارعين على استخدام الأراضي عالية الجودة في زراعة محاصيل الوقود الحيوي، كما يُمكنها أن تُسهم في المستقبل في انخفاض مستويات انبعاث غازات الدفيئة وتخفيف آثار تغيُّر المناخ".

وتشير التجارب السابقة إلى أن الوقود الحيوي المُنتَج من الأراضي الزراعية المهجورة يُمكن أن يُحسِّن من جودة تلك الأراضي؛ إذ إن المحاصيل التى يُستخرج منها الوقود تساعد على تحسين التربة، وزيادة خصوبتها.

وتقول الدراسة إن تلك العملية يُمكن أن تُسهم أيضًا في زيادة الكتلة الحيوية للمحاصيل التى يُستخرج منها الوقود الحيوي، وهو ما يعني أن كل كيلوجرام واحد من المحصول يُمكن أن يُعطي كميةً أكبر من الوقود، مُقارنة بالمحاصيل المستنبتة بالطرق المعتادة.

يقول "يي يانج" -الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة في قسم المنتجات الحيوية والنظم البيولوجية بمعهد البيئة الأمريكي، ومؤلف الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن تبنِّي أساليب التكثيف المستدام في زراعة المحاصيل الزراعية بشكل عام، وزراعة المحاصيل التي تُنتج الوقود الحيوي بشكل خاص، يُمكن أن يزيد من المنافع المناخية، كما سيؤدي إلى إعادة تخصيب الأراضي الزراعية المهجورة، ما يُمكِّن المزارعين من استخدامها في زراعة محاصيل أخرى في المستقبل إن رغبوا في ذلك".

يضيف "يانج" أن "نتائج الدراسة، التي استمرت 3 سنوات، متعددة الفوائد، ويتمثل أهم تلك النتائج في إثبات عدم تسرُّب النترات الناجمة عن تخصيب الأراضي المهجورة إلى المياه الجوفية؛ إذ يؤدي التسميد المكثف إلى ترشيح النترات إلى المياه، ما يجعلها غيرَ صالحة للاستخدام الآدمي، لكن تقنية التكثيف المعتدل المستدام يبدو أنها تُقلل احتمالات تسريب النترات إلى المياه الجوفية".

ويشدد "يانج" على ضرروة النظر في تلك النتائج في المستقبل، حالَ رغِبْنا في إنتاج وقود حيوي لا تضر زراعة مواده الأولية بالبيئة، على حد وصفه.