من بين الجزيئات المكونة للخلية، لا تحظى الدهون باهتمام كبير مثل الأحماض النووية والبروتينات، ولا يعبر هذا الاهتمام المحدود بالدهون عن تنوعها وأهميتها داخل الخلايا الحية؛ إذ تشمل الدهون مجموعةً كبيرةً من الجزيئات تختلف في تركيبها ووظائفها، وتدخل في تركيب جدر الخلايا الحية، وتعمل أيضًا كجزيئات حاملة للإشارات وكمصدر للطاقة.

وبشكل عام، يرتبط وجود الدهون واضطراب تنظيمها في ذهن العامة بحدوث مشكلات القلب والأوعية الدموية، وعلى رأسها جلطات القلب والمخ، لكن هذه المجموعة من الأمراض ليست الوحيدة التي ترتبط بمشكلات الدهون، فهناك أيضًا العديد من اضطرابات التمثيل الغذائي ومشكلات تخزين الدهون، كما تمثل مشكلات التمثيل الغذائي ذات الصلة بالدهون أحد أبرز التغيرات الأيضية في السرطان؛ إذ يؤدي زيادة تصنيع أو امتصاص الدهون إلى نمو سريع للخلايا السرطانية.

وفي السياق، سعى فريق بحثي من جامعة ميونيخ التقنية الألمانية إلى فهم التغيرات التي تطرأ على الدهون في خلايا سرطان القولون والمستقيم (CRC)، وفق دراسة نشرتها دورية جاستروإنترولوجي Gastroenterology.

سرطان القولون والمستقيم

درس الباحثون الـ"ليبيدوم" (lipidome) الموجود في خلايا سرطان القولون والمستقيم، والذي يعبر عن مجموع الدهون الموجودة في الخلية، ويصف ملف الدهنيات داخل الأنسجة والخلية أو الكائن الحي بصورة كاملة.

وغالبًا ما يتم تسمية السرطان داخل المستقيم (سرطان المستقيم) والسرطان داخل القولون (سرطان القولون) معًا باسم "سرطان القولون والمستقيم".

ويبدأ سرطان المستقيم في المستقيم الذي يوجد في آخر الأمعاء الغليظة بطول عدة سنتيمترات، حيث يبدأ المستقيم في نهاية الجزء الأخير من القولون، وينتهي عند الوصول إلى القناة القصيرة الضيقة المؤدية إلى الشرج، أما سرطان القُولون فهو أحد أنواع السرطان التي تبدأ في الأمعاء الغليظة (القُولون)، والقُولون هو الجزء النهائي من السبيل الهضمي، ويُطلَق على سرطان القُولون في بعض الأحيان مصطلح سرطان قولوني مستقيمي، وهو مصطلح يجمع بين سرطان القُولون وسرطان المستقيم، ويبدأ في المستقيم.

ورغم التشابه الكبير بين سرطان المستقيم وسرطان القولون، فإن علاجهما مختلف تمامًا، ويرجع ذلكَ في الأساس إلى أن المستقيم يقع في موضع ضيق ومفصول بالكاد عن الأعضاء والهياكل الأخرى، ويمكن إجراء جراحة في هذا الموضع الضيق لاستئصال عقدة سرطان المستقيم.

عينة البحث

من أجل التوصل إلى نتائج ذات دلالة أو بصمة خاصة بالمرض، درس الباحثون عينات ثلاث مجموعات من المرضى جُمعت من مركزين لعلاج السرطان وتحليل مكون الليبيدوم الموجود فيها.

في البداية، قارن الباحثون تكوين "الليبيدوم" بين الأنسجة الطبيعية المجاورة للورم وأنسجة الورم في 106 من الحالات، مثلت المجموعة الأولى من المرضى، وأظهرت النتائج وجود اختلافات واضحة في العديد من أنواع الدهون (جليكوليبيد، وجلسيروفوسفوليبيد، وسفينجوليبيدات) بين الأنسجة الطبيعية وأنسجة الورم.

