تتكون الأعضاء المختلفة في الجسم -مثل الكلى والرئتين والقلب والدماغ- من أنسجة مبنية من أنواع خلايا مختلفة ومُميزِّة لكلٍّ منها، كي تمكِّنها من تنفيذ الوظائف المختلفة التي نحتاج إليها للحياة، وعلى الرغم من أن معظم الخلايا في أجسامنا تحمل النسخة نفسها من الجينوم البشري أو المادة الوراثية، إلا أن كل نوع من الخلايا يستخدم هذا الجينوم استخدامًا مختلفًا، ويعبر عن مجموعة معينة من الجينات.

وتشير دراسة نشرتها دورية "ساينس" (Science) إلى أنه "مع وجود استثناءات نادرة، فإن كل خلية من تريليونات الخلايا الموجودة في أجسامنا تحمل نسخةً طبق الأصل من الجينوم البشري، تحتوي على ما بين 20 ألفًا إلى 25 ألف جين مشفر للبروتين، ولكن لتنفيذ الوظائف المتخصصة التي تجعل الحياة ممكنة، تعتمد أعضاء مثل الكلية والرئة والقلب والدماغ على أنسجة مبنية من أنواع خلايا مميزة، تحدث عندما تتطور الخلايا الفردية للتعبير فقط عن مجموعة فرعية معينة من الجينات في الجينوم"، وبفضل التطور السريع في علم الأحياء الخلوي، ابتكر العلماء أدوات وتقنيات تساعد على كشف الجينات التي يتم التعبير عنها بواسطة كل نوع من الخلايا.

الدراسة أجراها اتحاد "تابولا سابينس" (Tabula Sapiens)، وهو فريق بحثي مكون من أكثر من 160 باحثًا خبيرًا ويقوده علماء من شبكة "تشان زوكربيرج بيوهاب" (CZ Biohub)، وكشفت النقاب عن أطلس رقمي ضخم يضم خرائط تمثل التعبير الجيني في ما يقرب من نصف مليون خلية يعود مصدرها إلى 24 عضوًا ونسيجًا بشريًّا، من ضمنها الرئتان والجلد والقلب والدم.

وهذا الأطلس هو مشروع مرجعي، يضم أنسجةً متعددةً من مجموعة محددة من المتبرعين من البشر، وهو الأطلس الأول من نوعه الذي يتضمن صورًا تشريحيةً للأنسجة، ويكشف تفاصيل المجتمعات الميكروبية التي تتخذ أجزاءً مختلفةً من قناتنا الهضمية مسكنًا.

يمكن استخدام البيانات التي يوفرها أطلس الخلايا البشرية لحوالي 500 ألف خلية من 24 عضوًا من 15 شخصًا عاديًّا CREDIT: CZ BIOHUB

يقول ستيفن كويك -أستاذ الهندسة الحيوية والفيزياء التطبيقية في جامعة ستانفورد، والباحث الرئيسي في الدراسة، ورئيس مركز تشان زوكربيرج بيوهاب- في تصريحات لـ"للعلم": ركز عملنا على كشف أي الجينات يميز كل نوع من الخلايا ويحدده، والأطلس الذي طورناه يساعد العلماء على فهم كيف يعمل جسم الإنسان، وتمتد تطبيقاته لتشمل التعرف على التغيرات التي تطرأ على الجسم عند الإصابة بالأمراض، وكيف نطور أدويةً جديدة، وما الذي يجب أن تستهدفه هذه الأدوية.

يضيف "كويك": تشير نتائج الدراسة إلى أهمية البحث الجماعي الذي نتج عنه تنسيق هذا الجهد بشكل دقيق وشامل، مما أدى إلى التغلُّب على عدة تحديات كانت تمثل عائقًا في هذا النوع من الأبحاث، واجهنا عدة تحديات تضمنت كيفية توصيف كل أنسجة الجسم البشري، وأردنا الحصول على عدة أعضاء من المتبرع نفسه؛ حتى نتخلص من الاختلافات الجينية بين الأفراد، وتأثير العمر، والظروف البيئية، وتطلَّب ذلك تعاونًا من فريق عمل ضخم.

