في روائعه التراجيدية، يؤكد الكاتب البريطاني الشهير "ويليام شكسبير" أنه في رحلة ما بعد الموت "سيكون المأوى كله لنا"، في إشارة إلى أن الموت ما هو إلا بداية لرحلة حياة جديدة، ربما كانت أروع وأجمل من الحياة ذاتها.

ويبدو أن عبارات "شكسبير" الإيجابية عن الموت ارتد صداها إلى أروقة المعامل البحثية؛ إذ شددت دراسة أجراها باحثون من عدة جامعات ومراكز بحثية أسترالية على ضرورة انتقاء الشخص لكلمات أكثر "إيجابيةً" و"لطفًا" عند الحديث عن الموت، سواء كان يتحدث مع مقربين منه أو إلى غرباء عنه أو حتى إلى أشخاص يعانون من أمراض عضال تجعلهم إلى الموت أقرب منهم إلى الحياة.

وتشير الدراسة التي نشرتها دورية "بلوس وان" (PLOS ONE) إلى أن "البشر اعتادوا التعبير عن مشاعرهم تجاه الموت باستخدام تعبيرات وكلمات حزينة، قد تكون سلبيةً في كثير من الأحيان".

تركزت الدراسة على تدريس طرق جديدة، أكثر إيجابية، عند التعامل مع هذه المحادثات الصعبة، من قِبل متخصصين في مجال "الرعاية التلطيفية" في مختلِف أنحاء أستراليا، بقيادة "مركز أبحاث فلندرز للرعاية التلطيفية"، ومراكز دعم ورعاية حالات الموت والاحتضار.

والرعاية التلطيفية هي نوع من الخدمات الطبية، بدأ ينتشر في كثير من المرافق الصحية، بهدف تخفيف آلام المرضى المصابين بمرض عضال لا أمل في شفائه، وتحسين جودة ما تبقَّى من حياتهم.

استطلع الباحثون آراء 1491 شخصًا حول كيفية استخدام اللغة للتعبير عن مشاعرهم وآرائهم فيما يتعلق بالموت والاحتضار، وتم تسجيل الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع في برنامج تدريبي واسع النطاق عبر الإنترنت، مدته 6 أسابيع، تم تطويره من قِبَل جامعة فلندرز، باسم (Dying2Learn)؛ لتشجيع المشاركين على الانخراط في محادثات مفتوحة حول الموت والاحتضار.

وأظهر تحليل المحتوى العاطفي للكلمات التي استخدمها المشاركون أنه "بحلول نهاية البرنامج التدريبي، أصبحوا أكثر قدرةً على انتقاء واستخدام كلمات أكثر لطفًا وهدوءًا، عند التعبير عن مشاعرهم إزاء الموت، كما باتوا أكثر قدرةً على التحكم في تلك المشاعر".

تقول جنيفر تيمان -مديرة مركز أبحاث الرعاية التلطيفية بجامعة فلندرز، والمحقق الرئيسي بمشروع (Dying2Learn)- في تصريحات لـ"للعلم": اللغة التي نستخدمها جزء مهم من طريقة تعبيرنا عن مشاعرنا المختلفة، كما أنها تعزز قدرتنا على الحديث عن الموت والاحتضار، وأهمية الكلمات لا تكمن في مشاركة المحتوى فحسب، بل أيضًا في التعبير عن مداركنا ومشاعرنا العاطفية.

تضيف "تيمان": أظهرت دراستنا أنه في نهاية البرنامج التدريبي، أصبح بإمكان المشاركين اختيار كلمات أكثر إيجابيةً وهدوءًا من كلماتهم التي كانوا يستخدمونها في البداية؛ إذ تراجع معدل استخدام الكلمات السلبية، مثل "حزين"، في حين ارتفع معدل استخدام كلمات تعبر عن شعورهم بالارتياح.

وتتابع: انضمام المشاركين إلى البرنامج، وانخراطهم في محادثات مع آخرين حول الموت والاحتضار، والخضوع للرعاية التلطيفية، ربما ساعدهم في أن يصبحوا أكثر قبولًا عاطفيًّا عند التعبير عن مشاعرهم وموقفهم تجاه الموت.

من جهتها، توضح لورين ميللر لويس -الباحث المشارك بجامعة فلندرز، وأستاذ علم النفس الإيجابي بجامعة كوينزلاند- أنه "في حالات الشيخوخة، عندما يتلقى أهلنا من كبار السن والمرضى الذين لا يُرجى شفاؤهم، الرعاية من قِبَل متخصصين صحيين في الرعاية السكنية بدلًا من المنزل، فإن الحياة تمضي، دون مناقشة أو مشاهدة نهايتها، والتعامل مع هذه الرؤى وتغييرها يساعد المجتمع على التخطيط وإدارة الاحتياجات والتوقعات المستقبلية للرعاية في خريف العمر، بالإضافة إلى تحسين رعاية المريض والأسرة، بما في ذلك الاستعداد للموت، فضلًا عن المساعدة في تطوير الخدمات الصحية المستقبلية".

تضيف "لويس" في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة أن "الكلمات ليست محايدة، ولذلك فإن فهم الدلالات العاطفية المرتبطة بالكلمات التي نستخدمها، يمكن أن يساعد في توجيه محادثات الرعاية التلطيفية".

ويُعد البرنامج التدريبي المبتكر عبر الإنترنت (Dying2Learn) جزءًا من مشروع (CareSearch)، الذي يجري تنفيذه بتمويل من الحكومة الأسترالية، وتم عقد أربع دورات لهذا البرنامج، اعتبارًا من عام 2016 وحتى العام الماضي 2020.

وكشفت "تيمان" -في تصريحاتها لـ"للعلم"- عن توفير مواد تفاعلية عبر الموقع الإلكتروني للمشروع، بدايةً من منتصف العام الجاري، تتضمن تعليقات ومقترحات لمساعدة عامة الناس في استكشاف الآراء المختلفة، والمشاركة في محادثات حول الموت والاحتضار، مع عائلاتهم وجيرانهم أو زملائهم في العمل، وفق وصفها.