بعدها، تحقق الباحثون من صحة هذه النتائج في المجموعتين الثانية والثالثة (ضمت الثانية 28 حالة، والثالثة 20 حالة)، إذ جرى التأكد من مدى وجود اختلافات في الدهون بين الأنسجة الطبيعية والسرطانية في الحالات التي ضمتها المجموعة الأولى وتلك التي ضمتها المجموعتان الثانية والثالثة.

نماذج حيوانية

حلل الباحثون نتائج "الليبيدوم" وربطوها بحالات المرضى الإكلينيكية والجينات الخاصة بهم للتأكد من النتائج، ودرسوا أيضًا أورام الجهاز الهضمي في الفئران باعتبارها أحد النماذج الحيوانية.

وأوضحت عمليات البحث أن هناك تغيرات محددة في الدهون الثلاثية ترتبط بمعدلات البقاء على الحياة بعد إجراء الجراحة؛ إذ زاد مستوى ستة أنواع من الدهون الثلاثية التي تحتوي على الأحماض الدهنية المتعددة غير المشبعة.

وأظهرت النتائج أيضًا أن هناك زيادةً في التعبير الجيني للإنزيمات الخاصة بتصنيع الدهون في خلايا الأورام، مثل الإنزيم المصنع للأحماض الدهنية (FASN)، ما يعني زيادة في إنتاج هذه الإنزيمات، وأن ارتفاع مستوى هذا الإنزيم ارتبط بقصر مدة البقاء على قيد الحياة وعودة المرض وحدوث انتكاسة بعد العلاج.

واستنتج الباحثون أن تغيرات "الليبيدوم"، وبوجه خاص الدهون الثلاثية، يمكن استخدامها لمتابعة تطور المرض في مرضى هذا النوع من السرطان، بل قد يساعد أيضًا على التوصل إلى أهداف علاجية جديدة في هذه الأورام.

أدوار الدهون

يقول كلاوس بيتر يانسن، أستاذ الجراحة في كلية الطب بجامعة ميونيخ التقنية، والمشرف على الدراسة: تؤدي أنواع الدهون أدوارًا مختلفة داخل الخلية؛ فالدهون الثلاثية تُعد الأبرز في مجال تخزين الطاقة، بينما تُسهم دهون الفوسفوليبيد والكوليسترول في بناء الجدار الخلوي، وتُسهم الدهون أيضًا في إنتاج الطاقة وفي نقل الإشارات بين الخلايا.

يضيف "يانسن" في تصريحات لـ"للعلم": استهدفنا الحصول على صورة دقيقة لتغيرات "الليبيدوم" والحصول على الطاقة في سرطان القولون والمستقيم، إذ يمثل نموذجًا ممتازًا للأورام الصلبة، وبشكل عام أصبح من المعروف أن خلايا السرطان تستخدم طرقًا مختلفةً للتمثيل الغذائي والحصول على الطاقة مقارنةً بالخلايا الطبيعية، والنموذج الأكثر شهرةً في ذلك هو ما يُعرف بـ"تأثير واربورغ" الخاص بالتمثيل الغذائي للجلوكوز، لكن الأمر لا يقتصر على الجلوكوز، فالدهون أيضًا تتغير طرق التمثيل الغذائي الخاص بها بشكل جذري.

تأثير واربورغ

وتختلف الخلايا السرطانية عن الخلايا الطبيعية في التمثيل الغذائي الخاص بالجلوكوز، فبدلًا من استخدام الأكسجين لحرق الجلوكوز وإنتاج الطاقة (وهي الطريقة التي تنتج قدرًا أكبر من الطاقة ويكون ناتج التفاعلات الأخير هو ثاني أكسيد الكربون)، تعتمد الخلايا السرطانية على التخمر لتنتج قدرًا أقل من الطاقة وحمض اللاكتيك كناتج للتفاعلات، ويُعرف هذا الاختلاف بـ"تأثير واربورغ"؛ إذ تستهلك خلايا السرطان الجلوكوز بشكل كبير، وتعتمد على التخمر لإنتاج الطاقة حتى في وجود الأكسجين.

