أجبرت جائحة "كوفيد-19" معظم البلدان على فرض قيود تتعلق بالتواصل في أماكن العمل والجامعات والمدارس، وأصبحت طرق إدارة العمل عن بُعد وتقليل الأعداد أو تقسيمها وتناوبها من التحديات التي تواجه جميع المؤسسات في ظل تفشِّي الوباء.

التداعيات السابقة دفعت عددًا من الدوائر العلمية الفرنسية لطرح أسئلة حول كيفية التوصل إلى تنظيم أفضل لمكان العمل أو الدراسة؛ لإبطاء انتشار فيروس "سارس-كوف-2"، ودراسة ما إذا كان من الأفضل تقسيم أعداد الطلاب في الفصول أو أعداد العاملين في المكاتب وأماكن العمل، أم أن الأفضل حضور فريق العمل بالكامل إلى مكان الدراسة أو العمل في توقيت متزامن، ثم بقاؤهم في المنزل أو المدرسة في توقيت متزامن أيضًا، بحيث يتم تقسيم الأيام إلى "أيام للعمل والدراسة داخل المقرات الخاصة بها، وأخرى للعمل والدراسة عن بُعد".

للإجابة عن هذه التساؤلات، قدم باحثون بعدد من المؤسسات العلمية الفرنسية (المركز الوطني للبحث العلمي، وجامعة "فرساي-سان-كوينتين-أون-إيفلين"، ومعهد باستور، والمعهد الوطني للصحة والبحوث الطبية) أدوات وعناصر يمكن الاستفادة منها في توجيه قرارات الصحة العامة المتعلقة بالعمل والدراسة عن بُعد.

قام الفريق البحثي في دراسة نشرتها دورية "بلوس كمبيوتيشنال بيولوجي" (PLOS Computational Biology)، بتحليل تأثير إستراتيجيتي "التناوب" و"التشغيل المتقطع"، في الحد من انتشار الوباء، سواء في المدرسة أو في مواقع العمل.

يستهدف "التناوب" الحفاظ على وجود مستمر في مكان العمل أو الدراسة، أما "التشغيل المتقطع" فيهدف إلى الحفاظ على تماسك المجتمع؛ فعلى سبيل المثال، إذا نظرنا إلى مدرسةٍ ما، فسنجد أن الفرد سيذهب إلى تلك المدرسة في كلتا الحالتين يومًا واحدًا فقط في أسبوعين أو أسبوعًا واحدًا في أسبوعين، ولكن كجزء من إستراتيجية "التناوب"، يتم تقسيم المجتمع إلى مجموعتين، إحداهما تذهب إلى المدرسة في حين تبقى المجموعة الثانية في المنزل، والعكس صحيح، أما "التشغيل المتقطع" فيعتمد على ذهاب الجميع إلى المدرسة في الوقت نفسه أو بقاء الجميع في المنزل في الوقت نفسه.

وأكدت الدراسة أن إستراتيجيتي "التناوب" و"التشغيل المتقطع" -جنبًا إلى جنب مع التدابير الصحية الأخرى- تتحكمان بشكل فعال في خفض عدد الحالات الجديدة من المرض التي يولِّدها شخص واحد مصاب ومُعدٍ في مجتمع لا يتمتع بأي مناعة، وأن إستراتيجية "التناوب أسبوعًا بعد أسبوع" هي الأكثر فاعليةً في التقليل من حالات الإصابة الجديدة بالمرض.

تقول كلير ماتيو -مديرة أبحاث علوم الكمبيوتر بالمركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": استخدمنا معلومات مفصلة عن التواصل بين الأفراد داخل المجتمع (المدرسة أو مكان العمل) لحساب تأثير العمل من المنزل لجزء من الوقت على انتشار الفيروس.

وتتابع: تستند الدراسة إلى بيانات سابقة من مشروع SocioPatterns، وهو مشروع بحثي متعدد التخصصات أُطلِق في عام 2008 لدراسة السلوك البشري والاجتماعي، واخترنا ثلاثة مجتمعات تواصُل مختلفة ضمت مدرسةً ابتدائيةً وأخرى ثانويةً ومكانَ عمل واحدًا، وقمنا بجمع معلومات حول خصائص الفيروس لمحاكاة انتشار الوباء داخل مجتمع، بدايةً من وجود شخص واحد مصاب وحتى الوصول إلى العدد النهائي للأشخاص المصابين في المجتمع.

تضيف "ماتيو": يمكن أن تؤدي إستراتيجيتا التناوب والتشغيل المتقطع إلى الحد من معدل الانتشار المحلي للفيروس، حتى لو كان هذا المعدل مرتفعًا إلى حدٍّ ما، ومن المهم التفكير في اعتماد إحدى هاتين الإستراتيجيتين، لكن قرار تبنِّي إستراتيجية معينة يجب أن يضع في الاعتبار التداعيات الاقتصادية والتأثيرات النفسية على الأفراد، والنتائج التي توصلنا إليها تبدو صالحةً وقابلةً للتطبيق والاستفادة منها في المجتمعات الأخرى أيضًا.