تشبه قصة الالتهاب الكبدي الوبائي "سي" حبكةً روائيةً غايةً في التشويق والغموض، بدءًا من الملابسات الأولى لعملية اكتشاف الفيروس، وانتهاءً بالوصول إلى محطة العلاج. الرواية التي تبدأ بطرح السؤال اللغز.. مَن فعل ذلك؟ تحظى أحداثها بمطاردة مثيرة للمشتبه به، كما تتخللها جهود مضنية للإمساك بالجاني، ذلك الفيروس القاتل شديد الصغر، وإخضاعه لإجراءات الفحص والتحليل. وعلى الرغم من أن أحداث هذه الرواية لم تنتهِ بعد، إلا أن المعركة ضد الفيروس والمرض، تتصاعد أحداثها باستمرار، حتى أضحت واحدةً من أروع "قصص المجد في مسيرة البحث العلمي الحديث".[1]

جزء من تاريخ البشرية

hepatitis، أو التهاب الكبد، هو مزيج من كلمات يونانية تصف الكبد والالتهاب. ينشأ المرض بشكل أساسي بسبب العدوى الفيروسية، على الرغم من أن الإفراط في تعاطي الكحول، والسموم المنتشرة في البيئة التي نعيش فيها، وأمراض المناعة الذاتية، هي أيضًا أسباب ذات أهمية في حدوث الإصابة به.[2]

ولطالما كان الكبد الفيروسي، أو التهاب الكبد الوبائي، جزءًا من تاريخ البشرية. فقد أدرك الأطباء منذ زمن بعيد، أن التهاب الكبد أحد أسباب اليرقان، وأن حالة الاصفرار التي تصيب بياض العينين والجلد تحدث نتيجة تراكُم نوع معين من الصبغات في الجسم بسبب فشل الكبد في التعاطي الأمثل منها.[3]

وقد أضحت أعراض المرض الآن مألوفةً لدى الكثيرين: آلام في البطن، إرهاق وتعب، واصفرار في الجلد والعينين، وفي كثير من الحالات الخطيرة، يصاب المريض بالفشل الكبدي، وقد تتطور الأعراض لتنتهي بالموت.

ولكن حتى بدايات القرن العشرين، لم يكن العلماء قد اكتشفوا أن معظم حالات التهاب الكبد يقف وراءها فيروسات تصيب خلاياه، قبل أن ينجحوا في تمييزها إلى مرضين مختلفين، بناءً على خصائص كل واحد منهما، كلا المرضين خطر، لكنهما اختلفا في كيفية انتشارهما وكيفية جعل الناس مرضى.[4]

ففي الأربعينيات من القرن الماضي، أصبح من الواضح أن هناك نوعين رئيسيين من التهاب الكبد المُعدي. الأول، المسمى التهاب الكبد "إيه"، ينتقل عن طريق تلوث الماء أو الطعام، وله تأثير طويل الأمد على المريض بشكل عام. أما النوع الثاني، فينتقل عن طريق الدم وسوائل الجسم، ويمثل تهديدًا أكثر خطورة، خاصةً في حال تطوره إلى حالات من تليُّف الكبد أو إلى إصابة الكبد بالسرطان.[5]

وفي الخمسينيات حدث أمرٌ غايةٌ في الأهمية، عندما طور باحثون اختباراتٍ دالةً على تضرُّر الكبد، ترتكز على قياس مستويات إنزيمات معينة، فعندما يتضرر الكبد يطلق تلك الإنزيمات في مجرى الدم، حيث يمكن قياس تركيزاتها بسهولة. [6]

