منذ بداية الخلق، سعى الباحثون إلى استكشاف عالم التوائم بكل ما يحمله من ألغاز، بدايةً من التشابه الذي قد يصل إلى حد التطابق، سواء كانوا متماثلي الجنس أو مختلفي الجنس، وانتهاءً بتبايُن الطباع والخصائص والسمات، الذي قد يولِّد أحيانًا نوعًا من الصراع والتشاحُن فيما بينهم.

تنوعت رحلة السير في عالم التوائم، بين خطوات علمية جادة، وأخرى مجنونة كانت أكثرها شهرةً رحلة الطبيب البيطري الألماني النازي "جوزيف مينجلي" المُلقب بـ"ملاك الموت"، الذي استهدفت أبحاثه توائم المعتقلين في معسكر "أوشفيتز" الألماني في جنوب بولندا، الذي كان أحد أكبر معسكرات الاعتقال والإبادة خلال الحرب العالمية الثانية، في الفترة من عام 1943 وحتى 1945.

اشتهر "مينجلي" بأنه كان قناصًا للتوائم؛ إذ سرعان ما يُدخلهم دائرته المعملية، ويكون الحظ الأسوأ من نصيب التوائم المختلفين في بعض الصفات مثل لون العيون أو البشرة؛ فقد اعتاد تشريح التوائم بمجرد أن تقع عيناه عليهم لاكتشاف العوامل غير المألوفة الموجودة فيهم، وهي التجارب التي واصلها حتى بعد هروبه مع انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى مدينة "كانديدو جودوي" البرازيلية، متخفِّيًا في هيئة طبيب بيطري، وهي المدينة التي اشتهرت عالميًّا بلقب "مدينة التوائم".

وبعيدًا عن "سادية" "مينجلي" وسعيه إلى مواصلة أبحاثه العلمية بصورة قد تصل حد الجنون، حذرت دراسة "نرويجية- أمريكية" مشتركة من أن هرمون "التستوستيرون"، المعروف بهرمون الذكورة، يمكن أن ينتقل من الذكور إلى الإناث قبل الولادة في حالة "التوائم" المختلفة من ناحية الجنس، مما يقلل من خصوبة الإناث.

ويُنتج هرمون "التستوستيرون" بالدرجة الأولى في الخصيتين، ويساعد الرجال في الحفاظ على  كثافة العظام، وتوزيع الدهون، وقوة العضلات وكتلتها، ونمو الشعر في الوجه والجسم، وإنتاج خلايا الدم الحمراء وإنتاج الحيوانات المنوية.

ووفق الدراسة، التي نشرتها دورية "بروسيدينجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينس" (PNAS)، فإن انتقال "التستوستيرون" من الذكور إلى توائمهم الإناث لا يؤثر فقط على خصوبتهن، بل يمتد ليشمل نواحي أخرى عند بلوغهن سن الثلاثين، إذ يجعلهن أقل حظًّا من حيث فرص الدراسة والعمل والزواج والإنجاب مقارنةً بقريناتهن اللائي شاركن توأمًا مماثلًا في الرحم.

أقدار مختلفة

وأوضحت الدراسة، التي أجراها باحثون من "المدرسة النرويجية للاقتصاد" و"جامعة نورث وسترن" الأمريكية ودرسوا خلالها الأوضاع المعيشية والاجتماعية والتعليمية لتوائم وُلدوا في النرويج في الفترة من 1967 وحتى 1978، أن "التوائم المختلفة من حيث الجنس يتقاسمون الرحم نفسه خلال رحلة الحمل التي تدوم 9 أشهر، لكنهم قد لا يتقاسمون الأقدار نفسها في رحلة الحياة التي قد تدوم أعوامًا".

