"طالما لم يتوقف البشر عن الإساءة إليها فلن تكف الطبيعة عن محاربتهم، وعلينا أن نحذر غضبها؛ إذ أصبح أكثر ضراوة"، صيحة تحذير أطلقها أحمد عبد العال -رئيس الهيئة العامة للأرصاد الجوية في مصر- في أول تعليق له على دراسة نشرتها دورية ساينس أدفانسيس "Science Advances" مؤخرًا.

أشارت الدراسة إلى أن الكوارث المناخية، أو ما يُعرف بـ"الظواهر الجوية الجامحة" أوCompound Climate Extremes ، التى تضرب مناطق مختلفة من العالم من وقت لآخر، سوف تكون أكثر شيوعًا في المستقبل.

وتكتسب دراسة "الظواهر الجوية الجامحة" اهتمامًا متزايدًا من قِبَل الباحثين وخبراء المناخ، لما تسببه من تأثيرات تدميرية هائلة على البشر والنظم البيئية على حد سواء، مما دفع الباحثين "جاكوب زكيسكلر" و"سونيا سنفيراتن" -من "معهد علوم الغلاف الجوي والمناخ" في زيورخ بسويسرا- إلى دراسة تقييم المخاطر الناجمة عن ظاهرة تزايُد حالات الجفاف المصاحبة لمواسم الصيف شديدة الحرارة، وصولاً إلى رصد احتمالات تكرار تلك "الظاهرة الجامحة"، ومقارنتها بما كانت عليه خلال السنوات الماضية.

نماذج متناقضة

وأظهرت نتائج الدراسة أن ظاهرة "الصيف الحار المصحوب بالجفاف" يتم التهوين من مخاطرها، في حالة إذا ما اعتمدت الإحصائيات على دراسة معدلات الجفاف ودرجات الحرارة منفصلَين عن بعضهما، وهو ما يلجأ إليه الباحثون في علوم المناخ عادةً. وتُعد الدراسة هي الأولى التي تنادي بضرورة إجراء مزيد من الدراسات للوصول إلى إدراك أفضل لطبيعة تلك الظاهرة.

واستعرضت الدراسة عددًا من الأمثلة لظواهر جوية جامحة شهدها العالم مؤخرًا، منها الموجة شديدة الحرارة التي ضربت روسيا في صيف 2010. وتسببت هذه الموجة في اشتعال الحرائق بمساحات واسعة من الغابات، وتصاعدت سحابة دخان كثيفة غطت سماء موسكو وتسببت في وفاة عدد من السكان المحليين.

وبسبب موجة الحرارة في روسيا تعرضت باكستان لأمطار غزيرة، بعدما تسببت منطقة الضغط الجوي المرتفع فوق روسيا في إغلاق منطقة الضغط المنخفض فوق باكستان، مما أدى إلى تعرضها لأسوأ فيضانات على مدار عدة قرون.

ووفق تقديرات علماء المناخ، فإن "الظواهر الجامحة"، ومنها أيضًا الموجة الحارة التي تعرضت لها مناطق واسعة في غرب أوروبا ووسطها خلال صيف 2003، يُتوقع لها أن تتكرر كل مئة عام.

ولكن مع تزايُد معدلات الاحتباس الحراري، وما ينجم عنه من ارتفاع في درجات الحرارة، فإن تكرار هذه الظواهر أصبح تهديدًا أكثر شيوعًا، وفق ما أظهرت الدراسة، مما يتسبب في إلحاق أضرار بالغة بالقطاعات الزراعية والمجتمعية والاقتصادية. كما حذر القائمون على الدراسة من أن "العالم ليس مستعدًّا بالقدر الكافي لمواجهة تلك التهديدات".

 

أزمة "القمح والسياسة"

وأشارت الدراسة إلى أن عام 2010 شهد مثالاً تقليديًّا يوضح أن الحالات الجوية المتطرفة لا يتوقف تأثيرها عند بلد بعينه، إذ تَسبَّب الجفاف الذي شهدته روسيا خلال الصيف الحار فى ذلك العام، في تلف كميات كبيرة من محصول القمح، واضطرت موسكو إلى وقف صادرات القمح إلى مصر، للوفاء بالمتطلبات المحلية، وقد نتج عن ذلك ارتفاع حاد في أسعار القمح بمصر، مما أضر بقطاعات كبيرة من الشعب المصري، ولعل ذلك كان أحد الأسباب التي أدت إلى حالة عدم الاستقرار السياسي التي واكبت تلك الفترة وما بعدها.

وعرَّف أحمد عبد العال -رئيس هيئة الأرصاد الجوية المصرية- Compound Climate Extremes بأنها "ظواهر جوية شاذة"، مثل حالات العواصف الثلجية أو الترابية التي تضرب مناطق لم تعتدها، أو ارتفاع شديد في درجات الحرارة إلى معدلات غير مسبوقة، ولفت في تصريحاته لـ"للعلم"، إلى أن هذه الظواهر "الشاذة" ليست حديثة، وإنما عرفتها البشرية قديمًا، وشهدتها مصر في عهد نبي الله يوسف، إلا أن حدتها تزايدت مؤخرًا، وأرجع السبب الأول في ذلك إلى ارتفاع معدلات الاحتباس الحراري، نتيجة الإسراف في استخدام مشتقات البترول، والقضاء على المسطحات الخضراء.