ظلت الأمور على هذا الحال إلى أن حقق بي بلمبرج -من المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة (NIH)- كشفًا علميًّا عظيمًا، إذ جرى اكتشاف بروتين رئيسي -بصمة فيروسية- من فيروس التهاب الكبد "بي" في عام 1963، في دماء المصابين بالفيروس، ما أتاح عمل اختبارات موثوقة للكشف عن الفيروس. وقد نال "بلمبرج" جائزة نوبل عن هذا الاكتشاف الهائل. وبعد قرابة عقد من الزمن، تمكَّن إس إم فاينستون، الباحث بالمعاهد ذاتها، من تعيين بصمة عامل فيروسي آخر في براز أحد مرضى الالتهاب الكبدي "إيه"، وهو ما أسفر عن تطوير اختبارات يمكنها رصد الفيروس وتحديد هويته أيضًا.[7]

ينتقل فيروس التهاب الكبد "إيه" من شخص إلى آخر عبر المياه أو الأغذية الملوّثة به، وكذلك عبر بعض الممارسات الجنسية. إلا أنه من الملاحظ أنّ الإصابات الناجمة عنه، تكون في غالبيتها خفيفة، يمكن الشفاء منها تمامًا، بل والاحتفاظ بمناعة ضدّ الفيروس. كما أنّ هناك لقاحات مأمونة وناجحة للوقاية من هذا الفيروس. غير أنّه يمكن لبعض تلك الإصابات أن تكون وخيمة، تهدد أرواح مَن يصابون بها. أما فيروس "التهاب الكبد بي" فينتقل من خلال التعرُّض لسوائل الجسم الملوّثة به، كالدم والمني. وعليه يمكن أن ينتقل خلال عمليات نقل الدم الملوّث به أو منتجاته، وعن طريق استعمال الحقن الملوّثة به في أثناء المعالجات الطبية، أو في أثناء تعاطي المدمنين المخدِّراتِ حَقنًا. كما يمكنه الانتقال من الأمهات الحاملات له إلى أطفالهن الرضّع في أثناء الولادة. ويشكّل هذا الفيروس كذلك خطرًا كبيرًا على مقدمي خدمات الرعاية الصحية، الذين قد يتعرّضون -دون قصد- لإصابات بالإبر في أثناء تقديم الرعاية للمصابين به. ومع ذلك، فإن هناك لقاحًا مأمونًا وفعالًا للوقاية من هذا الفيروس أيضًا. [8]

الجاني المتخفي

بحلول منتصف السبعينيات، استطاع باحثو NIH -وتحديدًا قسم طب نقل الدم- التوصُّل إلى أن هناك حالات التهاب كبد متبقية لا تعود إلى أيٍّ من الفيروسين المعروفين آنذاك. لقد تَبيَّن أن هناك شيئًا آخر يضر بالكبد، كانت العلامات تشير إلى فيروس ثالث. فيروس يمكنه أن ينتقل عن طريق الدم الملوث مثل التهاب الكبد "بي"، كما يمكنه أن يؤدي إلى عدوى مزمنة وتليُّف للكبد. وعلى عكس التهاب الكبد "بي"، نادرًا ما كان الأشخاص المصابون بهذا المرض يعانون من أعراض حادة، فالمرض يمكن أن يتطور إلى حالة مزمنة قبل أن يكون لدى الفرد أي أعراض واضحة، أو أي علامات تدل على أنه أصيب. على مدار الخمسة عشر عامًا التالية، كان الجاني المتخفي وراء هذا المرض غيرَ معروف، وبالتالي كان يُطلق على المرض ببساطة اسم التهاب الكبد الذي هو ليس بي أو إيه.[9]

درس هارفي أولتر الذي يعمل باحثًا بمعاهد NIH، آليات انتقال التهاب الكبد خلال عمليات نقل الدم. وقد أظهر "أولتر" أن هناك عاملًا فيروسيًّا ثالثًا مُمْرِضًا ينتقل عن طريق الدم أيضًا، ويمكنه أن ينقل المرض إلى الشمبانزي.[10]