وأشارت النتائج إلى أن الأخوات الإناث اللاتي يتقاسمن الرحم نفسه مع أشقائهن الذكور بالمقارنة بمَن تقاسمن الرحم مع أخوات من الإناث، يكنَّ أقل حظًّا في إكمال دراستهن الثانوية بنسبة 15.2%، كما تقل فرصهن في إتمام دراستهن الجامعية بنسبة 3.9%، أما على مستوى سوق العمل فقد تكون فرصهن في الكسب أقل بنسبة تبلغ 8.6%.

وعلى مستوى الحياة الشخصية، فإن فرصهن في الزواج تكون أقل 11.7%، وتقل نسبة خصوبتهن بـ5.8%، مقارنةً بقريناتهن اللاتي تقاسمن الرحم مع توائم من نفس جنسهن، في حين تقل حظوظهن في تحقيق أرباح مادية خلال حياتهن بنسبة 8.6%.

يقول "كجيل سالفانيس" -الأستاذ بقسم الاقتصاد بالمدرسة النرويجية للاقتصاد، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن أهمية الدراسة تكمن في أن السلوك البشري يمكن أن يتأثر باختلاف الظروف التي تحدث داخل الرحم، وفي هذه الحالة يكون التعرُّض لمستويات مختلفة من هرمون التستوستيرون عاملًا مؤثرًا على مستقبل الجنين الأنثى".

وسائل المساعدة الطبية

وتكتسب هذه الدراسات أهميةً كبيرةً مع تزايُد معدلات إنجاب التوائم على مستوى العالم. إذ تشير دراسة "هولندية- فرنسية" مشتركة، أُجريت على 32 دولة (معظمها أوروبية)، إلى أن عدد المواليد التوائم تضاعف تقريبًا في الأربعين عامًا الماضية في البلدان المتقدمة؛ بسبب ارتفاع سن الحمل عند الأمهات، واستخدام وسائل المساعدة الطبية من أجل الإنجاب.

وتؤكد نتائج هذ الأطروحة، التي نشرتها دورية "بوبيوليشن آند ديفيلوبمنت ريفيو" في ديسمبر 2015، أن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية عانت من انخفاض عدد المواليد التوائم بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا في سبعينيات القرن الماضي، لكن معدل المواليد التوائم عاد ليتضاعف تقريبًا؛ إذ ارتفع من 9.5 ولادات لكل 1000 في عام 1975 إلى 16.9 في عام 2011 في الولايات المتحدة، بينما قفز في فرنسا من 9.3 ولادات لكل 1000 إلى 17.4 في الفترة نفسها.

نوعان من التوائم

ويوجد نوعان من التوائم، الأول هو التوأم المتطابق أو المتماثل، ويحدث هذا النوع من الحمل عندما يتم تخصيب بويضة واحدة عن طريق حيوان منوي واحد، وخلال أول أسبوعين بعد الحمل، ينقسم الجنين النامي إلى نصفين، منتجًا طفلين متطابقَين جينيًّا.

أما النوع الثاني فهو التوأم غير المتطابق أو غير المتماثل، ويحدث عندما يتم إطلاق بويضتين مختلفتين ويتم تخصيبهما من قِبَل حيوانين منويين مختلفين، ثم تنمو هاتان البويضتان المخصبتان بشكل مستقل في الرحم.

ويعتبر التوأم (ذكر –أنثى) من النوع الأخير أكثر شيوعًا؛ إذ يمثل أكثر من ثلثي حالات التوائم. ويحدث هذا النوع من الحمل بشكل عام بمعدل يتراوح بين 1% و4% على مستوى النساء الحوامل، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أمستردام في هولندا عام 2016.

في الدراسة "النرويجية -الأمريكية"، استخدم الباحثون بيانات عن 13800 حالة ولادة لتوائم في النرويج في الفترة بين عامي 1967 و1978، وقاموا بفحص بيانات هؤلاء المواليد التوأم لدراسة ما إذا كانت الإناث اللاتي يشاركن توأمًا من الذكور قد عانين من تداعيات تربوية وتعليمية سلبية، فضلًا عن مدى تأثُّر أنماط الزواج والخصوبة في فترة النضوج من جَرَّاء مشاركة الرحم نفسه مع توائم من جنس مختلف.

