عقب أبحاث وجهود تطوير حثيثة ومتضافرة على مستوى العالم، تم توزيع ما يقرب من 275 مليون جرعة من لقاحات كوفيد-19 المعتمدة، بما يغطي نحو 3.5% من سكان العالم، ورغم ذلك، فإن معظم تلك الجرعات تم توزيعها في 10 دول يمثل إجمالي الناتج المحلي لها 60 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، وفق بيان مشترك صادر عن منظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة – يونيسف (UNICEF) يوم 10 فبراير 2021.

وينبغي على جميع البلدان السعي نحو تحقيق هدفين متعلقين بعملية التلقيح، وهما: تقليل معدلات الوفيات وحالات الإصابة الشديدة عبر تلقيح الفئات الأكثر عرضةً للعدوى، وبلوغ مناعة القطيع عبر تلقيح نحو 70% من سكانها، وفق قول إسلام عنان، الرئيس التنفيذي لمؤسسة استشارية في مجال الأبحاث الدوائية والرعاية الصحية، والمحاضر بمجال اقتصاديات الدواء في جامعة عين شمس بالقاهرة بمصر، الذي أضاف: "السبيل المُثلى لتحقيق هذين الهدفين هي تلقيح 20% على الأقل من الفئات المعرضة للخطر بأسرع وقت ممكن، ثم التركيز على تحقيق مناعة القطيع مع حلول عام 2022".

بعض الدول العربية أقرب إلى تحقيق هذين الهدفين من غيرها، على سبيل المثال، الإمارات العربية المتحدة قد وزعت ما يزيد على ستة ملايين جرعة من اللقاح بمعدل توزيع يبلغ 62 جرعة لكل 100 فرد، وربما تتمكن من منح 70% من جميع المقيمين فيها الجرعة المزدوجة من اللقاح بحلول يونيو 2021، وتهدف الإمارات العربية المتحدة إلى أن تصبح الدولة الثانية على مستوى العالم التي تحقق ذلك بعد إسرائيل، وينطبق الأمر نفسه على البحرين، إذ قامت بتوزيع 304 آلاف جرعة لقاح بمعدل 17.9 جرعة لكل 100 شخص، وإذا حافظت على هذا المعدل، فقد تصل إلى نسبة 70 بالمئة بحلول يوليو 2022.

على الصعيد الآخر، وزعت مصر، التي يبلغ تعدداها 101 مليون نسمة، 1315 جرعة من اللقاح مع نهاية شهر يناير، ولم تفتح باب التسجيل للحصول على اللقاح لطواقم الرعاية الصحية وأصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن إلا مؤخرًا.

يفسر عنان ذلك بأن الإمارات العربية المتحدة والبحرين تمكنتا من عقد صفقات ثنائية مبكرة مُلزِمة بتسليم الجرعات مع مُصَنِّعي اللقاحات، وهذا النوع من الصفقات يتطلب نفوذًا وموارد مالية.

في المراحل الأولى من تطوير اللقاح، شجعت منظمة الصحة العالمية الدول على الإحجام عن عقد صفقات ثنائية؛ لأن ذلك قد يعرقل خطط المنظمة لتلقيح 20 بالمئة من الفئات الأكثر تعرُّضًا لخطر الإصابة من جميع سكان العالم، ورغم ذلك، تعاقدت بعض البلدان مع المُصَنِّعين لتأمين جرعات لكل سكانها، في حين تعاقدت دول أخرى مثل كندا واليابان على عدد أكبر من ذلك.

وفي هذا الصدد يعلق تمّام العودات، نائب المدير التنفيذي لحملة الحصول على الدواء بمنظمة أطباء بلا حدود، بقوله: "الصفقات الثنائية ترفع الأسعار وتستحوذ على الغالبية العظمى من المخزون العالمي للقاحات كوفيد-19 لهذا العام، تاركةً بضع جرعات فحسب لباقي بلدان العالم".

ويرى عنان أن توصيات منظمة الصحة العالمية كان من الممكن أن تعود بنتائج عكسية على الدول العربية، موضحًا: "لم تكن جرعة لقاح واحدة لتصل إلى الشرق الأوسط، بما أن الدول المتقدمة كانت أول مَن تجاهل توصيات المنظمة وقامت بعقد صفقات ثنائية".

خطة عالمية

تمكنت الإمارات العربية المتحدة والبحرين من عقد صفقات ثنائية مبكرة مُلزِمة بتسليم الجرعات مع مُصَنِّعي اللقاحات.