وذلك قبل أن يهتدي مايكل هاوتن، وزملاؤه من شركة تشيرون للتقنية الحيوية في كاليفورنيا، من تحديد هوية فيروس التهاب الكبد "سي"، من خلال عينات مأخوذة من شمبانزي مصاب بالعدوى، باستخدام تقنية استنساخ الحمض النووي، ليصبح بذلك أول عامل مُعدٍ يجري اكتشافه كلِّيًّا بواسطة هذه التقنية. قام الباحثون فيما بعد بوصف كامل المادة الجينية للفيروس والتوصل إلى أداة تشخيصية، عبارة عن اختبار يكشف عن أضداد التهاب الكبد الفيروسي "سي" في الدم.[11]

كما استخدم فريقٌ بقيادة تشارلز رايس الذي كان يعمل آنذاك في جامعة واشنطن في سانت لويس بولاية ميسوري، تقنيات الهندسة الوراثية لتوصيف جزء من جينوم التهاب الكبد "سي" المسؤول عن تكاثر الفيروس، للتدليل على دوره في التسبب في أمراض الكبد.[12]

في الإعلان الذي جرى يوم الإثنين الماضي، فاز العلماء الثلاثة -الأمريكيان هارفي جيه ألتر وتشارلز إم رايس، والعالِم البريطاني المولد مايكل هوتن- لعملهم على مدى عدة عقود في مرض لا يزال يصيب أكثر من 70 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، ويقتل أكثر من 400000 كل عام، بجائزة نوبل في الطب لاكتشافهم فيروس التهاب الكبد الوبائي "سي" المدمر للكبد، وهو اختراق أدى إلى ابتكار علاجات للمرض القاتل واختبارات لمنع انتقال العدوى عبر عمليات نقل الدم.

عمل "رايس"، البالغ من العمر 68 عامًا، في مجال البحث عن التهاب الكبد في جامعة واشنطن في سانت لويس، وهو الآن يعمل في جامعة روكفلر في نيويورك. كما عمل "أولتر"، 85 عامًا، لعقود في معاهد الصحة الوطنية الأمريكية ولا يزال عالمًا فاعلًا هناك. وُلد "هوتن"، 69 عامًا، في بريطانيا، وعمل في مجال أبحاث العلاج الخاصة بالتهاب الكبد في شركة تشيرون، قبل أن ينتقل إلى جامعة ألبرتا في كندا.

علقت لجنة نوبل -في إعلانها عن الجائزة في ستوكهولم- على أهمية هذا الإنجاز العلمي بقولها: "يمكن الآن الشفاء من المرض، مما يرفع الآمال في القضاء على الفيروس من العالم". ويتمثل التحدي الآن في جعل هذه الأدوية التي لا تزال باهظة الثمن متاحةً على نطاق أوسع ووقف انتشار المرض بين متعاطي المخدرات الذين أدى تقاسمهم للإبر إلى ارتفاعٍ حادٍّ في معدلات الإصابة.  وهو ما عقَّب عليه "أولتر" يقوله: "ما نحتاجه هو الإرادة السياسية لاستئصال الفيروس" وجعل الأدوية ميسورة التكلفة بما يكفي لتحقيق هذا الهدف.

وعن أهمية هذا الإنجاز العلمي الهائل، قال جيسي جودمان، خبير سابق في سلامة الدم في إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، وهو الآن يعمل  بجامعة جورجتاون: إنه قبل توافر الاختبار، كانت عمليات نقل الدم تحمل احتمالات خطر انتقال الفيروس إلى حوالي 1 من كل 10 عمليات نقل دم تجري، "أما الآن فهو واحد من كل مليون"، وفق "جودمان".[13]

 

[3] تحديات ما زال يطرحها التهاب الكبد الجيمي، مجلة العلوم، المجلد 16- العدد 4، أبريل/ نيسان 2000، ص 34

[6] مصدر سابق

[7] مصدر سابق

[10] www.nature.com/articles/d41586-020-02763-x

[11] مصدر سابق