قبل قرابة مئة مليون عام، كانت منطقة شمال أفريقيا غابةً مترامية الأطراف، تمتد من مصر إلى المغرب، تتخللها الأنهار وتعيش على أرضها وحوش عالم الحيوان كالديناصورات الفتاكة، كما تحلق في سماواتها زواحف طائرة شديدة الخطورة يصل طول جناحي بعض أنواعها إلى ستة أمتار. في هذه الأجواء، عاش الديناصور الشهير سبينوصورس، أو كما يُعرف أيضًا بالديناصور المصري ذي الأشواك (Spinosaurus aegyptiacus) الذي يُعد أكثر الديناصورات ضخامةً وغرابة. غرابة سبينوصورس تأتي من تفرُّده بمجموعة من الخصائص والصفات، كفمه الذي يتترس بأسنان مخروطية طويلة شديدة الحدة، تجعله يشبه فم التمساح، وزعنفته التي تحمل أشواكًا عصبية طويلة، تشبه شراع السفينة، وتغطي فقراته الظهرية. كما يعتبر سبينوصورس واحدًا من أكبر الديناصورات التي وطئت الأرض وأشرسها، إذ يصل طوله إلى قرابة 16 مترًا، ويبلغ وزنه حوالي 7 أطنان، ويزداد الأمر غرابةً مع ما أفادت به نتائج كشف علمي جديد أُعلِن عنه مؤخرًا.

إعادة اكتشاف سبينوصورس

اكتُشف سبينوصورس لأول مرة عام 1912 بواسطة العالم الألماني آرنست سترومر، الذي اتجه إلى مصر بهدف البحث عن ثدييات العصر الطباشيري. أخذ سترومر ناقته وذهب إلى منطقة الواحات البحرية في صحراء مصر الغربية، وبمساعدة صائد الحفريات الماهر، ريتشارد ماركجراف، تمكَّن "سترومر" من العثور على هياكل ضخمة لأربعة ديناصورات، كان أولها الوحش الكاسر سبينوصورس، إذ نشر عنه بحثًا عام 1915.

عرض "سترومر" سبينوصورس في متحف ميونيخ للتاريخ الطبيعي، والذي ما لبث أن دُمّر مع المتحف عام 1944، إثر قصف جوّي خلال الحرب العالمية الثانية. ولم يبق للديناصورات التي اكتشفها "سترومر" وجودٌ سوى في الأبحاث والمراجع العلمية. ظل هدف العثور على حفريات جديدة للديناصورات المفقودة وجهة علماء الحفريات حول العالم، فلا يوجد هدف أوضح من العثور على حفريات لكائنات جرى التثبت علميًّا من وجودها ومن أنها عاشت على الأرض يومًا ما ودمرتها براثن الحروب.

فى صحراء المغرب، وتحديدًا في منطقة كِمكِم، واحدة من أشد المناطق جفافًا هناك، وعلى صخور شديدة الانحدار، تسود الحمرة سحنتها، في بيئة تشير الأدلة العلمية إلى أنها كانت مجرى لنهر كبير منذ حوالي 100 مليون عام، واصل نزار إبراهيم، عالِم الحفريات بجامعة ديترويت مرسي الأمريكية، وفريقه البحثي عامًا تلو الآخر رحلاته الاستكشافية إلى ذلك المكان في تؤدة ومثابرة دون ملل.

credit: Nizar Ibrahim

يقول سمير زهري، الأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالمغرب والباحث المشارك في البحث: "استمرت رحلاتنا الاستكشافية الخاصة بهذه الدراسة المنشورة في الدورية العلمية الشهيرة نيتشر، منذ عام 2015 وحتى عام 2019 ، بمتوسط أربعة أسابيع في السنة". استطاع الفريق البحثي أن يستخرج ذيلًا شبه كامل لديناصور سبينوصورس، يصل طوله قرابة خمسة الأمتار، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، يقول "زهري" معقبًا: "ثمة أطنان من الصخور تغطي العينات، ويجب علينا إزالتها أولًا".

 ومن جانبه، يضيف نزار إبراهيم: "كانت العينات ممتدةً داخل التبة، لذا تطلَّب الأمر استخدام شاكوش كهربائي متحرك jackhammer"، موضحًا أن الفريق عثر على عينات فريدة لذيل ديناصور لا يشبه أي ديناصور مُكتشَف من قبل على الإطلاق، ذيل يشبه الزعنفة، ففقرات ذيل سبينوصورس لها أشواك عصبية وشيفرونات (وهي زوائد عظمية تأخذ شكل حرف V في الاتجاه البطني للفقرات) فائقة الطول مقارنةً بأي فقرة ذيلية لديناصور آخر.

