قبل 66 مليون سنة ، ضرب نيزك قطره 9 كيلومترات شبه جزيرة "يوكاتان" المكسيكية، مُحدثًا فتحةً عرضها 180 كيلومترًا وعمقها 20 كيلومترًا، ومؤديًا إلى انقراض عدد كبير من الكائنات وعلى رأسها الديناصورات.

يُعرف هذا النيزك الذي بلغت سرعته 20 كيلومترًا في الثانية، بـ"نيزك تشكسيولب"، ويمكن وصفه بـ"الكويكب الذي غير تاريخ الأرض"، إذ تسبب ارتطامه بالأرض في تسخين مواد الهيدروكربونات والكبريت المطمورة في الصخور الرسوبية بمنطقة الارتطام، ما أدى إلى تكوُّن ما يُعرف بالسناج (السخام) الستراتوسفيري stratospheric soot والهباء الكبريتي sulfate aerosols في طبقات الغلاف الجوي، وهو ما أحدث تبريدًا ساد الكرة الأرضية، أعقبه جفافٌ شديد. كما أدى السناج الستراتوسفيري إلى تكوُّن ضباب امتص الضوء مُحدِثًا تغيُّرات كبرى في المناخ، نتج عنها انقراض الديناصورات وعدد من الحيوانات، وحدوث طفرة تطورية للثدييات اللاحقة وظهور الإنسان.

ووفقًا للدراسة، التي أجراها باحثان من جامعة توهوكو اليابانية، ونشرتها دورية "نيتشر ساينتفيك ريبورتس" في شهر نوفمبر الماضي، بقيت تداعيات سقوط النيزك منخفضةً لأنه لم يضرب المناطق الأكثر غنًى بالهيدروكربونات، والتي تغطي حوالي 13٪ من سطح الأرض، ولكنه على الرغم من ذلك قد غير تاريخ الحياة على الأرض. ومن الجدير بالذكر أن مقدار الهيدروكربونات والكبريت في الصخور يختلف اختلافًا كبيرًا من مكان لآخر، وعليه فإن مستويات التبريد ومعدلات الانقراض تعتمد على موقع التأثير.

حساب الشذوذ الحراري

تشير الدراسة إلى أن الباحثين أجريا حسابات دقيقة لكمية السناج في الغلاف الجوي، وتمكَّنا من تقدير التغيرات المناخية التي حدثت بفعله وشرح أنماط التعايش والانقراض التى ترتبت عليه. واستعانا في ذلك بنموذج طوره الباحث المشارك في الدراسة "ناجا أوشيما" بمعهد البحوث المناخية والأرصاد الجوية بجامعة توهوكو.

ولاعتقاده بأن كمية السناج والشذوذ الحراري ربما كانتا قد تأثرتا بكمية المادة العضوية الرسوبية، أجرى كونيو كايهو -الباحث الرئيس للدراسة، وأستاذ دراسة الحفريات والمناخ القديم بكلية علوم الأرض في جامعة توهوكو- تحليلات لكمية المادة العضوية في الصخور الرسوبية؛ للحصول على تقديرات توضح حجم الشذوذ الحراري الذي أحدثه السناج في الغلاف الجوي.

وأظهرت نتائج الدراسة أن السناج الناتج من المناطق الغنية بالهيدروكربونات أحدث تبريدًا عالميًّا يتراوح قدره بين 8 درجات و11 درجة سيليزية، في حين أحدث تبريدًا للقشرة الأرضية يتراوح قدره بين 13 إلى 17 درجة سيليزية.

وأوضحت الدراسة حدوث انخفاض حاد في كمية الأمطار بلغت 70 إلى 85%؛ وذلك نتيجة تأثير الكربون الأسود. كما انخفضت درجة حرارة مياه البحر بمقدار 5 إلى 7 درجات سيليزية في عمق 50 مترًا، مما أدى إلى الانقراض الجماعي للديناصورات وكائنات أخرى، وفقًا للدراسة.

في ذلك الوقت، كانت المناطق الغنية بالمواد الهيدروكربونية هي "الهوامش الساحلية"، حيث ترتفع إنتاجية الطحالب البحرية، وتتركز الصخور الرسوبية. وبعد حدوث الارتطام تحول الجزء الأكبر من هذه المناطق إلى سناج بفعل الحرارة العالية الناتجة عن الارتطام.

وتوصل الباحثان إلى أن النيزك ألقى بقرابة الـ230 مليون طن من السناج في المناطق التي يرتفع فيها تركيز الهيدروكربونات في الغلاف الجوي، وتبلغ نسبتها 10% منه، في حين بلغت أقصى كمية له "2300 مليون طن" في المناطق التي ترتفع فيها تركيزات الهيدروكربونات "بصورة كبيرة جدًّا" في الغلاف الجوي والتي تشغل 2% منه.

