قد يعتقد المراهق أن الآثار السلبية لتعاطي سيجارة واحدة أو اثتنين من الحشيش تنتهي بعد بضع ساعات من تعاطيه، لكن نتائج دراسة حديثة نُشرت في دورية نيوروساينس (علم الأعصاب) هذا الشهر أظهرت أن تعاطي مستحضرات القِنَّب (الماريجوانا كما تسمى في الغرب، أو الحشيش في مصر) بكميات ولو محدودة له تأثير سلبي على أدمغة المراهقين.

ويأتي ذلك متزامنًا مع قيام بعض الدول واعتزام البعض الآخر -بالإضافة إلى عدد من الولايات الأمريكية- التحرُّك في اتجاه إضفاء الشرعية القانونية على ما يُطلَق عليه حيازة الماريجوانا لأغراض ترفيهية.

الدراسة عقدت مقارنة بين صور لأدمغة المراهقين ممن أبلغوا عن تعاطيهم كميات بسيطة من الحشيش، وصور لمجموعة أخرى من المراهقين لم يتعاطوها، وجرت مطابقة المجموعتين على أسس السن والجنس واختبار الذكاء والحالة الاجتماعية والاقتصادية وتناول الكحول وتعاطي النيكوتين، وذلك عبر تقنية التصوير الدماغي ثلاثي الأبعاد للمخ.

أظهرت النتائج أن هناك زيادة في حجم المادة الرمادية بالنسبة لمتعاطي الحشيش في أجزاء عديدة بالمخ مثل اللوزة والحُصين، والجزء الأول هو المسؤول عن المشاعر العاطفية مثل مشاعر الخوف والقلق، أما الآخر فذو علاقة بعمليات التذكر والتفكير المنطقي والقدرات المكانية.

تقول "كاثرين آور" -الباحث الرئيسي للدراسة، من قسم العلوم النفسية بجامعة سوينبرن بأستراليا- في تصريحات لـ"للعلم": إن هناك حوالي 35٪ من طلاب الصف العاشر الأمريكي يتعاطون الماريجوانا، ومع ذلك اهتمت معظم الدراسات بالتعاطي طويل الأجل أو المكثف للماريجوانا فقط، لذلك كان هناك معلومات قليلة جدًّا عن الآثار العصبية المبكرة لتعاطي الحشيش على أدمغة المراهقين، وشددت الدراسة في نتائجها على تقديم مجموعة من الأدلة على أن المادة الفعالة في القنب -وليس الاضطرابات النفسية المرضية أو الشخصية- قد تقف وراء بعض التغيرات في حجم المادة الرمادية لدى المراهقين.

ومن جانبه، يوضح "حسام الدين كحلة" -استشاري الأمراض النفسية، غير مشارك في الدراسة- أن الحشيش وفقًا لهذه الدراسة قد يشوش على الذاكرة، ويبطئ من الاستيعاب الدراسي، ويؤدي إلى الاضطراب والقلق ومشكلات إدراكية عديدة؛ لأن المادة الرمادية هي الأساس في معالجة المعلومات التي تحملها الألياف العصبية، مشيرًا إلى أن الدراسة مهمة ويجب أن تستمر عملية البحث في هذا المجال، مع زيادة حجم عينة المراهقين المشاركين في الدراسة؛ حتى تتضح خطورة الحشيش على المخ.

التقليم الذاتي للمخ

استعانت الدراسة بـ46 مراهقًا من الذكور والإناث، تبلغ أعمارهم حوالي 14 عامًا، ينتمون إلى أصول أوروبية، وجرت الاستعانة بالعدد نفسه تقريبًا من غير المتعاطين للحشيش كمجموعة ضابطة.

 وتعليقًا على ذلك الإجراء، قال "هيو جرافان" -أستاذ الطب النفسي بجامعة فيرمونت بمدينة برلنجتون بأمريكا، والباحث المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": إن المجموعة المقارنة كانت تتطابق مع المجموعة الأخرى التى تعاطت الحشيش في عوامل السن ومستوى الذكاء والعوامل الاجتماعية والاقتصادية وتحليل الشخصية والاضطرابات المرضية النفسية وغيرها من العوامل.

وأضاف أن النتائج أوضحت تغيرًا جماعيًّا في حجم الدماغ للمجموعة التى أبلغت عن تعاطيها الحشيش -وخصوصًا في منطقة الفص الصدغي الأيمن والأيسر (يقع على جانبي الرأس وفوق الأذنين)- ظهر بحجم أكبر، مما يعزِّز ضعف معدل الذكاء، وانخفاض النمو النفسي الحركي لدى المراهقين مستقبلًا.

وأوضح "جرافان" أن المناطق القشرية لدى المراهقين (سن 14) في عينة الدراسة، تمر بعملية ترقيق أو تقليم، مما يجعل المخ والوصلات العصبية أكثر كفاءةً، ولكن الدراسة اقترحت احتمالين: الأول أن تعاطي القِنَّب قد عطَّل عملية التقليم، مما أدى إلى أحجام أكبر، أي أنه عطَّل عملية النمو لدى المراهق، والاحتمال الآخر أن استخدام القِنَّب أدى إلى نمو في الخلايا العصبية والوصلات العصبية، والأمر في رأيه يحتاج إلى مزيد من الدراسات لمعرفة تأثيرها على الصحة العقلية أو المعرفية لدى المراهق.