وصل طول الشوكة العصبية للذيل المُكتشف إلى أكثر من 50 سم، يصف "إبراهيم" شعوره لحظة وقوع الاكتشاف قائلًا: "إن ما وجدناه شيء فريد ومميز حقًّا، كنت كلما تكشّفت لنا فقرة تلو أخرى، زادت معها كميات الأدرينالين المتدفقة في جسمي". ويستكمل معبرًا عن شعوره: "لقد كان مزيجًا من المشاعر الإيجابية مخلوطةً بالإثارة الهائلة والحماس المُفعم والارتياح الشديد، فعلى عكس توقعات البعض، تمكّنَّا من العثور على دليل حاسم وفريد يعزز من فرضيتنا بإمكانية قدرة سبينوصورس على السباحة". وعلى حد تعبيره، فإن "قطعًا حفرية نادرة كتلك يتجاوز كنهها مجرد اكتشاف علميّ جديد، إذ إنها تعيد كتابة علم الحفريات وعلوم الأحياء".

ولاختبار قدرة الذيل على السباحة، قام فريق من جامعة هارفارد بعمل نماذج من البلاستيك لذيل سبينوصورس المكتشف وذيول أخرى للمقارنة، ذيلين لديناصورين يعيشان حياةً كاملة على اليابس وذيل لتمساح وآخر للسلمندر كأمثلة لكائنات ذات طبيعة مائية، مع تثبيت هذه النماذج بجهاز آلي لقياس قدرة الذيل على دفع الجسم تحت الماء. وكشف النتائج عن أن شكل ذيل سبينوصور ينتج قوة دفع وكفاءة أكبر في الماء من أشكال الذيل للديناصورات الأرضية، وأن قوة الدفع هذه تساعد في دفع الجسم تحت الماء، وهذا ما يثبت علميًّا فرضية نزار إبراهيم وفريقه البحثي فيما يتعلق بنمط الحياة المائية لسبينوصورس.

سبينوصورس بين السباحة والطفو

 وضع نزار إبراهيم أول تصور للطبيعة المائية لسبينوصورس عام 2014 بعد دراسته لعينات مجمعة من عدة متاحف وأخرى ابتاعها من تجار الحفريات -فعلى الرغم من أن تجارة الحفريات غير قانونية إلا أنها موجودة في بعض الدول، ولأغراض بحثية يشتري العلماء الحفريات ثم يهبونها للمتاحف والجامعات- بالإضافة إلى عينات غير مكتملة من رحلته الاستكشافية لدولة المغرب عام 2008. استند "إبراهيم" في فرضيته على: قِصَر الأرجل الخلفية التي لا تؤهله للجر] بسرعات كبيرة لملاحقة فريسته على اليابس، وكثافة العظام العالية التي تعمل كثقل تحت الماء تساعده على الغطس والاتزان، إضافةً إلى طبيعة الأسنان وقدرتها على أكل الأسماك، ووجود حساسات على فكه تساعده على تتبُّع اختلافات الضغط داخل الماء والتنبؤ بقدوم الفرائس.

credit: Drawings: Marco Auditore. Photos: Gabriele Bindellini

يُعَد هذا التصور بمنزلة كسر لتابو الحياة البرية للديناصورات، فقد قوبل بردود أفعال مختلفة لدى المجتمع العلمي؛ إذ نشر دونالد هندرسون -عالِم الحفريات بمتحف Royal Tyrrell الكندي- دراسة عام 2018 تنفي عن سبينوصورس قدرته على السباحة وتفيد بقدرته على الطفو فقط بواسطة شراعه، والذي يَحُول بدوره دون غطسه تحت الماء وصعوبة قدرته على حفظ اتزانه أيضًا.

من جانبه، يقول هشام سلام -عالِم الحفريات بالجامعة الأمريكية في مصر، ومؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية والباحث غير المشارك في البحث- في تعليقه على هذه النقطة: "في إحدى المرات دار نقاش بيني وبين نزار إبراهيم عن الدراسة التي أُجريت لتدحض نظريته، وكان رده عليّ حينها، في هدوء معهود عنه وابتسامة واثقة، أنه يمتلك أدلة على طريقة سباحة سبينوصورس، وقريبًا سيُحسم الأمر".

