دراسة جديدة1 تدعم فرضية وجود رابط بين الجفاف والحرب السورية والموجة التالية من اللاجئين، موضحةً أن تغيّر المناخ يمكن أن يؤدي إلى الهجرة، لكن الدراسات التي تبحث الارتباطات بين تغيّر المناخ ونشوب النزاعات والهجرة صعبة ومثيرة للجدل، ويحذّر الخبراء من قبول التفسيرات البسيطة والمباشرة.

برزت فكرة أن تغيّر المناخ يتسبّب في نشوب نزاعات عنيفة بوصفها أحد المخاوف المتعلقة بالسياسات العامة وكذلك كموضوع للبحث في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، لا سيّما بعد نشر اللجنة العالمية المعنية بالبيئة والتنمية WCED تقريرها الذي حمل عنوان "مستقبلنا المشترك" عام 1987.

ورغم أن العقود الثلاثة التي مرَّت منذ ذلك الحين، شهدت غزارة في الأبحاث التي تناولت هذا الموضوع، فإن توافق الآراء بخصوص الفكرة ظل بعيد المنال. يقول سايمون دالبي، الباحث في مجال الأمن البيئي في "مدرسة بولسيلي للشؤون الدولية" بكندا: "يرجع ذلك إلى وجود أجندات بحثية متنوعة ضمن هذا المزيج، وليست كلها متوافقة"، ويضيف: "ومع ذلك، يشير أغلب الأبحاث إلى أنه على الرغم من أن المناخ يمثل بلا شك مشكلة بالنسبة للعديد من الأشخاص، فإن الوضع الاجتماعي في أماكن معينة هو الذي يُحدّد ما إذا كانت الاستجابات عنيفة أم لا".

وقد تردّدت أصداء هذه النظرة من خلال نتائج الدراسة الأخيرة، وجمع باحثون، بقيادة رايا موتاراك من "المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية" IIASA في النمسا، بياناتٍ بخصوص طلبات اللجوء السياسي من 157 بلدًا بين عامي 2006 و2015، وبيانات عن شدة الجفاف من الأمم المتحدة، وإحصائيات الوفيات المرتبطة بالمعارك من "برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات"، ودمجوا تلك البيانات في ثلاث معادلات نمْذَجت تأثير المناخ على نشوب النزاعات، وتأثير النزاعات على احتمالات السعي للحصول على اللجوء السياسي، وأخيرًا، كيفية تحوّل ذلك إلى عدد الأفراد الساعين للحصول على اللجوء السياسي.

تقول موتاراك: "بدأت فكرة هذا البحث مع أزمة الهجرة إلى أوروبا في صيف عام 2015"، وتشير إلى أن العديد من وسائل الإعلام كانت تربط تلك الأزمة بالتغيّر المناخي، ولكن دون تقديم أي دليل على هذا الارتباط، وتضيف: "لذا كانت نقطة البداية بالنسبة لي هي: لنلقِ نظرة على البيانات لمعرفة ما إذا كانت تدعم ذلك الربط أم لا".

ظاهرة محلية

تعيد الروايات بخصوص الحرب السورية إلى الأذهان تفاصيل النزاع في دارفور خلال الفترة من 2003 إلى 2005، والذي قال الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون2 إنه "بدأ كأزمة بيئية نشأت -جزئيًا على الأقل- من تغيّر المناخ"، ملقيًا اللوم على دور الجفاف في التسبب في زيادة التوتر بين الرعاة العرب والمزارعين السود.

وفي عام 2007، بدأت أسوأ نوبة جفاف مُسجَّلة تشهدها سوريا، وعزى الخبراء ذلك الجفاف إلى تغيّر المناخ بسبب الأنشطة البشرية، ويزعم المعلِّقون أن الأزمة الزراعية الناجمة عن ذلك دفعت سكان الريف للنزوح نحو المدن، مما أدى إلى تفاقم التكدس الزائد عن الحد فيها، وزيادة نسب البطالة وعدم المساواة، مما أفضى في نهاية المطاف إلى الاضطرابات والنزاعات السياسية.

لم يجد التحليل الجديد ارتباطًا عالميًا بين المناخ ونشوب النزاعات والهجرة في الفترة من 2006 إلى 2010، لكن كان ثمة ارتباط خلال الفترة بين عامي 2011 و2015، فعندما حلّل الفريق البيانات مرة أخرى للفترة بين عامي 2010 و2012 مع التركيز على نحو خاص على دول غرب آسيا وشمال إفريقيا، وجدوا ارتباطًا قويًا بتغيّر المناخ.

تقول موتاراك: "علمنا من هذه النتيجة أن تأثير النزاعات الناجمة عن المناخ على الهجرة ظاهرة محلية، إنها تنطبق فقط على بلدان معينة وفترات زمنية محددة، إنها ليست ظاهرة عالمية".

