تأثرت الرعاية الصحية لمرضى الأمراض المزمنة بشدة في أعقاب انتشار جائحة كوفيد-19؛ نظرًا لتوجيه معظم جهود المنظمات الصحية نحو استيعاب أثرها والسيطرة على انتشار فيروس كورونا المستجد. وأظهرت الظروف التي مر بها العالم ضرورة الأخذ بإجراءات التطبيب عن بُعد، وتقديم الخدمات الطبية عبر الهاتف أو من خلال الاتصال بالفيديو. ولكن لا تزال المنظومات الصحية في الدول النامية تعاني من عدم توافر المقوِّمات التي تؤدي إلى نجاح تلك الوسائل.

والآن، يشهد العالم تصاعُد الموجة الثانية من الجائحة، وتتجه بعض الدول إلى إعادة القيود الاحترازية وتطبيق إجراءات الإغلاق، مما يستدعي ضرورة الأخذ بإجراءات التطبيب عن بُعد للحد من الآثار السلبية للجائحة على منظومة الرعاية الصحية. في هذا الإطار، نشرت دورية "فرونتيرز إن نيورولوجي" Frontiers in Neurology دراسة حديثة تهدف إلى تقييم مدى فاعلية وجدوى استخدام الزيارات الافتراضية لمتابعة مرضى باركنسون في بلدٍ نامٍ في أثناء جائحة كوفيد-19.

كشفت الدراسة التي أجراها باحثون مصريون نجاح 90.5% من الزيارات الافتراضية؛ إذ تمت 19 زيارة من بين 21 بنجاح. وفرت الزيارات الافتراضية ما يتراوح بين 128 دقيقة و 412 دقيقة تقريبًا، وجنَّبَت المرضى قطعَ مسافات كبيرة قد تصل إلى 171 كيلومترًا.

وأظهرت النتائج مستوًى عاليًا من الشعور بالرضا لدى المرضى أو الأطباء عن الخدمة الطبية المقدَّمة خلال الزيارات الافتراضية. ومع ذلك، تمثلت أبرز المعوِّقات في الافتقار إلى الاتصال الجيد بالإنترنت وعدم القدرة على استخدام التكنولوجيا.

يقول علي شلش -الباحث الرئيسي في الدراسة، ورئيس المجموعة البحثية للأمراض الحركية بجامعة عين شمس- في حديثه مع "للعلم": "جعلت الجائحة الأمورَ أكثرَ صعوبةً على مرضى الاضطرابات العصبية، وهي الفئة التي تحتاج إلى دعم أكبر من الأطباء".

 ويضيف: "كنا قد أجرينا دراسةً حول تأثير جائحة كوفيد-19 والإغلاق الذي تبعها على مرضى باركنسون، ووجدنا أن صعوبة الحصول على الرعاية الصحية زادت من معدلات القلق والتوتر والاكتئاب، ومن هُنا فكرنا في تطبيق التطبيب عن بُعد لمُتابعة هؤلاء المرضى ودراسة مدى فاعليته وتأثيره".

معاناة في ظل الوباء

يُعتبر مرض باركنسون الذي يُعرف بـ"الشلل الرعاش" ثاني أكثر الأمراض العصبية انتشارًا بعد ألزهايمر، ويمثل تحديًا كبيرًا للمرضى ومقدمي الرعاية الصحية وأطباء الأعصاب.

يقول تامر رشدي، دكتور علم الأعصاب بكلية الطب، جامعة عين شمس: "أصبح باركنسون مصدرَ قلق للعالم أجمع؛ إذ أفادت تقارير طبية أنه الوباء القادم خلال العقود التالية، ومن المتوقع أن يكون هناك أكثر من 12 مليون مريض باركنسون في العالم بحلول عام 2040".

ويضيف "شلش": "أوضحت دراسات إحصائية أن مصر من أعلى الدول من حيث معدلات الإصابة بالمرض، وعلى الرغم من عدم توافر إحصائيات حديثة، إلا أنه يرجح أن يكون لدينا أكثر من 400 ألف مريض باركنسون".

يعاني مرضى باركنسون من رعشة لاإرادية لأجزاء معينة من الجسم، وبطء الحركة والسقوط المتكرر وتصلُّب العضلات. وقد أدت الجائحة إلى تفاقُم الوضع في ظل تناقص الأطباء المتخصصين؛ إذ عانى المرضى من تراجُع مستويات الصحة العقلية، وضعف النشاط البدني، وسوء نوعية الحياة في أثناء الإغلاق.

