توصلت دراسةٌ أجراها باحثون من كليتي التربية والهندسة بجامعة كامبريدج إلى أن تعليم الأطفال بطريقة تشجعهم على التعاطف مع الآخرين يحسِّن من قدراتهم الإبداعية بدرجة يمكن قياسها، وأن التعاطف مع الآخرين يمكن أن يؤدي أيضًا إلى العديد من نتائج التعلم المفيدة الأخرى، وفق دراسة نشرتها دورية "إمبروفينج سكولز" (Improving Schools).

تشير هيلين ديميتريو -المحاضر المنتسب في مجال علم النفس والتربية بكلية التربية في جامعة كامبريدج، والمشاركة في الدراسة- إلى أن "هذا البحث يقدم أدلةً جديدةً على أن تعاطف الأطفال مع الآخرين يطور أفكارهم الإبداعية والابتكارية".

تقول "ديميتريو" في تصريحات لـ"للعلم": إن معرفة احتياجات الآخرين المختلفة (من خلال التفكير والشعور) يمكن أن تساعدنا في تحقيق الأهداف في الحياة، وهذه هي قوة التعاطف التي لا تتوقف عند حدود التفكير والشعور بما يفكر فيه الآخرون ويشعرون به، ولكن أيضًا في فعل شيء حيال ذلك ودعم موقف شخص آخر.

تضيف "ديميتريو": التعليم الذي يسعى إلى تدريب الأطفال على التعاطف مع الآخرين قد يساعد التلاميذ فيما بعد على زيادة تقدير الذات لديهم، ويُشركهم في الأمور على نحوٍ أكثر عمقًا، مما يعني أنه من المحتمل أن تنتج عنه نتائج أفضل من جميع النواحي للتلاميذ كأشخاص ومتعلمين حتى يتمكنوا من تطوير المهارات الاجتماعية والعاطفية والمعرفية التي تؤدي إلى أن يصبحوا أفرادًا ناجحين، ومن الواضح في هذه الدراسة أننا أيقظنا شيئًا ما لدى هؤلاء التلاميذ من خلال تشجيعهم على التفكير في أفكار الآخرين ومشاعرهم.

من أجل التوصل إلى هذه النتائج، أخضع الباحثون للدراسة طلاب مدرستين داخليتين بلندن تتراوح أعمارهم بين 13 و14 عامًا لمدة سنة؛ إذ أمضى التلاميذ في إحدى المدارس هذا العام في متابعة الدروس المقررة في المناهج التقليدية، أما الطلاب في المدرسة الثانية فاستخدموا مجموعة من أدوات التفكير التصميمي الهندسي التي تهدف إلى تعزيز قدرة الطلاب على التفكير الإبداعي وتوليد التعاطف مع الآخرين والعمل على حل مشكلات العالم الحقيقي.

جرى تقييم القدرات الإبداعية لتلاميذ كلتا المدرستين عند بداية العام الذي خُصص للدراسة ونهايته؛ إذ خضع المشاركون في عينة البحث لـ"مقياس تورانس للتفكير الإبداعي"، واختبار قياس نفسي معروف يقيس الطلاقة والمرونة والأصالة والإفاضة في الشرح وإعطاء التفاصيل، ويُعد أكثر المقاييس استخدامًا في قياس الإبداع والابتكار.

وأثبتت النتائج أنه في بداية العام كانت درجات الإبداع لدى تلاميذ المدرسة الضابطة التي سار فيها التعلم وفقًا للمناهج التقليدية أعلى بنسبة 11٪ من تلك الموجودة في المدرسة الثانية التي استخدمت أساليب التفكير الإبداعي وتوليد التعاطف، لكن الوضع اختلف مع نهاية العام؛ إذ ارتفعت درجات الإبداع لدى أفراد المدرسة الثانية بنسبة بلغت 78٪ عن أفراد المجموعة الضابطة.

كما سجل تلاميذ المدرسة الثانية درجاتٍ أعلى بكثير من درجات طلاب المدرسة الأولى في مجالات "التعبير العاطفي" و"الانفتاح الذهني"، الذي يعني القدرة على تقبُّل أفكار الآخرين حتى لو كانت مختلفةً عما اعتدنا عليه، مما يشير إلى أن التحسُّن الملحوظ في التعاطف يقود إلى درجات أعلى من الإبداع.

