في العصور القديمة، وفي أقصى جنوب صحراء محافظة الفيوم، على بُعد 100 كيلومتر جنوبي غرب القاهرة، تقع قرية "تبتونس"، التي نعرفها الآن بـ"أم البريجات". تلك القرية أمدتنا بكنز هائل من البرديات التي تعود إلى العصرين اليوناني والروماني. وكانت "تبتونس" مركزًا رئيسيًّا لعبادة الإله "سوبيك" الذي كان يُرمز له بالتمساح، وتضم مكتبة هي المكتبة المؤسسية الوحيدة الباقية من مكتبات مصر القديمة. 

أُجريت الحفائر الأولى في هذا الموقع الذي يغطي حوالي خمسمئة ألف متر مربع، في الفترة بين عامي 1899 و1900. وأسفرت عمليات التنقيب المستمرة عن استخراج كميات كبيرة من وثائق البردي، وتماسيح ملفوفة ومحشوة بلفائف ورق البردي، تعود إلى العصر البطلمي المتأخر. وقد حكم البطالمة مصر ما يقرب من ثلاثة قرون انتهت عام 30 قبل الميلاد. في فترة حكمهم، كانت الديموطيقية هي لغة تدوين النصوص الدينية والوثائق القانونية والتجارية عند المصريين، بالإضافة إلى اليونانية لغة البطالمة أنفسهم.

ظهر الخط الديموطيقي في القرن الثامن قبل الميلاد، واستمر حتى القرن الخامس الميلادي، ويمثل المرحلة الثالثة من عمليات تطوير الخطوط بعد الهيروغليفي والهيراطيقي، وجاء نتيجةً لكثرة الأنشطة وتعدُّد المعاملات وبخاصة الإدارية منها، ما كان يستدعي سرعةً في الإنجاز.

وقد استخدم المصريون القدماء أحبار الكتابة منذ 3200 عام قبل الميلاد -على الأقل- مستخدمين الأحبار السوداء للنص الأساسي (المتن)، والأحبار الحمراء لتسليط الضوء على العناوين والكلمات الرئيسية المفتاحية.

كشفت وثائق عثر عليها الباحثون في موقع "تبتونس" عن معلومات جديدة بشأن الغرض الأساسي من استخدام الرصاص في عملية الكتابة في مصر القديمة. 

فقد توصلت نتائج دراسة جديدة إلى أن المصريين القدماء عندما استخدموا الأحبار على ورق البردي كانوا يضيفون الرصاص إليها؛ بغرض تثبيتها وتجفيف الكتابة، وحتى يضمنوا بقاء كلماتهم على الورق. وهو أمرٌ لم يكن معروفًا في السابق.

يقول معدُّو الدراسة إن أقدم دليل على استخدام الرصاص في الأحبار عُثر عليه في مصر، وبعدها بدأ استخدامه في الأحبار في عصور لاحقة وأماكن أخرى.

ووفقًا للدراسة التي نُشرت أكتوبر الماضي في مجلة "PNAS"، فإن هذا الاكتشاف يدعو إلى إعادة النظر في الأصباغ القديمة التي استُخدم فيها الرصاص وتقييمها؛ إذ ربما كانت تقنيات تجفيف أحبار الكتابة منتشرةً في وقت أبكر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا. 

نقطة البداية

قام الفريق البحثي الذي تقوده جامعة كوبنهاجن الدنماركية بتحليل 12 برديةً مصريةً يعود تاريخها إلى ما بين 100 إلى 200 عام بعد الميلاد، أي خلال حكم الرومان لمصر. حصل الباحثون على البرديات التي تم اختيارها للتحليل في الفترة بين عامي 1931 و1938 من قِبَل مؤسسة "كارلسبرج"، التي حصلت بدورها عليها من سوق للآثار في القاهرة. وتغطي المخطوطات -المحفوظة حاليًّا في جامعة كوبنهاجن- الفترة من القرن الأول إلى أوائل القرن الثالث الميلادي، وتصنف ضمن أهم مجموعات البرديات المكتشَفة في رمال مصر، وتتكون المواد المحفوظة من آلاف الأجزاء التي تشكل 400 إلى 500 مخطوطة.

تحليل البرديات تم باستخدام الفحص المجهري بالأشعة السينية وتقنيات "السنكروترون" لتحديد المواد الخام المستخدمة في الأحبار المختلفة، بالإضافة إلى التركيب الجزيئي للحبر المجفف المثبت على البرديات.

