كشفت دراسة علمية حديثة عن إمكانية استهداف خلايا سرطان الثدي باستخدام جزيئات الفضة. أظهرت نتائج الدراسة نجاح جزيئات الفضة النانوية في قتل الخلايا السرطانية، وقدرتها على التخلص من البكتيريا المُمْرِضة بكفاءة.

جاء البحث المنشور في دورية ساينتفيك ريبورتس العلمية، سبتمبر الماضي، بالشراكة بين كلية العلوم بجامعة المنصورة وقسم تطوير صناعات التكنولوجيا الحيوية التابع لمدينة الأبحاث العلمية والتطبيقات التكنولوجية ببرج العرب في الإسكندرية.

وفيما يتعلق بمدى فاعلية التقنية الجديدة، أثبتت نتائج الدراسة نجاح جزيئات الفضة النانوية في قتل الخلايا السرطانية المتمثلة بخط خلايا سرطان الثدي (MCF-7 cells) وهي أحد أنواع خلايا سرطان الثدي المعروفة عالميًّا، وكذلك ورم إيرليش الاستسقائي (Ehrlich ascites carcinoma).

وكانت الدراسة قد عملت على اختبار تأثيرات السُّمِّيَّة لجزيئات الفضة على نمو الخلايا الطبيعية فى مجموعة من الفئران الحاملة لورم إيرليش الاستسقائي ، كما اشتملت على قياس التغيرات التي تحدث في فئران التجارب، كوزن الفأر، ومقدار اختزال حجم الورم به، وعدد الخلايا السرطانية، وعدد خلايا الدم الحمراء والبيضاء ومحتوى الهيموجلوبين. وأظهرت التجارب المعملية فاعلية عالية لجزيئات الفضة النانوية في تثبيط نمو الورم، وقدرتها على مقاومة تكسير كريات الدم الحمراء بنسبة 92,2%.

ويتصدر لبنان قائمة الإصابة بسرطان الثدي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بمعدل إصابة يصل إلى 78,68 حالة لكل 100 ألف امرأة، يليه الأردن بمعدل 61,03، ثم مصر بمعدل 49,5 إصابة لكل 100 ألف امرأة.

تأثير السمية

أظهرت النتائج أن التأثير السام على خط خلايا سرطان الثدي أقوى من تأثيره على خطوط الخلايا الطبيعية عند استخدام تركيز محدد منها، مقارنةً بأحد مضادات السرطان المعروفة تجاريًّا، والذي يؤثر بقوة على كلٍّ من الخلايا السرطانية والطبيعية.

وكانت الدراسة قد أجرت اختبارات لقياس تأثير جزيئات الفضة النانوية على نمو الخلايا السرطانية في الكائن الحي (in vivo)، وتحديدًا على مجموعة من الفئران الحاملة لورم إيرليش الاستسقائي، مستخدمين جرعات بمقدار (5 مجم/ كيلوجرام من وزن الفأر).

وتكشف نتائج الدراسة أنه باستخدام تلك الجرعة من جزيئات الفضة النانوية ارتفع معدل الهيموجلوبين وعدد خلايا كرات الدم الحمراء أيضًا، ولم يزدد وزن الفأر، أو أعداد كرات الدم البيضاء، مقارنةً بأحد الأدوية المعروفة تجاريًّا؛ إذ أعطت الجرعة المستخدمة من جزيئات الفضة نتائج أفضل من الدواء التجاري المستخدم حاليًّا.

ومن المعروف أنه عند إصابة الفأر بالورم، ينخفض معدل هيموجلوبين الدم، وكذا أعداد خلايا الدم الحمراء، في حين يزداد وزن الفأر نتيجةً لزيادة حجم الورم، وزيادة عدد خلاياه، وأيضًا يزداد عدد كرات الدم البيضاء.

ووفقًا للوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية ومعهد أبحاث السرطان بالمملكة المتحدة، يُعَدُّ سرطان الثدي ثاني أكثر أنواع السرطان انتشارًا على مستوى العالم، وذلك بنسبة 11,9%، ويأتي في المرتبة الأولى بنسبة 13,4% من إجمالي الحالات في الجزء الغربي من قارة آسيا، متضمنًا دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتنطلق حملات عالمية للتوعية بسرطان الثدي، بدعوة من منظمة الصحة العالمية، في شهر أكتوبر من كل عام، وذلك للتأكيد على أهمية إجراء الفحص الذاتي وكذلك الفحص المبكر، ولدعم محاربة المرض في كل مكان. وتتخذ الحملة من اللون الوردي شعارًا لها.