يوضح محمد العرابي -مدرس طب الأورام في كلية الطب بجامعة عين شمس- في تصريحات لـ"للعلم" أن "سرطان القولون والمستقيم ليس مرضًا واحدًا، بل يشمل مجموعةً مختلفةً من الأنواع والأمراض الفرعية التي تختلف في تركيبها الجيني وبالتالي تختلف في استجابتها للعلاج، والتغيرات التي تحدث في التمثيل الغذائي الخاص بالدهون في خلايا السرطان من السمات المميِّزة للعديد من أنواع السرطان، ومن بينها سرطان القولون والمستقيم".

اختلاف التركيب والوظائف

من جهته، يوضح إبراهيم عبد الغفار -مدرس الكيمياء الحيوية في كلية الطب بجامعة الأزهر- أن الدهون تختلف في تركيبها ووظائفها بشكل كبير، إلا أن الوحدات البنائية الأساسية الخاصة بها لا تختلف كثيرًا.

يقول "عبد الغفار" في تصريحات لـ"للعلم": تتكون الدهون بشكل أساسي من الأحماض الدهنية والكوليسترول، وهناك العديد من التغيرات التي تحدث في التمثيل الغذائي للدهون في خلايا السرطان؛ إذ تقوم الخلايا السرطانية بتصنيع الأحماض الدهنية بدلًا من الحصول عليها من الغذاء أو من المخزون الموجود داخل الجسم كما تفعل الخلايا الطبيعية، وهذه التغيرات تمثل سلاحًا ذا حدين؛ إذ تساعد الخلايا على عدم الاعتماد على الغذاء مصدرًا لهذه الأحماض، وبالتالي تستطيع التكيف مع تغيرات البيئة المحيطة، لكنها قد تمكننا نحن البشر من استخدامها كوسيلة من وسائل التشخيص والمتابعة.

يعقِّب يانسن: على الرغم من أهمية الدهون وأدوارها التي ذكرناها، فإن دراستها ليست بالأمر السهل؛ إذ تحتاج إلى تقنية القياس الطيفي الكتلي (وهي تقنية عالية الدقة تعتمد على قياس نسبة الكتلة إلى الشحن للأيونات الموجودة داخل عينةٍ ما؛ من أجل التعرُّف على المركبات الموجودة داخل هذه العينة، وتوضيح التركيب والخصائص الكيميائية للجزيئات المختلفة)، وليست هذه نقطة الصعوبة الوحيدة؛ فدراسة الدهون تتطلب وجود عينات حديثة من المرضى، وهو أمرٌ ليس متاحًا دائمًا.

تغيرات "الليبيدوم"

جرت دراسة التغيرات التي تطرأ على "الليبيدوم" من قبل في أنواع أخرى من السرطان، إذ أُجريت دراسة نشرتها دورية "أنليتيكال آند بيو أناليتيكال كيمستري" في عام 2015 لدراسة هذه التغيرات في سرطان الثدي.

وأظهرت النتائج ارتفاع تركيز العديد من مجموعات الدهون مثل (فوسفاتيديلينوسيتول، وفوسفاتيديلي إيثانول أمين، وفوسفاتيديل كولين، وليزوفوسفاتيديل كولين) في الخلايا السرطانية مقارنةً بالأنسجة الطبيعية المحيطة بها.

أما البحث الذي نشرته دورية "ساينتفك ريبورتس" عام 2017، فدرس تغيرات الليبيدوم في سرطان الرئة، مشيرًا إلى "ارتفاع مستوى الدهون الثلاثية وإسترات الكوليسترول وانخفاض الفوسفاتيديلجليسرول في خلايا الأورام بالمقارنة بالخلايا الطبيعية".