وكان تجاوُب الذكور والإناث في المدرسة التي أدخلت تعلُّم التعاطف متقاربًا إلى حدٍّ كبير بصورة جعلته يتخطى العلاقات والأطوار الاجتماعية التي يحددها المجتمع لكلا الجنسين (الجندر)؛ إذ أظهر الذكور تحسنًا ملحوظًا بلغ 64% في التعبير عن مشاعرهم في نهاية العام مقارنةً ببداية الدراسة، أما الفتيات فقد أظهرن تقدمًا بنسبة 62% فيما يخص التعاطف المعرفي وتبنِّي منظور الآخرين.

بدوره، يقول "بيل نيكول" -المحاضر الأول في مجال تعليم التصميم والتكنولوجيا، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": تتطلب مشكلات الهندسة والتصميم حلولًا إبداعية؛ إذ إن الإبداع جزء من عملية التصميم الذي يتطلب من الطلاب التفكير بشكل نقدي وإبداعي، ويمكن تلخيص هذه العملية بأنها "استكشاف- إنشاء– تقييم".

يضيف "نيكول": عند استكشاف مشكلةٍ ما، يحدد المصممون احتياجات مختلِف أصحاب المصلحة الذين يقدمون تصميمًا من أجلهم، وهذا هو الموقف الذي تكون فيه القدرة على التعاطف مع الآخرين أمرًا بالغ الأهمية، ويمكن للمصمم بعد ذلك إنشاء أفكار إبداعية من أجل تلبية احتياجات مختلِف الأطراف المختلفة وتقييم مدى تلبية هذه الاحتياجات، وبمجرد أن نفكر في الأمر بهذه الطريقة، يصبح من الواضح أن تدريب الأطفال على التعاطف مع الآخرين هو جزء ضروري من عملية التصميم الإبداعي.

وضع الباحثون تحدياتٍ عدةً أمام تلاميذ المدرسة التي دمجت نظام التعاطف في مناهجها؛ إذ طلبوا منهم تصميم حزمة من القرارت لعلاج الربو لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أعوام وما دون ذلك، وتم تزويد الطلاب بالعديد من "الأدوات" الإبداعية والتعاطفية من أجل فعل ذلك؛ فعلى سبيل المثال، تم عرض بيانات حول عدد وفيات الأطفال بسبب الربو في المملكة المتحدة، وشريط فيديو يصور طفلًا صغيرًا يتعرض لنوبة ربوية، واستكشفوا أيضًا المشكلة واختبروا أفكارهم التصميمية من خلال لعب الأدوار مع مختلِف الأطراف المعنية بالمشكلة، سواء المرضى أو أفراد الأسرة والطاقم الطبي.

وأجرى الباحثون مقابلات متعمقة مع التلاميذ في كلٍّ من المدرستين السابقتين، فضلًا على مدرسة ثالثة (للبنات فقط) خضعت أيضًا لتحدٍّ عبر سيناريو أطفال الربو، وتشير التعليقات التي توصل إليها الباحثون مرةً أخرى إلى أن تلاميذ المدرسة التي دمجت نظام التعاطف في مناهجها تعاطفوا بشدة مع التحديات التي يواجهها صغار المرضى الذين يعانون من الربو، وأن هذا قد أثر على قراراتهم الإبداعية في الفصل الدراسي، بل راحوا يبحثون عن حلول تساعد أسر الأطفال المصابين بالربو والطواقم الطبية التي تتولى علاجهم في التعامل مع هؤلاء الأطفال.

تقول "ديميتريو": هناك شيء يجب أن نفكر فيه؛ لأن المناهج التقليدية أصبحت تعتمد اعتمادًا متزايدًا على الامتحانات للتقييم، قد تكون درجات الامتحان الجيدة مهمة، ولكن لكي يزدهر المجتمع، فإن خلق أفراد يتسمون بالإبداع والتواصل والتعاطف مع الآخرين أمر مهم أيضًا.