خواص متميزة

نورة الأحمدي -أستاذ التكنولوجيا الحيوية الميكروبية، وأحد أعضاء الفريق البحثي- أوضحت أن البحث اعتمد على استخدام تقنية النانو نظرًا للأهمية العلمية التي تكتسبها الحبيبات المتناهية الصغر "النانو"، وقالت لـ"للعلم": "تختلف الخصائص الفيزيائية والكيميائية والميكانيكية لأي مادة تمامًا وهي في حجم النانو؛ فهي تتمتع بخواص متميزة لا تتوافر في الجزيئات كبيرة الحجم".

ولفتت الأحمدي إلى أن الخصائص الفريدة للجزيئات النانوية أصبح لها أولوية كبرى من اهتمام العلماء والباحثين، وبخاصة فيما يتعلق بتطبيقاتها في المجالات الصناعية، بالإضافة إلى ما لها من استخدامات هائلة؛ إذ تدخل في العديد من المجالات الطبية والصناعية والعسكرية والزراعية وغيرها، مضيفةً أنه تُجرى دراسات لتطوير روبوتات نانويّة يمكن إرسالها داخل جسم الإنسان لتعَرُّف الخلايا المريضة وكذلك معالجة الأمراض المستعصية مثل الأورام الخبيثة. إلا أن تقنية النانو رغم أهميتها العلمية لها مخاطر تتمثل في سُمِّيَّتها وتلويثها للبيئة.

وفي هذا السياق أوضحت الأحمدي كيفية التغلُّب على هذه السلبيات في الدراسة، قائلةً: هناك العديد من الطرق الكيميائية والفيزيائية التي تُستخدم في إنتاج جزيئات الفضة النانوية، وبصفة عامة، تتسم الطرق الفيزيائية بعائد منخفض واستهلاك كثيف للطاقة، وغالبًا ما تنتج الطرق الكيميائية مستويات عالية من النفايات الخطرة؛ بسبب استخدام المذيبات العضوية والمواد المختزلة السامة.

 وأضافت الأحمدي أن جزيئات الفضة متناهية الصغر التى يتم إنتاجها بهذه الطرق تكون باهظة الثمن للغاية، وبالإضافة إلى ذلك فإن الجزيئات النانوية المنتجة تكون غير ثابتة، وتُظهر تجمعًا غير مرغوب فيه.

وتشدد على أنه مع مرور الوقت، قد يصبح حجمها أكثر من ١٠٠ نانو وبالتالي تفقد خواصها، لذلك تُعَدُّ الطرق البيولوجية المستخدمة فى توليف جزيئات الفضة متناهية الصغر البديل الأمثل والأكثر مواءمة مقارنة بالطرق الفيزيائية والكيميائية التقليدية، إذ يتم تحضيره بطريقة آمنة وصديقة للبيئة، فالكائنات الدقيقة أو بعض إفرازاتها ومستخلصات النباتات والطحالب تعمل على اختزال المعدن وتكوين جزيئات نانوية لها خصائص جديدة.

وقالت أستاذ التكنولوجيا الحيوية الميكروبية: "في هذا البحث جرى تحضير جزيئات نانو الفضة AgNPs بطريقة التخليق الحيوي، وذلك باستخدام صبغ الفيكوسيانين (Phycocyanin) المستخلص من أحد الطحالب. هذا الصبغ له قدرة على تكوين غطاء واقٍ حول جزيئات الفضة، ما يزيد قدرتها على الثبات لفترات طويلة، وفق الأحمدي.

ويُستخلص الفيكوسيانين من طحلب من جنس نوستوك، وهو أحد الطحالب الخضراء المزرقة (Cyanobacteria)؛ إذ جرى استخدامه كعامل مختزل لنترات الفضة ( (AgNO3 لتحضير جزيئات الفضة النانوية بكميات كبيرة وبدرجة ثبات عالية؛ لأنها تكون محاطة ببروتينات طبيعية من المادة المختزلة (Phycocyanin). جذبت المكونات السيانوبكتيرية الباحثين في العقود الأخيرة، بوصفها أحد الكواشف البيولوجية منخفضة التكلفة المحتملة للجسيمات النانوية للفضة.

