منذ ظهور جائحة كوفيد-19 التي تسببت في دخول معظم دول العالم فى حالة إغلاق كامل عدة شهور، وتسببت في عرقلة العملية التعليمية في المدارس والجامعات، لجأت المؤسسات التعليمية إلى نظام التعليم الإلكتروني بشكل كامل، أو تصميم نظام يجمع بين الفصول الافتراضية في أيام محددة والذهاب إلى القاعات الدراسية في أيام أخرى.

لكن كثيرًا من الطلاب ربما يفضلون الذهاب إلى مؤسساتهم التعليمية من أجل التفاعل الاجتماعي، وتَوافُر بيئة مواتية لتعليم أفضل من المنزل، حيث العديد من المشتِّتات.

ويحقق حضور الطلاب فى مؤسساتهم التعليمية أهدافًا أوسع وأشمل من التحصيل الدراسي. فالمدرسة هي المكان الذي يتعلم فيه الطلاب الشعور بالاستقلال وتكوين علاقات اجتماعية إيجابية. تساعد المدرسة كذلك على تطوير بعض الجوانب العاطفية والسلوكية والمعرفية. وتوفر المؤسسات التعليمية بالهيئات الإدارية الخاصة البيئة المناسبة لكل جوانب التجربة المدرسية، مثل جودة التدريس والتعلم، وإدارة العلاقات الاجتماعية، وتنظيم القاعات الدراسية.

من هنا تأتي أهمية تكوين معرفة جيدة بالمعايير التي تساعد على الوصول إلى أفضل جودة ممكنة في أثناء العملية التعليمية، سواء في أثناء الجائحة أو بعدها.

في هذا الإطار، أفادت مراجعة منهجية حديثة -نشرتها دورية "إندور إير" Indoor Air- بأن هناك بعض العناصر في البيئة الداخلية للقاعات الدراسية تؤثر على جودة العملية التعليمية والأداء الأكاديمي للطلاب.

القاعات الدراسية

حلَّل الباحثون نتائج 21 دراسةً تركز على البيئة الداخلية لقاعات التدريس، كنظام جودة الهواء الداخلي وتكييف الهواء -تبريد أو تدفئة- والظروف الصوتية والإضاءة. وأشاروا إلى أن "البيئة الداخلية المناسبة قد تؤثر بشكل إيجابي على أداء المعلمين في التدريس وقدرة الطلاب على التعلم، مما يزيد من احتمالية تحصيل أكاديمي أفضل".

يقول هينك دبليو برينك -المحاضر في جامعة هانز للعلوم التطبيقية في هولندا، والمؤلف الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": أظهرت الدراسات على مدار العقد الماضي أن ظروف الفصول الدراسية فى المدارس بعيدة كل البعد عن المثالية. فهي في بعض الحالات غير صحية، وتُظهر آثارًا سلبيةً على المعلمين والطلاب. كما أظهرت خدمات صحة المجتمع الهولندي (GGD) أن جودة هواء القاعات الدراسية في المدارس الابتدائية سيئةٌ للغاية، وما من دليل على أن الوضع في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي أفضل من المدارس.

توضح المُراجعة التي أجراها باحثون من أربع جامعات هولندية أن "جودة البيئة الداخلية للقاعات الدراسية تؤثر على أداء المهمات، والتواصل والتفاعل الاجتماعي، والمزاج، والصحة والسلامة، للطلاب والمعلمين على حدٍّ سواء".

كما أظهرت الدراسة أنه لا توجد ظروف محددة تُعَدُّ مثاليةً بشكل مُطلق. فالظروف البيئية المناسبة تختلف باختلاف نوع النشاط الذي يؤديه الطلاب داخل قاعات الدرس، مع تفضيل للبيئة الباردة والمشرقة والهادئة نسبيًّا والهواء المحمل بتركيزات منخفضة من ثاني أكسيد الكربون.