ويضيف "سلام": "كنت وقتها في غاية الإثارة لسماع ذلك، متشوقًا لمعرفة ما في جعبته، وقد صدق القول والفعل أيضًا، فقُبيل نشر بحثه الأخير أرسل إليَّ رسالة خاصة بأن بحثه عن طريقة سباحة سبينوصورس في طريقه للنشر خلال أيام".

الذيل ونقطة الحسم

وفي هذا الإطار، يثير دكتور توماس هولتز -عالِم الحفريات بجامعة ميرلاند والباحث غير المشارك في البحث- هذه النقطة قائلاً: "يتميز سبينوصورس بوجود شراع ظهري طويل، ناتج عن استطالة الأشواك العصبية للفقرات الظهرية، فقد تكون استطالة تلك الأشواك في منطقة الذيل بمنزلة امتداد طبيعي للشراع الظهري، بغض النظر عن استخدامه في السباحة، مثل بعض الحيوانات الحديثة التي تتميز ذكرانها بهذا النمط في الشكل".

ويضيف "هولتز": على سبيل المثال بعض السحالي الحديثة مثل الباسيلسك (Basiliscus plumifrons) لديها ذيول تشبه الزعنفة أيضًا ولا تستخدمها في السباحة، بل هي خاصية مميزة لذكور هذا الجنس، لكن مع افتقارنا إلى العينات المستخرجة لديناصور سبينوصورس لا نستطيع أن نجزم إن كانت هذه الاستطالة خاصةً بالذكور فقط دون الإناث". ويعود ويستطرد: "ثمة دلائل مقدمة ذات ثِقل حقيقيّ لا نستطيع أن نتجاهلها، فاحتمالية قدرة هذا الذيل على الدفع تحت الماء، مساهمًا في فاعلية وقدرة أكبر على السباحة هي الاحتمال الأرجح بالتأكيد إلى الآن".

credit: Nizar Ibrahim

وحش الأنهار.. فهل من منافس؟

وحول ما إذا كان هناك كائنات أخرى منافسة عاشت خلال الحقبة ذاتها ولديها القدرة نفسها على السباحة بخلاف سبينوصورس، يجيب نزار إبراهيم: "كانت هناك تماسيح عملاقة تعيش أيضًا في هذه الفترة، مثل تمساح Elosuchus الذي وصل حجمه إلى أكثر من عشرة أمتار، فوجود منافسين كتماسيح بهذا الحجم الهائل ربما كان سببًا في تطور حجم سبينوصورس ووصوله إلى هذا الحجم المهيب الضخم".

اكتشافات كتلك لا تُنهي جدلًا كان موجودًا، بل تفتح أبوابًا لتساؤلات أخرى ومجالًا لأبحاث متتابعة، يقول "سلام": "ما أراه وأستمتع به من تلك القصة العلمية هي جهد ومثابرة أخذت سنوات من العمل والجهد لفريق علمي من عدة دول، أثمر في نهايته عن اكتشاف مذهل، ألهمني أنا وفريقي للذهاب إلى موطن سبينوصورس الأصلي هنا في مصر، والبحث والتنقيب عن بقاياه في الواحات البحرية، التي سوف تثري المجتمع العلمي بكثير عن خبايا هذا الكائن العملاق".

 أما نزار إيراهيم، فيضيف بقوله: "هذا ليس كل شيء، ما زالت هناك عينات تحت الدراسة لا تقل أهميةً عن شيء مما نُشر، متابعًا: يبدو أننا في انتظار ماراثون علميّ خاص بديناصورات شمال أفريقيا. كل هذا يثري المنطقة، فلربما شهدنا يومًا ما متحفًا للتراث الطبيعي في الشرق الأوسط، يضم كنوز المنطقة من حفريات لكائنات الماضي السحيق".

وأخيرًا، فإن اكتشاف حفرية الذيل الجديدة يعزز من فرضية قدرة سبينوصورس على السباحة، لكنه لا يحسم الأمر بنسبة 100%، فالأمر يتطلب مزيدًا من العينات المكتشَفة له، خاصةً من موطنه الأصلي، الواحات البحرية في مصر، للتأكد من انتساب سبينوصورس المغرب إلى نوع إيجيبتاكس المصري، والتحقق بالمزيد من الأدلة من طبيعة حركة هذا الديناصور الغامض وحياته.