من جهته، يشير أحمد صالحي -أستاذ الصحة النفسية وعلوم السكان المساعد بجامعة ستانفورد، ومدير الأبحاث في منظمةDonor Network West التي مولت الدراسة- إلى أن "العثور على متبرع مناسب وافق أهله على تبرعه بالأعضاء للزراعة أو للأغراض البحثية يكون أمرًا رائعًا"، مضيفًا: لكننا نحتاج إلى التحرك بسرعة شديدة، خلال جلسة واحدة تمتد لساعات؛ إذ يعمل عشرات الجراحين والعلماء طوال الليل على فحص أعضاء المتبرع وتحديد ما يصلح منها للنقل وما لا يصلح.

يقول "صالحي": ما يقرب من 70% إلى 80% من العائلات توافق على التبرع بالأعضاء والأنسجة من أجل تحليلها وإضافتها إلى الأطلس إذا لم تكن ملائمةً لنقل الأعضاء، وقد يكون العضو سليمًا ولكنه غير ملائم لنقل الأعضاء لأسباب عدة، مثل عدم توافر متلقٍّ للأعضاء في وقت مناسب، أو عدم ملاءمة عمر المتبرع والمتلقي، أو عدم توافق العضو مع جسم المتلقي.

وتوضح الدراسة أنه "في إحدى الحالات تمكن الفريق من توفير 17 نسيجًا وعضوًا من متبرع بشري واحد، وذلك بعد بدء العمل في غضون ساعة واحدة من سحب أجهزة دعم الحياة عن المتبرع، ووفر هذا النهج السريع الفرصة لدراسة الاختلافات في أنواع الخلايا المختلفة بدقة عالية، وهي سليمة، دون تدهور جودة البيانات الذي يمكن أن يحدث عند استخدام الأنسجة المجمدة".

يقول "كويك": تعتبر النسخة الحالية مسودةً غير نهائية من الأطلس ولكنها تضم كميةً ضخمةً من البيانات التي هي بحاجة إلى تحليل، ولدينا الكثير لنفعله بهذه البيانات كي نستخرج الأسرار المخبأة فيها، والنتائج التي توصلنا إليها ما هي إلا خدش سطحي لما سنتعلمه من هذه البيانات، ويخطط الفريق البحثي للاستمرار في جمع الأنسجة والأعضاء من متبرعين آخرين لتوفير المزيد من البيانات، ويمكن للباحثين استخدام البيانات التي يوفرها هذا المشروع الذي يُعد أول مشروع مرجعي لأطلس الخلايا البشرية لحوالي 500 ألف خلية من 24 عضوًا من 15 شخصًا عاديًّا.

حلل الباحثون مجموعة البيانات الضخمة التي وفرها أطلس "تابولا سابينس" من خلال أداة مفتوحة المصدر طورتها مجموعة تكنولوجيا العلوم في مبادرة "تشان زوكربيرج"، تتيح للعلماء تحليل البيانات بطريقة مرئية وتفاعلية سهلة وسريعة، كما أن الأداة المدمجة في بوابة "تابولا سابينس" تساعد العلماء بالفعل في الإجابة عن مجموعة متنوعة من الأسئلة، مثل أي أنواع الخلايا هو الأكثر تعرضًا للطفرات الجينية الضارة، وكيف تختلف الخلايا المناعية الموجودة في الأعضاء المختلفة، وتحديد الأنسجة المعرضة للهجوم من قِبل الفيروس المسبب لمرض كوفيد-19.

يقول "صالحي": استخدم الباحثون النماذج الحيوانية في البحث العلمي لسنين طويلة، ونعتقد أن النماذج الحيوانية تُعَدُّ أدواتٍ بحثيةً مذهلة تساعد العلماء على دراسة الأمراض المختلفة، ولكنها لا يمكنها تمثيل ما يحدث في جسم الإنسان بدقة، مما يؤكد أهمية الأطلس الجديد، وما يمكن تعلُّمه من خلايا بشرية عالية الجودة يفوق كل ما تعلمناه من النماذج الحيوانية.

*هذه الدراسة واحدة من أربع دراسات تعاونية نشرتها دورية "ساينس"، وشكلت معًا أطلسَ شاملًا ومتاحًا كجزء من اتحاد أطلس الخلايا البشرية (HCA)، الذي يتم دعمه من قِبل مجموعة واسعة من الممولين العالميين، بما في ذلك مبادرة تشان زوكربيرج.