انخفاض الجودة

وكانت دراسة دنماركية أُجريت في عام 2017، قد كشفت عن أن درجة الحرارة وجودة الهواء الداخلي يؤثران على بعض آليات التركيز لدى البشر، مثل التشتيت والانتباه، والتحفيز والإثارة، وكذلك على الأعراض السلوكية العصبية، والأعراض الصحية الحادة، وهذه تؤثر بدورها على أداء الأعمال المكتبية والمدرسية. في حين أوضحت دراساتٌ أخرى أن الإضاءة الداخلية تؤثر على مستوى اليقظة والأداء المعرفي، كذلك تتسبب العوامل الصوتية السيئة في إزعاج الطلبة وإلهائهم.

يقول "برينك": يمكن أن تؤثِّر مستويات الضوضاء المرتفعة على قدرة الطلاب على سماع أصوات المعلمين، وتزيد من المخاطر الصحِّيَّة الصوتية التي يتعرَّض لها المعلمون.

من جهته، يقول أحمد نجيدة، طبيب مصري وباحث دكتوراة في جامعة بورتسموث البريطانية: "إن الاستجابة لدرجة حرارة القاعات الدراسية تباينت بين الطلاب نظرًا لعدة عوامل".

يضيف "نجيدة" في حديثه لـ"للعلم": أوضحت المراجعة المنهجية أن الطالبات البنات يشعرن بالبرودة أكثر من الطلاب الذكور، كما أن درجة الحرارة القياسية اختلفت وفق المنطقة التي أُجريت فيها التجربة، مشيرةً إلى أن درجة الحرارة القياسية للبيئة الداخلية لتلك القاعات هي 25.90 درجة مئوية.

ويتابع أن "التبايُن في درجة الشعور بالبرودة بين النساء والرجال قد يرجع بشكل عام إلى عدة عوامل، منها أن درجة حرارة الجسم عند النساء تكون أكثر ارتفاعًا من الرجال، كما أن معدل الأيض عند النساء أقل من الرجال"، وفق قوله.

فصول دراسية أفضل

يعتقد "برينك" أن المُراجعة التى يعمل عليها هو وزملاؤه تفيد صانعي القرار في فهم مدى تأثير جودة البيئة الداخلية على العملية التعليمية ونتائجها، مضيفًا أنه "يمكن لإدارة المرافق والشركات الهندسية المسؤولة عن بناء المؤسسات التعليمية الاستناد إلى مُخرَجات الدراسة لتصميم أبنية ذات بيئة داخلية يمكن التحكُّم فيها؛ إذ يمكن تعديل درجة الحرارة الداخلية والإضاءة لتناسب المهمات التي يؤديها الطلاب، مما يزيد من احتمالية دعم الفصول الدراسية للنتائج التعليمية، ويوفر بيئةً صحيةً للأجيال القادمة من المعلمين والطلاب تساعدهم على الأداء بشكل أفضل".

من جهته، يرى خالد طرابية -الأستاذ المساعد في التصميم المستدام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة- أن أهمية المُراجعة التي أجراها "برينك" وزملاؤه تكمُن في توفير بحث قائم على الأدلة حول تأثير معايير جودة البيئة الداخلية على التعلُّم في الفصول الدراسية. وهذا النوع من الدراسات يمكن أن يكون مفيدًا جدًّا للباحثين في هذا المجال؛ لأنها تقدم أهم الدراسات المتعلقة بالموضوع، والتي تمكِّن الباحثين من تحديد نقطة بداية للمُضيِّ قدمًا من حيث انتهى باحثون آخرون.

يقول "طرابية" لـ"للعلم": لتقديم إرشادات لصانعي القرار ستكون هناك حاجة إلى بناء دراسة تكميلية على نتائج هذه المُراجعة لتوضيح علاقة تصميم الفصول الدراسية بمعايير جودة البيئة الداخلية، ولإظهار المتطلبات المادية والبيئية اللازمة لتخطيط الفصل الدراسي، مثل مستويات الإضاءة وموقع النوافذ وسعة الفصول.