علمنا من هذه النتيجة أن تأثير النزاعات الناجمة عن المناخ على الهجرة ظاهرة محلية.

يوضِّح الباحثون أن تغيّر المناخ يؤدي إلى السعي للجوء السياسي فقط في البلدان التي تمرّ بمرحلة تحوّل سياسي، ولا يكون المواطنون فيها راضين عن استجابة الحكومة للصدمات المناخية، مثل الجفاف أو تلف المحاصيل.

لكن جان سيلبي، الباحث في العلاقات الدولية بجامعة ساسكس بالمملكة المتحدة، ومدير "مركز ساسكس لأبحاث النزاعات والأمن" -والذي لم يشارك في الدراسة- يشير إلى أن "تفسير الباحثين في الوقت الراهن ادّعاءٌ قاطع وليس ادعاءً اختبروه بالفعل، وسيكون من المثير للاهتمام التفكير في كيفية إثبات ذلك واختباره".

نتائج متضاربة

يتعارض هذا الاعتماد على السياق مع دراسات أخرى وجدت تأثيرًا عامًا للمناخ على نشوب النزاعات، مثل البحث المنشور عام 2017 3 الذي أفاد بوجود علاقة ترابط عامة بين درجات الحرارة وزيادة أعداد الساعين للجوء السياسي في الفترة من 2000 إلى 2014، كما تناقض نتائج الدراسة أيضًا نتائج دراسات أخرى أجريت خلال عقود سابقة، لخصها سايمون دالبي في عام 2013 حين كتب4: "مرة أخرى أظهرت أبحاث ميدانية جديدة، في مناطق النزاعات المحتملة خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أن نوبات الجفاف وغيرها من الاضطرابات المناخية تُسهم بقدر ضئيل في النزاعات المعاصرة، على الأقل حتى الآن".

ويعزى غياب التوافق في الآراء -جزئيًا على الأقل- إلى اختلافات في التعريفات والمقاييس المستخدمة في تشفير البيانات؛ مثل: ما الذي يُعتبر "نزاعًا"، وأي أنواع الهجرة يجري تضمينها، وكيف يقاس تغيّر المناخ، كذلك فإن النتائج تعكس تعقيد المسألة؛ فتغيّر المناخ يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على نشوب النزاعات أو الهجرة من خلال آليات سببية لا تحصى تتضمن عددًا كبيرًا من المتغيرات.

ربما لا تكمن المشكلة في عدم وجود "توافق في الآراء حتى الآن"، وإنما في أنه لن يكون هناك "توافق في الآراء على الإطلاق".

ترى موتاراك أن النتائج المتباينة تعكس تطورًا مستمرًا. وتقول: "في مرحلة ما، سوف يتطوَّر المجال بمعنى أنه قد تكون ثمة طريقة أكثر منهجية لقياس الأشياء، إضافة إلى مزيد من البيانات، أعتقد أن الأمر سيستغرق على الأرجح 15 أو 20 عامًا قبل أن تكون هناك نتائج ملموسة بشأن هذا الموضوع".

ويرى سيلبي أن النتائج المتضاربة علامات على برنامج أبحاث غير ذي جدوى، ففي مقال نُشر عام 2014 5 ينتقد الجهود التي تربط بين تغيّر المناخ والنزاعات، كتب: "ربما لا تكمن المشكلة في عدم وجود "توافق في الآراء حتى الآن"، وإنما في أنه لن يكون هناك "توافق في الآراء على الإطلاق".

تحديات إجراء الأبحاث بخصوص المسائل المعقدة

ويعتمد جزء من نقد سيلبي على رأيه القائل إن البحث الكمي -الذي يدرس التعقيد الاجتماعي عن طريق عزل عدد من المتغيرات، ومن ثم يختزلها في أعداد، ثم يبحث عن علاقات تجمع بين تلك الأعداد- طريقة خاطئة في التعامل مع هذه الأمور، وبدلًا من ذلك، فهو يدعو إلى تبنّي نهج نوعي لا يحدد عدد المتغيرات ويجمع بين التحليل الوثائقي، والمقابلات الشخصية، والجغرافيا الإثنية (وصف الأعراق البشرية) لتحليل الأسباب التي تدفع الناس لفعل الأشياء، وأسباب ذلك، بكل تعقيداتها.

يقول سيلبي إنه على الرغم من دقة "التحليلات العلمية للجفاف والنزاع السوري، فإنها لم تتناول التحرّر الاقتصادي للمجتمع السوري وآثاره العميقة حتى قبل وقوع الجفاف، أو كيفية التفاعل بين الجفاف والتحرّر الاقتصادي"، ويضيف: "لم يتحدّث أيّ منها عن آثار ارتفاع أسعار الوقود خلال عامي 2007 و2008 على النشاط الزراعي في شمال شرق سوريا".