في عام 2017، أجرى فريق عمل الجمعية الدولية لمرض باركنسون واضطراب الحركة (MDS) في الشرق الأوسط استبانةً لتقييم احتياجات مرضى باركنسون وفقًا لرأي الأطباء، وأوضحت النتائج أن معظم الخدمات تحتاج إلى تعديل، مع الحاجة إلى عيادات متخصصة ومراكز إعادة تأهيل وإتاحة الأدوية بشكل أكبر، وكذلك توفير خيارات علاجية متقدمة -مثل جراحة الأعصاب- لبعض الحالات.

يؤكد "رشدي": "زادت احتياجات مرضى باركنسون في أثناء الجائحة، في ظل تحويل بعض المستشفيات إلى مستشفيات حجر صحي، وكذلك امتناع المرضى عن طلب المشورة الطبية في العيادات الخارجية خوفًا من الإصابة بفيروس كورونا".

وتتجلى أهمية التطبيب عن بُعد في وقت الجائحة؛ إذ يساعد على تقليل احتمالات العدوى، كما أنه يوفر الوقت والجهد والمال.

أفادت الدراسة التي أجراها شلش وفريقه -والتي تُعد الأولى من نوعها في البلدان النامية- أن التطبيب عن بُعد قد يكون قابلًا للتطبيق في مصر. ويوضح "شلش": "وجدنا أن الخدمة نالت إعجاب كلٍّ من المرضى والأطباء، مع استحسان المرضى للخدمة الطبية المُقدمة من خلال الزيارات الافتراضية والمُتابعة والنصائح المقدمة بعد الكشف، إذ أفادوا بأنهم على استعداد لتكرارها حتى في الظروف الطبيعية بعد زوال الجائحة".

التطبيب عن بُعد

حاول البشر تداوُل المعلومات الطبية في أوقات انتشار الأوبئة والأزمات منذ قديم الأزل، وتُعد جُدران المعابد القديمة التي تزخر بوصفات طبية ومعلومات عن بعض الأوبئة شاهدًا على ذلك. كما استخدمت بعض المجتمعات الدخان لتحذير المدن المجاورة من الأوبئة قبل اختراع أجهزة التليغراف والتليفون وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة.

ومع بداية القرن التاسع عشر، أدى ظهور الهاتف والراديو والآلة الكاتبة إلى تغيير الطريقة التي يشارك بها المرضى والأطباء المعلومات الصحية، وحفز ذلك خيال الكثيرين لتصوير كيف يمكن أن تؤثر تطورات وسائل الاتصال في الطب.

في عام 1925 نشر المُخترع والكاتب هوجو جيرنسباك اقتراحَه لجهاز مُستقبلي أطلق عليه اسم "Teledactyl"، وكان الغرض منه تمكين الأطباء من فحص المرضى عن بُعد من خلال إصبع آلي متحرك وجهاز عرض فيديو، في ذلك الوقت كانت الفكرة مجرد خيال محض. ولكنها الآن أصبحت حقيقةً مُتجسدةً في الروبوت الجراحي المعروف بـ"دا فنشي"، والذي صرحت إدارة الغذاء والدواء FDA باستخدامه عام2000 .

كما أدت وكالة الفضاء والطيران الأمريكية (ناسا) دورًا رئيسيًّا في تطوير التطبيب عن بُعد كما نعرفه اليوم، وذلك من منطلق الحاجة إلى الرعاية الطبية، في أثناء السفر إلى الفضاء، من مراقبة العلامات الحيوية لرواد الفضاء، وتوفير التشخيص والعلاج في أثناء الرحلة.

ومع ظهور الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي، تغيرت طريقة استخدامنا لخدمات التطبيب عن بُعد. إذ سمحت الشبكة العنكبوتية بسهولة مشاركة الصور الطبية مثل الأشعة السينية أو المسح الضوئي ومراقبة العلامات الحيوية وتخطيط القلب لرواد الفضاء، وكذلك التفاعل من خلال اتصال الفيديو المباشر.

يقول "رشدي": "إن التطبيب عن بُعد فرصة ذهبية لبعض المناطق التي يندُر فيها وجود بعض التخصصات الطبية، فقد يتصل الممارس العام بأخصائي طلبًا للاستشارة، فيما يُعرف بـنموذج المحور والفروع (Hub and Spoke model)، إذ يقدم مستشفى مركزي الدعم لمستشفيات أصغر من خلال تقديم تدريبات واستشارات متخصصة، وكذلك المساعدة في اتخاذ القرارات الصعبة".