ويضيف: اتبع المؤلفون طريقة كوكرين التعاونية في هذه المُراجعة المكثفة، وتُعَدُّ هذه الطريقة ناجحةً لتطوير مراجعة منهجية لأقوى الأدلة المتاحة حول أبحاث الرعاية الصحية التي تشمل الجوانب أو المتغيرات التي تؤثر على صحة الإنسان.

وأوضح "نجيدة" أن جمعية كوكرين هي جمعية تعاونية تضم باحثين من حول العالم يتشاركون في عمل مراجعات منهجية لموضوعات بحثية مهمة في المجال الطبي، وتشتهر بأن المنهجية الخاصة بها من أدق المنهجيات في هذا الإطار، وأكثرها شفافيةً وقوةً حول العالم.

ماذا بعد؟

أشار "طرابية" إلى أن المُراجعة قد تساعد محترفي التصميم المعماري في الوصول إلى دراسات أخرى مهمة، لكن الدراسة نفسها ليست مفيدةً في توجيه التصميم أكثر من كونها مفيدةً في الكشف عن الحاجة إلى مزيد من البحث لتعزيز المعرفة الحالية حول معايير الراحة داخل الفصل الدراسي.

ويتابع: على الرغم من أهمية الدراسة، إلا أنها تحتوي على بعض العيوب، إذ لم تقدم المُراجعة تصنيفًا لأنماط الفصول الدراسية وفق المعايير الأربعة التي جرت دراستها، وهي جودة الهواء والظروف الصوتية والإضاءة ودرجة الحرارة.

يتفق "نجيدة" مع عدم مثالية الدراسة ووجود نقاط ضعف فيها، قائلًا: هناك عدم تجانس بين منهجيات الأبحاث التي تمت مراجعتها؛ إذ إن العوامل البيئية وطريقة قياسها لم تكن موحَّدةً في كل الدراسات، بالإضافة إلى الاختلافات الديموغرافية بين الدراسات، التي يصعب التوفيق بينها لتعميم النتائج، وأدت تلك الاختلافات الجوهرية إلى عدم إمكانية تدعيم النتائج بالطرق الإحصائية المعروفة، لذا لا بد من إجراء مزيد من الدراسات مستقبلًا؛ لتأكيد هذه النتائج، ولدراسة تأثير هذه المتغيرات بعضها مع بعض، وتحديد الظروف البيئية المناسبة للطلاب في المستويات الدراسية المختلفة وكذلك في المناطق الجغرافية المختلفة، إذ من المتوقع أن تتباين هذه التأثيرات باختلاف الأماكن والثقافات.

من جانبه، يوضح "برينك" أنه بدأ العمل –مع فريقه البحثي- على هذه المُراجعة منذ عام 2018، ومن المتوقع أن ينتهوا منها في عام 2022، وأنهم يعملون حاليًّا على توثيق طريقة لفحص تأثير معايير جودة البيئة الداخلية على العملية التعليمية في مرحلة التعليم العالي.

يستكمل "برينك" تصريحاته قائلًا: تعاونَّا مع جامعة أيندهوفن للتكنولوجيا وقسم إدارة المرافق بجامعة هانز للعلوم التطبيقية لتعديل فصلين دراسيين، وسوف ننشئ حالتين بيئيتين داخليتين محددتين في هذين الفصلين، أحدهما سيكون تطبيقًا لمعايير جودة بيئة داخلية مرتفعة، والآخر بجودة منخفضة، ثم سنعمل على قياس تأثير كلٍّ منهما على جودة التعليم والتحصيل الأكاديمي في الفترة من سبتمبر 2020 حتى فبراير 2021، ونأمل نشر مزيد من نتائج هذه الدراسة بحلول منتصف عام 2021، قبل الانتهاء التام من الدراسة في 2022.