ومن أمثلة تلك الظواهر في الدول العربية، أشارعبد العال -الذي يترأس أيضًا اللجنة العربية الدائمة للأرصاد الجوية- إلى بعض الظواهر غير المعتادة، مثل الأمطار الغزيرة التي تصل إلى حد السيول في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والأعاصير التي باتت تضرب سلطنة عُمان بين فترة وأخرى، بالإضافة إلى الأمطار الغزيرة التي ضربت السواحل المصرية على البحر الأحمر، وخاصةً منطقة "رأس غارب" الخريف الماضي، والتي وُصفت بأنها "الأعنف" من نوعها، إذ بلغت كميتها 120 مليون متر مكعب، وسببت دمارًا هائلاً.

حرب من أجل البقاء

وحذر عبد العال من أنه "طالما نحارب الطبيعة، فلن تكف عن محاربتنا، وعلينا أن نأخذ هذه التهديدات بجدية أكبر، إذ إن غضب الطبيعة أصبح أكثر ضراوة"، لافتًا إلى أن الموجة الحارة التي شهدتها أوروبا عام 2003، تسببت في ما يقرب من 38 ألف حالة وفاة، منها 14 ألفًا و300 حالة في فرنسا وحدها. أما بالنسبة لمصر، فقد شهد صيف 2015 ما يقرب من 100 حالة وفاة، نتيجة الإصابة بـ"الإجهاد الحراري"، وردًّا على سؤال عما إذا كان ذلك الصيف هو الأعلى حرارةً في مصر خلال الفترة الماضية، أجاب بالنفي، وأوضح أن سبب ارتفاع الوفيات في ذلك العام، نتيجة عدم قيام الإعلام بدوره كما يجب في توعية المواطنين بالإجراءات التي ينبغي عليهم اتباعها عند الشعور بـ"الإجهاد الحراري"، خاصة الأطفال وكبار السن، وهو ما تداركه العديد من وسائل الإعلام لاحقًا.

واختتم رئيس هيئة الأرصاد الجوية بقوله: "في السابق كنا نصف مناخ مصر بأنه حار جاف صيفًا، دافئ ممطر شتاءً، اليوم أصبح هذا الوصف في غير محله، فمناخ مصر الحالي شديد الحرارة والرطوبة صيفًا، شديد البرودة شتاءً"، مشيرًا إلى أن هناك لجنة من الهيئة تعمل على إعادة صياغة ذلك التوصيف.

مناخ مجنون

وذهب مجدي علام -الأمين العام لاتحاد خبراء البيئة العرب- إلى وصف "الظواهر الجامحة" بأنها "مؤشر على أن التقلبات الجوية الناجمة عن التغيرات المناخية دخلت "مرحلة الجنون" مبكرًا.

وتحدث لـ"للعلم" قائلاً: إن معظم خبراء المناخ كانوا يتوقعون أن تضرب موجات من الكوارث الطبيعية "الجسيمة" أنحاء مختلفة من العالم بحلول منتصف القرن الحالي نتيجة تغيُّر المناخ، إلا أن تزايد تكرار تلك الظواهر يشير إلى أن هذه الموجات قد تبدأ خلال سنوات قليلة، وربما قبل عام 2025.

وبينما أكد أنه "لا أحد يمكنه التنبؤ بحجم الكوارث التي قد تحدث مستقبلاً"، فقد لفت علام إلى أن العالم شهد خلال السنوات القليلة الماضية عددًا من الكوارث، أظهرت عدم قدرة حكومات العديد من الدول على التعامل معها، نظرًا لأنها إما كانت "مفاجئة" من حيث التوقيت، أو أنها حدثت في أوقات متوقعة ولكنها كانت "أكثر ضراوة" مما كان منتظرًا.

وزارة للكوارث

وبالنسبة لما يمكن أن تتعرض له مصر، أوضح علام أن هناك مؤشرات على تعرُّض مناطق واسعة في شمال الدلتا للغرق، خاصةً في المنطقة الواقعة بين مدينة "رشيد" بمحافظة البحيرة و"أبي قير" بالإسكندرية، حيث يُتوقع غرق ما بين 8% و12% منها، ومعظمها مناطق مأهولة بالسكان. وأكد أن الدراسات أثبتت ارتفاع نسبة الملوحة في تربة تلك المناطق نتيجة ارتفاع مستوى المياه في البحر المتوسط، بالإضافة إلى دراسات أخرى تشير إلى أن هناك تهديدًا خطيرًا يواجه بعض المناطق شرق قناة السويس، بسبب التغيرات المناخية.

وشدد علام على ضرورة أن تتنبَّه الحكومة المصرية لتلك التهديدات، وتعمل على إيجاد مناطق بديلة للتوسع العمراني ونقل سكان المناطق المهددة إليها، معتبرًا أن منطقة "غرب النوبارية"، بمحافظة البحيرة، تُعد أكثر المناطق المؤهلة لذلك. كما دعا إلى ضرورة الإسراع بإنشاء وزارة معنية بإدارة الأزمات والكوارث الطبيعية في مصر، مشيرًا إلى مثل هذه الوزارة يُوجَد في تشكيل حكومات العديد من دول العالم، خاصةً وأن مصر ليست بمنأى عن تداعيات التغيرات المناخية.