ويمتاز إشعاع السنكروترون بخصائصه الفريدة، ومنها ارتفاع درجة تألُّقه، وقدراته التحليلية الملحوظة لتوصيف المواد. ويمكن لهذا النوع من الإشعاع عمل التحليل الكيميائي الدقيق للمواد وبيان العناصر الكيميائية المكونة لها.

أُجريت التحليلات في مرفق الإشعاع السنكروتروني الأوروبي (ESRF) في فرنسا، حيث استخدم العلماء التحليل الطيفي للأشعة تحت الحمراء، وخصائص تألُّق الأشعة السينية وحيودها لفحص التركيب الكيميائي الدقيق للأحبار.

credit: The Papyrus Carlsberg Collection and the ESRF.

كشفت التحليلات أن الأحبار صُنعت من السخام الناتج عن حرق الخشب أو الزيت، بعد أن يُمزج الخليط الناتج مع الماء. ويعتقد المؤلفون أن الأحبار الحمراء التي يدخل في تركيبها الحديد هي على الأرجح مغراة -والمغرة هي صبغة أرضية طبيعية ذات لون أحمر بني مصفر.

ورغم أن الحبرين الأسود والأحمر كانا أكثر شيوعًا، إلا أن ظلال الأزرق والأخضر والأبيض والأصفر تظهر أيضًا في النصوص القديمة.

"الحبر المقدس"

بدت نتائج الدراسة مثيرةً وطريقة التحقق قويةً بالنسبة لأستاذ علم المصريات في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، سليمة إكرام، التي قالت في تصريح لـ"للعلم" إن النتائج التي توصل إليها الباحثون في الدراسة تصقل فهمنا للحبرين الأحمر والأسود المستخدمَين في العصر الروماني في مصر، وتؤيد الأدلة بقوة فكرة الإنتاج المركزي للحبر الأحمر، الذي كان يتم تخصيصه للمعابد. 

تشير "إكرام" -وهي غير مشاركة في الدراسة- إلى أنه جرى استخدام تقنيات مماثلة في جميع أنحاء منطقة حوض البحر المتوسط في هذا الوقت، مما يشير إلى خبرة أو معرفة مشتركة ناتجة عن الاختلاط أو التبادل التجاري. 

من جانبه، يؤكد توماس كريستيانسن -عالِم المصريات في جامعة كوبنهاجن، والباحث الرئيسي في الدراسة- ما ذهبت إليه "إكرام" بشأن ارتباط اللون الأحمر بالأعمال الكهنوتية.

ويعتقد الباحث أنه لتزويد مكتبة مثل تلك الموجودة في معبد تبتونس بأحبار حمراء تكفي أعمال الكتابة، كان على كهنة المعبد احتكار هذا اللون والإشراف على تجفيفه بالرصاص في ورش عمل متخصصة، مثل الورش التي كان يعمل فيها الرسامون الرئيسيون من عصر النهضة. 

تم توثيق تقنية تجفيف مماثلة قائمة على الرصاص في الكتابات الأوروبية بعد حوالي 1400 عام، كما استخدم فنانو عصر النهضة الأوروبيون في القرن الخامس عشر الرصاص لأغراض مماثلة. كما لوحظ وجود أصباغ قائمة على الرصاص في كثير من اللوحات الفنية المعروضة في "معرض لندن الوطني"، استخدمها الفنانون للمساعدة في تجفيف أغشية الطلاء.

وعن سبب اعتقاده أن الرصاص استُخدم كمثبت للحبر وليس جزءًا من تكوينه، يشرح "كريستيانسن" في تصريح لـ"للعلم" أنه لم يتم اكتشاف أي صبغة قائمة على الرصاص في البرديات، وأنهم لم يجدوا أيًّا من مركبات الرصاص البيضاء أو المركبات التي عادةً ما تكون موجودةً في صبغة أساسها الرصاص، في المخطوطات التي جرت دراستها. 

ويضيف الباحث الرئيسي أن "أصول الخليط المعقد من فوسفات الرصاص، وكبريتات الرصاص، وكربوكسيلات الرصاص التي عادةً ما تكون موجودةً في بعض الأحبار غير واضحة". لذلك، يعتقد "كريستيانسن" أن الرصاص الموجود في كلٍّ من الأحبار الحمراء والسوداء التي جرت دراستها يدعم الفرضية القائلة بأن مركبات الرصاص قد تم استخدامها لخصائص التجفيف فقط. 