الحظ السيئ

يقول كايهو في تصريحات لـ"للعلم": "يبدو أن الديناصورات كانت سيئة الحظ جدًّا لوجودها في المنطقة الأكثر غنًى بالمواد العضوية الرسوبية وبالتالي الأكثر خطورة". وأضاف أن ارتطام النيزك أدى إلى إطلاق العنان للزلازل والفيضانات حول العالم، إذ عملت المواد المتفجرة العالقة بالغلاف الجوي على حجب أشعة الشمس بالغبار والسناج الكبريتي وتبريد القشرة الأرضية حتى 10 درجات سيليزية.

ويكمل كايهو قائلًا: "هذا الحدث الكارثي أدى إلى انهيار النظام البيئي للأرض، فذبلت النباتات وانقرض 75% من الكائنات الحية البحرية والبرية".

من جهته، يقول "أوشيما" لـ"للعلم": إن النيزك لو كان قد ارتطم بالأرض في أي مكان آخر بخلاف شبه جزيرة يوكاتان ومنطقة خليج المكسيك، لكان تأثيره أقل، ولبقيت الديناصورات على قيد الحياة. ففي العصر "الكريتاسي/ الباليوجين"، وتحديدًا قبل 66 مليون سنة، شكَّل موقع سقوط النيزك أهميةً كبيرةً بالنسبة لانقراض الديناصورات"، مرجحًا احتمالية بقاء الديناصورات على قيد الحياة في حال سقوط النيزك في مكان آخر، وفق قوله.

يوضح أوشيما أن الكائنات الحية التي تعود إلى حقبة الميزوزوي (نسبة إلى حقبة الحياة الوسطى التي استغرقت نحو 140 مليون سنة بين 200 إلى 65 مليون سنة سبقت)، كان من الممكن أن تقاوم وتستمر حياتها لما بعد العصر الكريتاسي (منذ 135 إلى 65 مليون سنة)، مضيفًا: "نحن مستمرون في العمل وإجراء المزيد من الدراسات لفهم الكيفية التي حدث بها الانقراض الكبير".

مزاعم ومبالغات

استعانت الدراسة بعدد من المراجع، كان من بينها دراسة أجراها عام 2013 دوجلاس روبرتسون، الأستاذ المتخصص في دراسة نظرية التطور والمناخ القديم بجامعة كولورادو الأمريكية.

وبالعودة إلى روبرتسون للتعليق على الدراسة الحديثة بعد الاطلاع عليها مع فريقه البحثي، صرح لـ"للعلم" بأن: "كايهو وأوشيما تجاهلا الدليل على وجود نبض حراري ناجم عن إعادة دخول المقذوفات البركانية، وهو موضوع دراستنا في عام 2013. كما أن الدراسة تقلل من شأن غزارة السناج الذي أمكن قياسه مباشرة في رواسب حقبة الكريتاسي/ الباليوجين".

وأضاف روبرتسون أن الدراسة زعمت أن الهيدروكربونات كانت مصدر السناج دون تقديم أي دليل يدعم هذا الاستنتاج، ودون أن يأخذ الباحثان بعين الاعتبار الحسابات والتقديرات التي انتهينا إليها في ورقتنا البحثية التي صدرت عام 2013 وأشرنا فيها بوضوح إلى أن الهيدروكربونات المحلية كانت غير كافية لتفسير ذلك السخام. "أعتقد أن كايهو وأوشيما قد بالغا في تقدير أهمية مكونات الصخر المستهدف -موقع الارتطام- الذي استخدماه محورًا لدراستهما" وفق روبرتسون.

ظهور الإنسان

وعلى الرغم من اتفاقه مع روبرتسون "إلى حد كبير"، لا يقلل هشام سلام -أستاذ الحفريات الفقارية في كلية العلوم بجامعة المنصورة- من النتائج التي توصلت لها الدراسة، مشيرًا إلى أنها "نتائج جيدة ومبنية على أسس علمية وإحصائية سليمة".

يقول سلام في تصريح لـ"للعلم": "ما من سبب معروف للإجابة عن السؤال المتعلق بحدوث الارتطام في هذه المنطقة (شبه جزيرة يوكاتان)، لكن إذا كان النيزك قد ارتطم في أي جزء آخر من العالم، فإن الديناصورات كانت ستنجو من هذا الحدث بالتأكيد، وبالتالي تزيد احتمالية عدم وجود الثدييات ومن بينها الإنسان الآن".

يوضح أن "الارتطام أدى إلى انقراض 75% من الكائنات الحية على سطح الأرض، ومن أشهر الحيوانات التي انقرضت عن آخرها الزواحف المائية كـ"الميزوصور"، والزواحف الطائرة كـ"التيروصور"، ولم ينجُ من الديناصورات بعد هذا الارتطام سوى الطيور، التي يصنفها العلماء على أنها أحفاد الديناصورات".