ولكن بالرغم من شيوع التطبيب عن بُعد في العديد من الدول، إلا أنه لا يزال هناك بعض المعوقات في البلدان النامية، يقول شلش: "كان التحدي الأول هو قبول المرضى خوض تلك التجربة؛ إذ كان لدى بعضهم تخوفات حول الحفاظ على خصوصيتهم، بالإضافة إلى المشكلات التقنية، التي دفعت بعض المرضى إلى الاعتذار عن الزيارات الافتراضية؛ نظرًا لعدم توافر اتصال جيد بالإنترنت".

أشاد مازن سماحة -وهو طبيب وجراح أعصاب أردني- بأهمية الدراسة التي أجراها شلش وفريقه، وأهمية تسليط الضوء على استخدام التكنولوجيا مع مرضى اضطرابات الحركة الذين قد يعانون من إعاقات تجعل من الصعب عليهم التنقل.

ولكن مع ذلك فإن الزيارات الافتراضية لا تُغني عن الفحص السريري للمريض؛ إذ يقول "سماحة": "نظرًا إلى أن باركنسون اضطراب حركي، فإن رؤية حركة المريض أمرٌ ضروري لكلٍّ من إجراءات التشخيص وتقييم الاستجابة للعلاج، مشددًا على أن فكرة التطبيب عن بُعد هي فكرة ممتازة ولكن في ظروف التباعد الاجتماعي، إذ نحتاج إلى تجنُّب الاتصال المباشر مع كبار السن".

كيف ندعم مرضى باركنسون؟

يُعد التغلب على معوِّقات التطبيب عن بُعد في البلدان النامية أمرًا بالغ الأهمية لتحسين الرعاية الصحية لمرضى باركنسون. فمن الضروري توفير بنية تحتية متطورة لتكنولوجيا الاتصالات للمناطق المحرومة والمناطق الريفية، وكذلك دعم المرضى لتوصيل خدمة الإنترنت.

وقد يساعد استخدام أنظمة بسيطة لخدمات الرعاية الصحية عن بُعد وتدريب المرضى وتوافُر أفراد الأسرة المتعلمين جيدًا في التغلب على العقبات المتعلقة بالتكنولوجيا.

يوضح شلش: "نحتاج إلى زيادة الوعي العام حول مرض باركنسون؛ لأن انخفاض مستوى الوعي يؤدي إلى تأخُّر عمليات اكتشاف المرض وتشخيصه، وبالتالي تأخُّر العلاج، كما يحتاج مرضى باركنسون إلى توافر المزيد من الخبراء في هذا المجال، كذلك توفير الأدوية الأساسية، التي يقل توافرها بالأسواق المصرية، كما أن تلك الأدوية ليست مُدعمةً مثل أدوية الأمراض المزمنة كالضغط والسكري".

ويضيف أن مرضى باركنسون يحتاجون أيضًا إلى الدعم النفسي، ورُبما إلى بعض جلسات العلاج الجماعي، ولا بد من تشجيع منظمات الخدمة المجتمعية على دعم مرضى باركنسون، مشددًا على أنهم يحتاجون إلى مزيد من الأبحاث حول مرض باركنسون في مصر، وكذلك إلى توعية المرضى بالطرق المتقدمة في العلاج.

وكانت الحكومة المصرية قد أعلنت في أغسطس الماضي عن توقيع بروتوكول تعاون ثلاثي مع هيئتين خاصتين لتقديم الرعاية الصحية عن بُعد بشكل مجاني للمنتفعين بنظام التأمين الصحي الشامل، وذلك عبر تطبيق يعمل على الهواتف الذكية لإجراء الاستشارات الطبية عن بُعد.

تُطبق الخدمة في محافظة بورسعيد ومحافظة الأقصر كبداية، وقدم التطبيق المعروف باسم "بالطو" ما يقرب من 4000 استشارة طبية لقاطني هاتين المحافظتين. وقد يساعد هذا التطبيق في تسليط الضوء على أهمية التطبيب عن بُعد. ومن جانبه، يشير"شلش" إلى الحاجة إلى تأسيس برنامج دائم لتقديم خدمة التطبيب عن بُعد بشكل مستمر لمرضى باركنسون من خلال منصة إلكترونية تحظى بدعم فني قوي. ويقول: "لدينا بعض المشروعات الطموحة التي نأمل من خلالها أن نطبق بعض العلاجات الحديثة على مرضى باركنسون واكتشاف المزيد حول المرض".