يواجه القائمون على تقديم الرعاية الصحية للمصابين بـ"الخرف" ضغوطًا نفسية وجسدية تجعلهم عرضةً للإصابة بالاكتئاب والقلق والوفاة.

لكن دراسة أعدها باحثون أمريكيون وضعت برنامجًا تدريبيًّا مدته ستة أسابيع يساعد على تطوير النواحي الإيجابية لدى مقدمي الرعاية الصحية (سواء كانوا يقدمونها بصورة رسمية من خلال عملهم كمقدمي رعاية، أو بصورة غير رسمية بصفتهم من أقارب المرضى أو أصدقائهم)؛ لمساعدتهم على التعامل مع هذه الضغوط من خلال التركيز على المشاعر الإيجابية التي تساعد على خفض حدة تَعرُّضهم للقلق والاكتئاب.

وتشير الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة "نورث ويسترن"، ونشرتها دورية "هيلث سيكولوجي" (Health Psychology)، إلى أن البرنامج التدريبي ساعد على تحسُّن الصحة الجسمانية لمقدمي الرعاية، إضافةً إلى شعورهم بالسعادة واكتسابهم سلوكيات إيجابية.

تقول "جوديث موسكوفيتس" -أستاذ العلوم الاجتماعية الطبية بكلية طب "فينبرج" بجامعة "نورث وسترن"، والمشرفة على الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن البرنامج التدريبي ليس قاصرًا على المعالجين الذين يحملون ترخيصًا، ويمكن تطبيقه على نطاق واسع، مما يجعله في متناول مقدِّمي الرعاية المنهمكين في أعمالهم والذين يتحملون عبء معاناة مَن يتحملون رعايته من مرضى الخرف، ويساعد على تخفيف حدة التوتر والعبء عن كاهل مقدمي الرعاية، مما يتيح لهم أداء مهمتهم بصورة أفضل"، مشيرةً إلى تزايُد أعداد مقدمي الرعاية غير الرسميين بدرجة كبيرة على مستوى الولايات المتحدة، سواء كانوا أفرادًا من عائلة الشخص المصاب بالخرف أو أصدقاء له.

وتركز معظم النُّهُج الحالية على مساعدة مقدمي الرعاية على زيادة معلوماتهم عن الخرف أو كيفية مواجهة السلوكيات الغريبة، ولكنها لم تتطرق لحالتهم النفسية.

أما البرنامج الجديد، المعروف باسم "أنشطة تعزيز الحياة لمقدمي الرعاية الأسرية" (LEAF)، فيقوم على ثماني مهارات تَزيدُ من المشاعر الإيجابية لدى مقدمي الرعاية، وهي تحديد موقف إيجابي بصورة يومية والاستفادة منه، والشعور بالتقدير، والتدريب الذهني، وإعادة تقييم الأمور بشكل إيجابي، واكتشاف نقاط القوة الشخصية، وتحديد الأهداف التي يمكن تحقيقها، والعطف على المريض.

ويوجد 5.5 ملايين أمريكي تم تشخيص حالتهم كمرضى "ألزهايمر"، وهو أحد أنواع الخرف، ومن المتوقع أن يرتفع العدد إلى 16 مليونًا بحلول 2050. ويتراوح متوسط العمر المتوقع للمريض بعد تشخيصه من 8 إلى 10 سنوات، رغم أن بعض المرضى قد يعيشون 20 عامًا بعد التشخيص.

خلال التجربة، تم توزيع 170 شخصًا من مقدمي الرعاية إما في مجموعة التدخل لتعلُّم مهارات تتمثل في تحديد شيء إيجابي يوميًّا أو في المجموعة الضابطة التي تملأ استبانةً يوميةً حول مشاعرهم، وجرت الاستعانة بوسطاء عبر الإنترنت لتقديم جلسات تدريبية لمقدمي الرعاية في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

وملأ المشاركون استبانةً عن شعورهم بالاكتئاب والقلق والعبء وحالتهم الصحية في بداية الدراسة ونهايتها. وتَبيَّن انخفاض معدل الاكتئاب بنسبة 7% والقلق 9% لدى المجموعة التي خضعت لجلسات البرنامج مقارنةً بالمجموعة الضابطة.

وفي المقابل، فإن المشاركين في المجموعة الضابطة أظهروا انخفاضًا طفيفًا في معدلات الاكتئاب، بحيث استمرت بين النسبة الخفيفة إلى المتوسطة. وقد أقرت إحدى المشاركات باستفادتها من التجربة قائلةً: لقد جلبت المهارات التي تعلمتها السكينة والهدوء في حياتي وحياة زوجي، واستفدنا معًا من تغيُّر سلوكي.

وطلب الباحثون من كل مشارك تحديد موقف إيجابي بصورة يومية وتسجيله في مفكرة وإخبار شخص آخر به وتحديد إحدى نقاط القوة يوميًّا وكيفية استثمارها واختيار هدف سهل تحقيقه كل يوم وملاحظة تطوُّر بلوغ الأهداف، وكذلك تدوين أحد الضغوط الخفيفة التي يتعرض لها يوميًّا وإعداد قائمة بالطرق التي يمكن بها إعادة تقييم هذه الضغوط بشكل إيجابي. كما طُلب منهم ممارسة تمارين تنفس لمدة عشر دقائق كل يوم مع التركيز على حركة الشهيق والزفير.

وتؤكد "موسكوفيتس" أن الهدف من الدراسة هو تعليم المهارات لمقدمي الرعاية أملًا فى مساعدتهم على جعلها عادةً طويلة المدى، مضيفةً أن "فترة الأسابيع الستة جرى تحديدها لقياس التجربة ولمحدودية التمويل، وسنبدأ قريبًا دراسة جديدة يمولها المعهد الوطني للشيخوخة بالولايات المتحدة، بهدف مقارنة مفهوم التدخل الإيجابي من خلال وسيط (كما حدث في الدراسة) مع تجربة التدخل إلكترونيًّا من دون وسيط، وفي حالة نجاح التدخل الإلكتروني بنفس فاعلية الأولى، فإن برنامج (LEAF) يمكن تعميمه على نطاق واسع بتكلفة بسيطة لمساعدة العدد المتزايد من مقدمي الرعاية".