في عام 2017، نشرت دورية "ساينتفك ريبورتس" دراسةً كشفت تفضيل المصريين القدماء للأحبار المحتوية على المعادن.

ووفقًا للدراسة التي قادها "توماس كريستيانسن" أيضًا، فإنه فحص مجموعتين من البرديات، الأولى تعود إلى عام 88 قبل الميلاد، والثانية تمتد حتى القرن الثاني الميلادي، وكلتاهما تستخدم الحبر الذي يحتوي على كميات كبيرة من النحاس في الأحبار السوداء.

وبينما عُثر على إحدى المجموعتين في معبد "تبتونس" في مصر الوسطى، عُثر على المجموعة الثانية ضمن أوراق خاصة لجندي يُدعى "حورس"، كان متمركزًا في معسكر في جنوب مصر عام 88 قبل الميلاد.

لاحظ العلماء أن مجموعتي البردي منفصلتان زمانيًّا ومكانيًّا من حيث العثور عليهما في مواقع مختلفة، مما يعزز من احتمالية أن تكون تقنية إنتاج الحبر ذاتها قد تم استخدامها في جميع أنحاء مصر لمدة ثلاثة قرون أو أكثر.

نتائج حاسمة

يرى بيتر تاك -أستاذ الكيمياء في جامعة "خنت" البلجيكية- أن أهمية الدراسة الحالية تكمن في كونها تقدم نتائج "حاسمة" ومؤكدة بشأن استخدام الرصاص في الكتابة في مصر القديمة. "علاوة على ذلك، أجرى المؤلفون عدة عمليات لتحقيق وصف أفضل للمركبات الكيميائية الموجودة داخل الأحبار، مما يوفر معلومات لم يسبق معرفتها عن الأحبار التي تم فحصها".. يقول "تاك" في تصريح لـ"للعلم".

يضيف "تاك" -وهو لم يشارك في الدراسة لكنه ذو خبرة بحثية كبيرة في فحص الوثائق التاريخية- أن الشيء المثير للاهتمام حول الأحبار في الدراسة هو أن كلًّا من الأحبار الحمراء والسوداء تحتوي على كميات كبيرة من أصباغ الرصاص التي لم يسبق وجودها في النصوص التاريخية التي استُخدمت الرصاص في الكتابة مثل الرصاص الأبيض أو الجالينا التي تُعد الهيئة المعدنية الطبيعية لكبريتيد الرصاص الثنائي، والمعدن الخام الأهم للرصاص. 

"هذا يعني أن المؤلفين الأصليين للمخطوطة استخدموا مركبًا رئيسيًّا كمزيج لأحبارهم، لتحسين خصائصها عادة. شدة وضوح الرصاص حول الأحبار في المخطوطات تقود المؤلفين إلى الاعتقاد بأن هذا الرصاص لم يكن تلوثًا عرضيًّا (على سبيل المثال من خلال تخزين الحبر في علبة تحتوي على الرصاص) بل كان يُستخدم عمدًا للتجفيف".. كما يوضح "تاك".

وتشير دراسة سابقة نُشرت في دورية "ساينتفك ريبورتس" في عام 2019 إلى احتمالية أن تكون تقنية تثبيت الأحبار بالمعادن قد استخدمها المصريون القدماء في المنسوجات أولًا، ومن ثم طبقوها بعد ذلك على الكتابة على البرديات. 

ويشرح أستاذ الكيمياء أنه "من الصعب جدًّا" تحديد التركيب الدقيق للحبر، نظرًا للطبيعة المعقدة للأحبار نفسها، كما أن هناك دائمًا سؤال يثار حول ما إذا كان تكوين الحبر قد تغير بمرور الوقت. قد تتحلل بعض الأصباغ، أو يمكن تغيير الخصائص الكيميائية من خلال تأثير -على سبيل المثال- الأحماض الخارجة من الخزائن الخشبية التي يتم تخزين المصنوعات فيها.

يقول توماس كريستيانسن، المؤلف الرئيسي للدراسة: "إنه لإكمال دراسة هذه الأحبار الفريدة من نوعها، هناك حاجة إلى نُسخ حديثة من ذلك الحبر التاريخي من فترات زمنية أحدث، بالإضافة إلى الحاجة إلى دراسات لعينات التربة من الطبقات الأثرية التي عُثر فيها على البرديات"، وهو الاتجاه البحثي الذي يرى أن نتائج دراسته توجه إليه مستقبلًا.