يقول يانسن: كان هناك جدل كبير حول ما إذا كان الليبيدوم (مجموع الدهون الموجودة في الخلية) الموجود في خلايا سرطان القولون والمستقيم مختلفًا عن ذلك الموجود في الأنسجة الطبيعية، وبالإضافة إلى ذلك، كان هناك جدلٌ أيضًا حول طبيعة الدهون التي تساعد على انتشار السرطان، إذ اختلفت نتائج الأبحاث حول هذه النقطة، لذا اخترنا أن نحلل عينات عالية الجودة جُمعت من مركزين لعلاج السرطان باستخدام عدة طرق أو تقنيات، وباستخدام هذه المنهجية، تعرفنا على ما يمكن وصفه ببصمة قوية للعديد من أفراد عائلة الجليكوليبيد، التي يمكن استخدامها للتمييز بين أنسجة الخلايا الطبيعية والسرطانية، ويتسبب وجودها -أو ارتفاع مستواها- في تطور المرض بشكل سيئ.

يضيف يانسن: درسنا العلاقة بين مستوى أنواع الدهون المختلفة من جهة، والدلالات الجينية والمناعية من جهة أخرى، وتبيَّن لنا أن تغيرات الدهون توجد كذلك في الأنواع الفرعية لسرطان القولون والمستقيم، وأنها تحدث في أنواع مختلفة من الكائنات، وهو ما أثبتته تجاربنا على الفئران.

دلالات مهمة

يعلق العرابي: تشير الدراسة الحالية إلى أن تغيرات الليبيدوم يمكن استخدامها كدلالات مهمة في تطور سرطان القولون والمستقيم، ومن الممكن أيضًا أن تضع هذه النتائج أسسًا لعلاج المرض من خلال استهداف مسارات التمثيل الغذائي الخاصة بالدهون، لكن هناك بعض أوجه القصور في الدراسة؛ إذ إن عدد الحالات التي دُرست محدود، وهو ما يتطلب العمل على عدد أكبر في المستقبل، كما يجب ربط هذه النتائج بالعديد من عوامل الخطر المرتبطة بتطور المرض كمرحلة الورم واستجابته للعلاج.

يقول عبد الغفار: هناك عدة إستراتيجيات علاجية للسرطان تعتمد على الدهون، وهذه الجزيئات يمكن أن تعمل كـ"سابحات نانَويَّة حاملة للأدوية"، وهناك أيضًا العديد من التطبيقات التي تعتمد على استخدام تغيرات الدهون في علاج السرطان؛ فإذا كانت خلايا السرطان تقوم بتصنيع الأحماض الدهنية كما ذكرنا، فلماذا لا نعمل على تثبيط هذه العملية أو حرمان الخلايا السرطانية من هذه الأحماض؟

ويتابع: الأمر ذاته ينطبق على الكوليسترول؛ إذ بينت بعض الدراسات أن تثبيط تصنيع الكوليسترول يضر بالفعل بالخلايا السرطانية، ويمكن أن يساعد على التخلص منها، والدراسة التي بين أيدينا قد تفتح بابًا جديدًا لفهم هذه التغيرات، وقد تقدم خياراتٍ علاجيةً مبتكرة لهذه الأورام.

يعقِّب يانسن: النتائج التي توصلنا إليها يمكن أن تمثل أساسًا أو قاعدةً للعديد من الأبحاث المستقبلية من أجل فهم أفضل لتأثير التغيرات التي تحدث في الليبيدوم الخاص بالسرطان، وهذه النتائج يمكن أن يكون لها أيضًا تأثيرات علاجية؛ فقد وجدنا أن مستوى العديد من الإنزيمات التي تُستخدم في إنتاج الدهون يرتفع في الخلايا السرطانية، وهناك بعض المركبات التي تعمل على تثبيط العديد من هذه الإنزيمات، ويمكننا القول بأن لدينا نتائج مبدئية تؤكد أن هذه الأفكار قد تمثل إستراتيجيةً علاجيةً جديدةً وواعدة، إذ يمكن أن نستخدم الدهون كنقطة ضعف يمكن مهاجمة السرطان من خلالها.