ومن جانبه، أوضح "هشام رامي" -أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، باحث غير مشارك في الدراسة- أن مخ المراهق فيه آلاف الخلايا العصبية المرتبطة بالشبكات المعرفية، وبمرور الوقت يقوم المخ بعملية التقليم الذاتية لبعض الخلايا للحصول على موصلات شبكية سليمة نشطة، فتموت الخلايا غير المتصلة مع الخلايا المجاورة لها، وتتشابه فائدتها مع فكرة تقليم الأشجار؛ إذ يتم قطع الفروع الزائدة غير المتناسبة مع الفروع الآخرى، وفائدة التقليم في المخ أنه يحافظ على تلك الخلايا ويطوِّر منها، ولكن تعاطي الحشيش يعطل عملية التقليم، مما قد يؤدي إلى زيادة في حجم بعض الخلايا، وقد ينتج خلايا شبكية غير متصلة.

الأداء اليومي والأكاديمي

وكانت دراسات سابقة قد أظهرت أن التعاطي المنتظم للحشيش بين المراهقين له تأثيرات سلبية طويلة الأمد على المخ، قد تكون أسوأ من تعاطي الكحوليات المدةَ نفسها.

وكشفت دراسة أخرى، نُشرت في 2014، وجاءت تحت عنوان "تأثير القنب على مخ المراهق" أن الماريجوانا ثاني أكثر المواد المسكرة استخدامًا في مرحلة المراهقة، وأن المراهقين الذين يتعاطون الماريجوانا بشكل مكثف غالبًا ما يُظهرون عيوبًا في الأداء العصبي، وفي عمليات نمو الدماغ، فضلًا عن بعض التغيُّرات المهمة في وظائفه.

 ووجد الباحثون في دراسة ثالثة أجرتها جامعة نورث ويسترن ميديسين أن المراهقين الذين يدخنون الماريجوانا يوميًّا لمدة ثلاث سنوات تقريبًا، لديهم تغيُّرات غير طبيعية في بنية المخ المتعلقة بالذاكرة اليومية وطويلة الأمد، تؤثر بالسلب على أدائهم الأكاديمي واليومي.

مشروع أكبر

 وتُعد الدراسة الأخيرة جزءًا من دراسة طويلة الأجل لمشروع IMAGEN، وتتضمن 2400 مراهق مشارك، اشتركوا في مسح أوروبي إحصائي عن تعاطي المخدرات والكحول، واهتمت الدراسة بتأثير الجرعات الصغيرة من الحشيش على المراهقين في عمر 14 عامًا، وتتبعَّتهم عند عمر 16 عامًا، خصوصًا أن هناك أبحاث سابقة أُجريت على حيوانات التجارب، أثبتت تأثُّر أدمغتها بعد جرعة واحدة من الحشيش، وأضافت أن العينة تُعَد صغيرة، ولتأكيد ما انتهت إليه الدراسة لا بد من تكرارها على مجموعات من المراهقين أكبر وأكثر تنوُّعًا من أجل تعميم نتائجها.

وترى "أور" أن أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن هناك مجموعة من التأثيرات المتنوعة للحشيش على أدمغة المراهقين، في المتوسط كانت الاختلافات في زيادة حجم المخ تزيد قليلًا عن 5٪، ولكن بعض المراهقين كان لديهم أحجام مماثلة لتلك المجموعة التي لم تتعاطَ الحشيش، في حين أن البعض الآخر شهد زيادة ملحوظة (أكثر من 20٪) في حجم المخ، لذلك تقترح إجراء المزيد من الأبحاث حتى يمكن تفسير الأسباب التي تقف وراء كون بعض المراهقين في المرحلة المبكرة من تعاطي الحشيش أكثرَ عرضةً من غيرهم للآثار السلبية على الدماغ، ومن أجل مساعدة البعض في اتخاذ قرارات سلمية قبل تعاطيهم للمخدرات.
يرى "رامي" أن نتائج هذه الدراسة "مهمة وجديدة"؛ لأنها أوجدت علاقةً بين التعاطي البسيط لمشتقات القنب -ومنها الحشيش والماريجوانا- على المخ ووظائفه، مضيفًا أن هذه الدراسة مختلفة؛ لأن معظم الدراسات السابقة تناولت التعاطي المكثف للحشيش وتأثيره السلبي على المخ.
كما تبرز أهمية هذه الدراسة -وفقًا لـ"رامي"- في أن بعض دول العالم تقنن تعاطي الحشيش وتسمح به، وبعض المراهقين يعتقد أن تعاطي سيجارة حشيش واحدة لن يضره، لكن النتائج أوضحت أن التعاطي البسيط قد يؤثر بالسلب على القشرة المخية، مما يجعل المراهقين أكثر شعورًا بالقلق، وتجعل قدرتهم على التفكير المنطقي أقل من أقرانهم الذين لم يتعاطوا الحشيش، كما أنه قد يعرِّضهم مستقبلًا للإصابة بمرض الفصام، وتابع: "الدراسة مزجت بين المقاييس النفسية والأدوات الحديثة لتصوير المخ"، وموضحًا أن الدراسة أيضًا عزلت العوامل الاجتماعية والاضطرابات النفسية والعوامل الأخرى؛ لكي تثبت أن الحشيش هو المسؤول عن التغير السلبي الملحوظ في المخ.