بدورها، تقول "ألين بوتيكوفر" -أستاذ مساعد بالمدرسة النرويجية للاقتصاد، وباحثة زائرة بجامعة كاليفورنيا ديفيس في الولايات المتحدة الأمريكية، مشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "استخدمنا بيانات السجلات النرويجية التي تغطي جميع الولادات من المجموعات السكانية المختلفة". وأضافت: تمكنَّا من تعرُّف التوائم من خلال معرفة إذا كانت الأم قد أنجبت طفلين في اليوم نفسه، ثم جرت متابعة الأطفال منذ الولادة، وسنوات المراهقة، وخلال مرحلة النضوج. وتابعت: قمنا من خلال هذه البيانات بتحديد التوائم الإناث ومقارنتهن بالتوائم من جنسين مختلفين. وقد كان هذا هو النهج الرئيسي الذي استخدمناه في البحث".

الحياة الجنينية

من جهته، يقول عمرو نديم، أستاذ طب النساء والتوليد بكلية الطب في جامعة عين شمس: إن "فرضية الأصول الجنينية للمرض فيما بعد البلوغ، التي طرحها العالم "ديفيد باركر"، لاقت رواجًا في ثمانينيات القرن الماضي، وهي فرضية تقوم على أن كثيرًا من التطورات الفسيولوجية والسيكولوجية، وما ينجم عنها بعد ذلك من أمراض عضوية ونفسية، تحدث خلال تطور مراحل نمو الجنين في رحم الأم".

ويضيف "نديم"، في تصريحات لـ"للعلم": انتهى "باركر" إلى أن نقص بعض المغذيات الدقيقة مثل عنصر السيلينيوم أو الماغنسيوم أو المنجنيز يكون له تأثير على الجنين. وتتفق هذه الدراسة مع ما جاء به "باركر" من أن الحياة الجنينية لها تأثير على رحلة الإنسان على الأرض فيما بعد.

ويوضح الباحثون أن "هرمون التستوستيرون المرتبط بالذكورة قد يتسرب من خصية التوأم إلى أخته الأنثى عن طريق السائل الأمنيوسي أو عن طريق مجرى دم الأم. لذا فقد تظهر أحيانًا بعض أعراض الذكورة على المولود الأنثى، وقد يكون لذلك الهرمون المتسرب تداعياته على صحة شريكته في الرحم نفسه".

تشير الدراسة إلى أنه "خلال فترات النمو الحساسة في الرحم، تساعد المنشطات التي تنتجها المبايض والخصيتين -بما في ذلك هرمون التستوستيرون- على تأسيس اختلافات بيولوجية بين الذكور والإناث. كما لوحظ أيضًا أن تأثيرات التنشئة الاجتماعية (كما هو الحال بالنسبة للأنثى التي نشأت جنبًا إلى جنب مع توأم ذكر) يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في سلوكياتها الأنثوية".

يقول "سالفانيس": فحصنا حالات لتوائم من الإناث اللاتي تقاسمن الرحم مع أشقاء ذكور توفوا بعد الميلاد، ما أدى إلى تربيتهن بشكل فردي، ولاحظنا أن نتائج الدراسة لم تتغير، فعادةً ما يوجَد هرمون التستوستيرون لدى الإناث، ولكن مستوياته تكون أقل كثيرًا من أقرانهن من الذكور، وبالتالي فإن تعرُّضهن لهذا الهرمون من شريك "ذكر" يجعلهن أكثر عرضةً لزيادة في معدلات هذا الهرمون لديهن.

ويوضح "سالفانيس" أن التأثير يكون في اتجاه واحد؛ إذ إن التوائم الذكور الذين يتقاسمون رحم الأم مع شقيقاتهم من الإناث لا يتعرضون لأي تأثير سلبي على مستقبلهم.