في عام 1955، عرفت الأسواق الأمريكية عقار "الباراسيتامول" كمعالج للحمى ومسكن لآلام الأطفال، تحت الاسم التجاري "إكسير تايلينول للأطفال"، وفي العالم التالي طرحته أسواق بريطانيا وحمل اسم "بانادول".

ومنذ ذلك التاريخ اكتسب هذا العقار شعبيةً واسعةً حول العالم كمسكن منخفض الأعراض الجانبية. و"الباراسيتامول" (Paracetamol) يُطلَق على مجموعة من الأدوية المسكنة للآلام وغير المخدّرة، وهو متاح غالبًا في الصيدليات دون وصفة طبّية، لعلاج السعال ونزلات البرد والحمى، ومن مميزاته أنه لا يسبب مشكلات أو نزيفًا في المعدة، لذا يلائم الأشخاص الذين يعانون من تقرحات هضميّة أو الأشخاص الذين لا يلائمهم استخدام الأسبرين.

لكن منذ عام 2000 ظهرت بعض الأبحاث التي ربطت بين تناوُل هذا العقار وخطر الإصابة بالربو، كان آخرها دراسة أسترالية، كشفت أن الأطفال الذين يتناولون أدوية "الباراسيتامول" خلال أول عامين من حياتهم، قد يكونون أكثر عرضةً للإصابة بالربو وانخفاض وظائف الرئة في سن الثامنة عشرة، خاصة مَن كان لديهم تركيبة جينية معينة particular genetic makeup.

الدراسة أجراها باحثون بوحدة الحساسية وصحة الرئة بمدرسة ملبورن للسكان والصحة العالمية بجامعة ملبورن الأسترالية، وعرضوا نتائجها أمام الاجتماع السنوي للجمعية الأوروبية للجهاز التنفسي، الذي عُقد في العاصمة الفرنسية (باريس)، في الفترة 15-19 سبتمبر 2018.

أوضح الباحثون في دراستهم، أن العلاقة بين تناول "الباراسيتامول" والربو تبدو أقوى لدى أولئك الذين لديهم متغيرات جينية في إنزيم "جلوتاثيون إس-ترانسفيراز"، الذي يُعرف اختصارًا بـ(GST1)، وهو إنزيم مسؤول عن إنتائج مادة "الجلوتاثيون".

وتحمي مادة "الجلوتاثيون" الرئة من العناصر الملوِّثة الضارة والمركبات التي تُدعى بالحرة، الناتجة من عملية الأكسدة في الجسم. أما المركبات الحرة فهي جزيئات مشحونة بمواد ضارة للأنسجة البشرية، وتوجد بكميات عالية في رئات مرضى الربو.

وللوصول إلى نتائج الدراسة، راقب الفريق 620 طفلًا منذ الولادة حتى وصلوا لسن 18 عامًا، وتقرر مشاركة هؤلاء الأطفال في الدراسة قبل ولادتهم لأنهم كانوا يعتبرون عرضةً لخطر كبير للإصابة بمرض مرتبط بالحساسية؛ لأنه كان لديهم فرد واحد على الأقل من العائلة (الأم، الأب أو الأخ أو الأخت) مصاب بأحد أمراض الحساسية مثل الربو، والإكزيما، وحمى القش، وحساسية الطعام الشديدة.

وعقب ولادة الأطفال، أجرى الفريق متابعةً لهم كل 4 أسابيع خلال الشهور الـ15 الأولى من عمرهم، ثم في عمر 18 شهرًا وعامين، لحساب مقدار ما تناولوه من "الباراسيتامول".

وعندما وصلوا لسن 18 عامًا، أجروا لهم اختبارات دم ولعاب؛ لرصد المتغيرات الجينية لجينات الـ(GST1)، وتقييم إصابتهم بالربو، عبر إجراء اختبار قياس التنفس، وهو اختبار شائع يتم إجراؤه لمعرفة مدى عمل الرئتين بشكل جيد.

