لمعرفة كيف يؤثر النوم تأثيرًا إيجابيًّا على الأداء الذهني والصحة العامة، كشفت مجموعة من الباحثين عن نهج جديد للتعامل مع النوم بمستوى النظم. من خلال هذا النهج الذي أطلقوا عليه اسم "علم الوراثة في الأنظمة" (Systems genetics) يمكن الاستدلال على ظاهرة بيولوجية عن طريق الربط بين عدة مستويات من المعلومات بدءًا من المادة الوراثية (DNA) إلى النمط الظاهري عبر التعبير الجيني والبروتينات والتمثيل لكل مستوى في قطاع من السكان. ويتيح "علم الوراثة في الأنظمة" رؤية شاملة ومتداخلة للظاهرة البيولوجية، ما يجعلها ذات أهمية كبرى في التنبؤ بقابلية الإصابة بالأمراض. جاء ذلك في دراسة نشرها باحثون بجامعة لوزان والمعهد السويسري للمعلوماتية الحيوية بسويسرا في دورية "بلوس بيولوجي".

وقد عملت الدراسة على تحليل "علم الوراثة في الأنظمة" في الفئران بهدف تعرُّف مسارات الإشارات الجزيئية للتنبؤ بقابلية فقدان النوم. وعلى مدى سبع سنوات هي مدة العمل على البحث، تم تجميع معلومات عن آثار الحرمان من النوم والتركيبة الجينية على مستوى المخ ومجموع جزيئات الحمض النووي الريبوزي RNA بالكبد "liver transciptome" ومجموع الأيضية (المواد الضرورية للتمثيل الغذائي) بالدم "blood metabolome" وأخيرًا دورة النوم والاستيقاظ، مما يعكس تشريحًا تفصيليًّا لنشاط المخ والسلوك المتعلق بالنوم والاستيقاظ.

ويوضح "بول فرانكن" أستاذ مساعد بقسم الجينوم التكاملي بجامعة لوزان في سويسرا، في تصريح لـ"للعلم"، أن الدراسة شملت مجموعةً من الفئران ذات تركيبات جينية متنوعة، وتم تحديد كم المتغيرات الجينية وكل جزيئات الـRNA التي تعبر عنها الجينات في المخ والكبد، وحددوا كذلك 144 من المواد الضرورية للتمثيل الغذائي في الدم لدى هذه الفئران في الظروف الطبيعية التي تنام فيها، وكذلك عقب حرمانها من النوم مدةً قصيرة. الجديد في هذه الدراسة أن النهج المستخدم أتاح تحديد آثار الحرمان من النوم على نشاط المخ والتعبير الجيني في الكبد والمخ وجميع القياسات الأيضية في الدم، والأهم هو كيف تتأثر هذه المتغيرات بالتركيبة الجينية المتنوعة في هذه الفئران. وتفسر خلاصة الدراسة الاختلافات الفردية في التعرُّض للحرمان من النوم، وقد تساعد في المستقبل في تحديد أهداف علاجية.

وقد كشفت الدراسة عن آفاق جديدة؛ فالحرمان من النوم في النصف الأول من فترة الراحة التقليدية -وهي النهار لدى الفئران- ترك تأثيرًا على جميع الأنظمة مع تغيُّر التعبير الجيني في 78% من جينات المخ. كما توصل الباحثون إلى عدد من المتغيرات الجينية التي تحدث فقط عند الحرمان من النوم.

وقد قامت المجموعتان البحثيتان برئاسة "بول فرانكن" و"إيوانيس زيناريوس" بتطوير أدوات المعلوماتية الحيوية لإلقاء الضوء على التفاعلات والمسارات الخفية في المعلومات التي تم تجميعها، آملين أن يفسر النهج الجديد لماذا تحتاج الأنظمة إلى فترة سكون وتحتاج الكائنات إلى النوم.

وقد تبيَّن أن الفئران مثل الإنسان، تنام أعمق وأطول بعد التعرُّض للحرمان من النوم للتعويض، كما تنخفض لديها القدرة على التعلُّم، وتتأثر عملية التمثيل الغذائي، وكذلك تعبير عدد كبير من مسارات الجينات، يتداخل بعضها مع بعض.

ويؤكد "فرانكن" في تصريح لـ"للعلم" وجود بعض العقاقير التي تقلل الآثار السلبية للحرمان من النوم على الأداء الذهني للبشر، ولكن اكتشاف الدراسة لإنزيم يتولى تنظيم مستويات الأحماض الدهنية الحرة يشير إلى إمكانية تطوير عقار يستهدف نشاط هذا الإنزيم المسؤول عن تعويض تأثير الوقت الضائع من النوم.