وأظهر تحليله للحرب السورية6 أن نشاط الرعي في شمال شرق سوريا لم يكن شديد الاعتماد على المراعي وإنما على نقل الحيوانات إلى أماكن تحتوي على طعام، ويفسِّر: "من نواح عديدة، كان الرعاة أكثر اعتمادًا على سهولة الوصول إلى الوقود الرخيص من اعتمادهم على المساحات الخضراء الناتجة عن سقوط الأمطار"، مما قاده إلى استنتاج أن الأزمة الزراعية التي أدت إلى اندلاع الحرب السورية نتجت عن عوامل تنظيمية وسياسية وليس عن تغيّر المناخ.

"إننا لا نعيش في وضع مستقر يتسبب تغير المناخ في الضغط عليه، نحن نعيش في اقتصاد ديناميكي متغيّر، والمناخ مجرد عامل واحد ضمن مزيج من العوامل العديدة التي تؤثر فيه".

وقد يؤدِّي الإطار المؤسسي والسياساتي الذي يوجّه هذا البحث إلى تقييد القضايا التي يجري بحثها، فعلى سبيل المثال، يشير سيلبي إلى أن الأبحاث ركَّزت فقط على النزاعات الناجمة عن عوامل بيئية، وليس عن نتائج جهودنا للتخفيف من تغيّر المناخ.

وحسبما يقول، فليس هناك أي نقاش بشأن النزاعات والآثار الأمنية المترتبة على التكيّف مع مناخ متغيّر، مثل بناء سد ما، أو جهود إزالة الكربون التي من شأنها إجبار البلدان ذات الاقتصادات المعتمدة على الوقود الأحفوري على عدم استغلال تلك الموارد.

كما تميل الأبحاث التي تربط بين المناخ والنزاعات إلى التركيز على الأزمات في الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية، لا سيّما في المناطق الريفية، كتب سايمون دالبي يقول إن السياسات الناتجة "قد تقدم تبريرات مألوفة وملائمة للأعمال العسكرية في إفريقيا وآسيا من جانب دول الشمال"، مؤكدًا أن هذا النهج يعالج أعراض تغيّر المناخ وليس الأسباب، التي تستند إلى استهلاك المدن الحضرية.

ويرى سيلبي أن هذا يعكس مشكلة أكثر عمقًا في الأبحاث المتعلقة بتغيّر المناخ والأمن، ويقول إن لها "أصداء قوية للغاية في العلم العنصري والخطاب العام العنصري"، وعن طريق تجاهل السياقات السياسية والاقتصادية والتاريخية للمجتمعات في سوريا أو دارفور، تتعامل الأبحاث المتعلقة بالمناخ معها في الأساس بوصفها مجتمعات ساكنة، ولا تتأثر بالتاريخ، وتفتقر إلى الإدارة، وفقط تستجيب لبيئتها بدلًا من أن تُشكِّلها، والنتائج الناجمة عن ذلك "تكاد تعطي الانطباع بأن أهل دارفور وسوريا ليسوا فاعلين اقتصاديين أو سياسيين على الإطلاق وليس لديهم تاريخ اقتصادي، وأنا أعتقد أن هذه الادِّعاءات مقلقة للغاية".

إن الأهمية السياسية لكل من تغيّر المناخ والهجرة تجعل من إجراء بحث شامل ودقيق في الارتباط بينهما أمرًا حتميًا، ولكنه في غاية الصعوبة أيضًا. وتزعم موتاراك أن هذا البحث يمكن أن يوفر لصانعي السياسات أساسًا إحصائيًا سليمًا لاتخاذ القرارات، فعلى سبيل المثال، النتائج التي توصلت إليها تُحدّد الظروف التي يمكن فيها لـ"بناء القدرة على التكيف ومساعدة الفئات المهمشة من السكان على مواجهة الضغوط المناخية أن يحد من النزاع على الموارد النادرة".

ويقول دالبي إن الروابط بين تغير المناخ والنزاعات يجب أن يُنظر إليها دائمًا في سياق "الاقتصاد السياسي الأكبر للتحوّلات الريفية في العالم المعاصر"، ويضيف: "إننا لا نعيش في وضع مستقر يتسبب تغير المناخ في الضغط عليه، نحن نعيش في اقتصاد ديناميكي متغيّر، والمناخ مجرّد عامل واحد ضمن مزيج من العوامل العديدة التي تؤثر فيه؛ وهو عامل لا بدّ من الإقرار أن أهميته تتزايد على نحو مستمر".