وجد الباحثون أن الأطفال الذين لديهم تاريخ جيني للإصابة بالربو، كإصابة أحد الوالدين بالمرض، كانوا أكثر عرضةً للإصابة إذا تناولوا "الباراسيتامول" خلال أول عامين من الولادة.

أنماط جينية

من جانبها، قالت "شين ديزي"، الباحثة المشاركة بالدراسة، والتي عرضت نتائجها أمام المؤتمر: "إن دراستنا أثبتت وجود علاقة بين "الباراسيتامول" والربو، وليس أن "الباراسيتامول" يسبب الربو؛ فنحن في حاجة إلى مزيد من البحث لفهم هذه العلاقة بشكل كامل".

وفي حديث لـ"للعلم"، أضافت أن "الجلوتاثيون" هي مادة مضادة للأكسدة توجد بكميات كبيرة في بطانة المجرى الهوائي والأنف، وتخلِّص الجسم والرئتين من آثار التعرُّض للسموم، وهذه الآلية تساعد على منع تلف الخلايا وتحد من الالتهاب، "ودراستنا تشير إلى احتمالية أن الأطفال الذين لديهم أنماط جينية تؤثر على طريقة عمل هذه المادة قد يكونون أكثر عرضةً لانخفاض وظائف الرئتين من جَرَّاء تناول الباراسيتامول".

وعن إمكانية تطبيق نتائج الدراسة في أرض الواقع، قالت "ديزي": إن "نتائج البحث تحتاج إلى تأكيد من دراسات أخرى قبل ترجمة نتائجها في الممارسات الطبية اليومية، ففي الوقت الحاضر، لا يوجد دليل كافٍ على أن لما توصلنا إليه تأثيرًا حقيقيًّا؛ لأنه في بعض الأحيان يمكن أن تحدث النتائج من طريق الصدفة".

وأضافت: "قبل أن تُعتمد نتائجنا وتطبق على أرض الواقع، ويغير الأطباء وصفاتهم العلاجية، يجب تأكيد صحة ما توصلنا إليه في أبحاث أخرى وعلى مجموعة واسعة من الأشخاص، وعلاوة على ذلك، وحتى لو كان هذا التأثير حقيقيًّا، يجب بذل المزيد من الجهد لتحديد مقدار "الباراسيتامول" الذي قد يضع الأطفال في خطر، وكذلك نسبة هذا الخطر".

ونوهت "ديزي" بأنه في هذه المرحلة، ليس هناك أي ميزة للآباء تدفعهم لمعرفة ما إذا كان أبناؤهم يحملون الخلل الجيني المرتبط بالربو، لكنها تنصحهم باستخدام "الباراسيتامول" فقط عند الضرورة القصوى، أي عند الإصابة بالحمى كما ينصح الممارسون الطبيون.

أما عن خطوات الفريق المستقبلية، فقد قالت: إن أعضاء الفريق يواصلون دراساتهم بدعم وتمويل مؤسسات بحثية حكومية في أستراليا، في اكتشاف العوامل التي قد تسبب أو تؤدي إلى استمرار الحساسية، والربو، وانخفاض وظائف الرئة على مجموعة من المتطوعين، وتأثير استخدام "الباراسيتامول" على الأطفال عندما يصلون إلى سن 25 عامًا، مضيفةً أنها تأمل أن يتوصل الفريق إلى نتائج أكثر دقةً في هذا الشأن.

في المقابل، أشارت إلى أن "هناك أدلة متزايدة على أن حدوث طفرات في جينات الـ(GST1)، بما في ذلك ثلاث فئات رئيسية هي (GSTM1-GSTT1 -GSTP1) ترتبط بخطر الإصابة بأمراض مختلفة، منها السرطان وتصلب الشرايين والحساسية وألزهايمر وباركنسون أو الشلل الرعاش، وتضيف دراستنا إلى تلك القائمة مرض الربو".