جزيئات الفضة.. لماذا؟

قالت مرفت حسني حسين -أستاذ فسيولوجيا الطحالب المساعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة، وأحد أعضاء الفريق البحثي-: إن جزيئات الفضة النانوية AgNPs جذبت اهتمام العلماء أكثر من غيرها؛ إذ إن الفضة وأيوناتها معروفة منذ القدم بخصائصها المضادة للبكتيريا.

وأشارت حسين إلى أن قدماء المصريين استخدموا الفضة فى طلاء جميع الأوانى المخصصة لحفظ الطعام؛ وذلك لعدم تفاعُل الفضة مع الطعام، كما أن لمركبات الفضة فعلًا قويًّا مضادًّا للبكتيريا، وكانت أيضًا تُستخدم في ضمادات الجروح.

وعن الفارق بين استخدام جزيئات الذهب والفضة النانونية، قالت حسني: "لا فارق بين التقنيات المستخدمة لتحضير وتوصيف جزيئات الفضة والذهب النانوية، ولفتت إلى أن لكل تقنية منهما استخداماتها المختلفة، وأشارت إلى إمكانية إجراء أبحاث مستقبلية عن جزيئات الذهب النانوية في هذا الإطار".

وتحدثت أسماء عطا الله السواح -أخصائي التحاليل الطبية في قسم الباثولوجيا الإكلينيكية في مستشفى المنصورة الجامعي، وأحد أعضاء الفريق البحثي- عن الفائدة المنتظَرة من الدراسة، من حيث تحقيق توفير أو تقديم حلول اقتصادية أرخص من الطرق العلاجية الحالية، وقالت لـ"للعلم": في هذا البحث جرى تحضير جزيئات الفضة النانوية بطريقة التخليق الحيوي، وذلك باستخدام طريقة غير مكلفة، وآمنة وصديقة للبيئة".

وأضافت السواح: "نظرًا لصغر حجم جزيئات الفضة النانوية، فإن فاعليتها فى القضاء على خلايا السرطان تكون بدرجة عالية، وأيضًا قدرتها في القضاء على البكتيريا والفطريات".

المزيد من التحقق

وعن الدراسة، قال قرني عبد الله خليل -أستاذ الكيمياء العضوية التطبيقية المساعد بالمركز القومي للبحوث-: إن البحث تناول استخدام إحدى المواد الطبيعية، واستخدامها كمادة مختزلة لتكوين حبيبات الفضة النانومترية، وقياس فاعلية الحبيبات الناتجة بما تحمله من مواد بوصفها مضادات للعديد من السلالات البكتيرية، بالإضافة إلى اختبارها كمادة مضادة للعديد من الخلايا السرطانية.

وفي تقييمه للبحث أشار خليل إلى أهميته، لافتًا إلى أن التقنيات العلمية المستخدمة فى الدراسة كافية لتأكيد النتائج المذكورة نفسها، مشيرًا إلى أنها هي التقنيات المستخدمة فى مثل هذا النوع من الدراسات.

ومن حيث تطرُّق البحث لجوانب جديدة، أفاد خليل: طريقة تكوين حبيبات الفضة النانومترية وإنتاجها باستخدام مستخلصات طبيعية ومنها السيانوبكتيريا المذكورة في البحث لا تُعَدُّ جديدة، فثَمَّ عدد كبير من الأبحاث المنشورة عليها، كذلك الأمر بالنسبة لتقييم الفاعلية البيولوجية لحبيبات الفضة كمضادات البكتريا؛ فهي معلومة مثبتة علميًّا من قبل، وكذلك الأمر بالنسبة للإشارة إلى الفاعلية البيولوجية لحبيبات الفضة النانونية كمادة مضادة للسرطان.

ولفت إلى أن الحبيبات النانوية المحضرة وفق القياس المذكور في البحث تتراوح بين -10-20 نانومتر، ما يعني اختراقها الخلايا السليمة بالإضافة إلى الخلايا السرطانية.

وأضاف أن تقييم استخدام المواد النانونية لعلاج السرطان على مستوى العالم لا يزال تحت الدراسة، والمذكور في البحث أن للمواد المحضرة فاعلية على الخلايا السرطانية فقط، يتطلب المزيد من البحث؛ لأنه في مرحلة مبكرة، مشيرًا إلى أنه يحتاج إلى التعمق في دراسة سُمِّيَّة المواد وتأثيرها على مختلف الوظائف الفسيولوجية في الجسم، وهي عملية تتكون من 5 مراحل إلى 7، وتستغرق وقتًا من 7 سنوات إلى 10.