ومنذ عام 2000، ربطت العديد من الدراسات التي أجريت في عدة جامعات حول العالم بين الاستخدام المتكرر لـ"الباراسيتامول" وإصابة البالغين بالربو، ومنها دراسة أجراها باحثون في جامعة أوتاجو النيوزيلاندية، ربطت بين تناول الباراسيتامول في الصغر، وزيادة احتمالية تطور الحساسية والربو في وقت لاحق من الحياة. فيما ربطت دراسة نرويجية أخرى بين تناول المرأة الحامل أو إعطائها طفلها الصغير الباراسيتامول وإصابته بالربو عند بلوغه الثالثة من العمر. وكشفت دراسة تركية أيضًا عن علاقة بين هذه العقاقير والربو.

بدائل محدودة

"منى رخا"، استشاري طب الأطفال، والرئيس السابق للإدارة المركزية للرعاية الصحية المتكاملة بوزارة الصحة المصرية، ترى أن الملحوظة التي رصدتها الدراسة بحدوث حساسية الصدر لدى بعض المراهقين، نتيجة إعطائهم "الباراسيتامول" في فترة الطفولة المبكرة، لا تعني أن هذا الدواء يسبب حساسية الصدر والربو.

وأضافت في تصريحات لـ"للعلم"، أن منظمة الصحة العالمية توصي باستخدام "الباراسيتامول" كخافض للحرارة ومسكن لآلام الأطفال دون سن الخامسة، وفقًا للقواعد القياسية لعلاج الأطفال؛ إذ إنه العقار الأكثر أمانًا لهذه الفئة العمرية، مع مراعاة الالتزام بالجرعات الصحيحة.

وعن مأمونية المسكنات الأخرى للأطفال، أوضحت أن المنظمة توصي أيضًا بعدم استخدام الأدوية الأخرى من مخفضات الحرارة ومسكنات الألم كبدائل لـ"الباراسيتامول" للأطفال دون سن الخامسة مثل عقاقير "الساليسيلات" التي تُعرف تجاريًّا باسم "الأسبرين" ومثيلاتها من مضادات الالتهاب اللاستيرويدية (NSAIDs) ومنها الأسبرين، والإيبوبروفين والنابروكسين، وذلك لاحتمال حدوث مضاعفات قد تكون خطيرة جدًّا عند الجرعات العالية، منها قرحة المعدة والنزف المعدي وعسر الهضم.

واتفق معها "هشام عبد الله قاسم" -استشاري الأمراض الصدرية والحساسية- مؤكدًا أن "الباراسيتامول" من أكثر الأدوية شيوعًا واستخدامًا لخفض الحرارة وتسكين الآلام وحمى الأطفال؛ إذ يصعب على الأطباء الاستغناء عنها.

وأضاف في حديث لـ"للعلم"، أن هذه الدراسة تحتاج إلى مزيد من البحث والتقصي قبل تطبيق نتائجها؛ لأن بدائلها بالنسبة للأطفال قد تكون خطيرة، كما أن عقاقير مثل المضادات الحيوية تقتل البكتيريا، لكنها لا تخفض الحرارة ولا تقاوم الحمى كما تفعل أدوية الباراسيتامول.

وأوضح أن الدراسات المستقبلية يجب أن تركز على المنافع والأضرار التي تتعلق باستخدام "الباراسيتامول" للأطفال، لتحديد الرأي الطبي الأرجح حول استخدامها من عدمه؛ إذ لا يزال "الباراسيتامول" علاجًا آمنًا وفعالًا للألم والحمى إذا تم منحه وفقًا لتوجيهات الشركات المصنعة، وفي هذه المرحلة نعتقد أن فوائد استخدامه تفوق بكثير المخاطر المحتملة، وربما يكون الربو ناتجًا عن عوامل أخرى لا تتتعلق بهذه الأدوية، مثل العوامل الوراثية وتأثر الأطفال بعوامل تلوث الهواء.