اضطرت الدول التي لم تستطع ضمان نصيبها من الاتفاقيات الثنائية إلى البحث عن بدائل تُمَكِّنها من الحصول على لقاحات كوفيد-19؛ إذ سجلت 92 دولة من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل للحصول على لقاحات من خلال آلية التزام السوق (AMC) التابعة لمرفق إتاحة لقاحات كوفيد-19 على الصعيد العالمي (COVAX)، التابع للتحالف العالمي من أجل اللقاحات والتحصين (GAVI)، "إن هدف مرفق إتاحة لقاحات كوفيد-19 هو إنهاء المرحلة الحرجة من جائحة كوفيد-19 عبر توريد ملياري جرعة من اللقاحات الآمنة والفعالة في 2021"، على حد قول تاباني مابهوسا، المدير العام لبرامج الدول في التحالف العالمي من أجل اللقاحات والتحصين.

يضيف عنان أن ثمة عنصرًا آخر يُمَكِّن "دول التلقيح السريع" من تحقيق أهداف التلقيح الخاصة بها، وهو الإمكانيات القوية لسلاسل الإمداد لديها، أي القدرة على شحن اللقاحات وتخزينها على نحو سليم، وتوزيعها عبر وحدات رعاية صحية ثابتة ومتنقلة، العديد من دول المنطقة العربية تعاني من أنظمة صحية ضعيفة ومتدهورة، ما يُصعب عليها مسايرة جهود التلقيح.

ويصرح أمجد الخولي -استشاري الوبائيات بمنظمة الصحة العالمية- بأن: "الأراضي الفلسطينية وتونس من البلدان التي ستتلقى جرعات اللقاح ضمن المرحلة الأولى من خطة مرفق إتاحة لقاحات كوفيد-19"، وكان من المخطط ضم دول أخرى بإقليم شرق المتوسط في المرحلة الأولى، إلا أن ذلك تأجل بسبب ضعف القدرات لدى تلك الدول، وفق توضيح الخولي، مضيفًا: "نعمل على دعمها وبناء تلك القدرات".

وقدمت دولة المغرب نموذجًا ناجحًا لإستراتيجية توزيع اللقاح في دولة متوسطة الدخل؛ فقد وزعت الحكومة نحو أربعة ملايين جرعة من اللقاح، بمعدل توزيع يبلغ 11 جرعة لكل 100 فرد، وهو معدل يمكن مقارنته بمعدلات الدول المتقدمة التي تتمتع بنظام رعاية صحية قوي، مثل الدنمارك، والفئات المؤهلة للحصول على اللقاح في المغرب يمكنها حجز ميعاد عبر إرسال رسالة نصية إلى رقم خاص أو عبر بوابة إليكترونية.

مناطق النزاعات

غالبًا ما تتطلب جهود التلقيح الناجحة قاعدة بيانات شاملة لتحديد الفئات الأكثر تعرضًا لخطر الإصابة والوصول إليها، والكثير من الدول العربية تفتقر إلى وجود هذا النوع من قواعد البيانات، ويرجع ذلك أحيانًا إلى انهيار أنظمة الرعاية الصحية عقب النزاعات، كما هو الواقع في اليمن وسوريا والعراق.

قدمت دولة المغرب نموذجًا ناجحًا لإستراتيجية توزيع اللقاح في دولة متوسطة الدخل.

تفرض النزاعات تحدياتٍ لوجستيةً إضافية، من ضمنها الحفاظ على سلسلة تبريد اللقاحات، وقد وضع التحالف العالمي من أجل اللقاحات والتحصين خطةً خاصةً بهذه الدول، وهو ما يوضحه مابهوسا قائلًا: "سوف نتعاون عن كثب مع شركاء من بينهم منظمة اليونيسف، والسلطات المحلية والمنظمات غير الحكومية، من أجل طرح اللقاحات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك مناطق النزاعات".

ويرى عنان أن التخطيط الذكي قد يساعد الدول على تجاوز التحديات التي تطرحها النزاعات المطولة، ويقترح أن تُقسَّم كل دولة إلى مناطق مرتفعة ومتوسطة ومنخفضة الكثافة السكانية، وبمساعدة المنظمات الدولية، يستطيع موظفو الرعاية الصحية والمتطوعون بناء قواعد بيانات للمجموعات المعرضة لخطر الإصابة من خلال التسجيل في وحدات التلقيح، وينبغي تحديد أولوية تطعيم موظفي الرعاية الصحية بناءً على ما إذا كانوا يعملون في مناطق مرتفعة أم متوسطة أم منخفضة الكثافة السكانية، بحيث تُستكمل تلك المرحلة مع نهاية الربع الأخير من عام 2021، وينبغي أن تتلقى اللقاح المجموعات الأخرى الأكثر عرضةً لخطر الإصابة على مدار عام 2022، بحيث نتحرك قدمًا نحو تحقيق هدف تلقيح 70% من السكان على مدار عامي 2022/2023.

ويضيف أن المنظمات الدولية لا تزمع فيما يبدو فرض أي قيود واضحة على النزعة القومية لحيازة اللقاحات، "باستثناء بعض التصريحات غير المُلزِمة من قِبَل منظمة الصحة العالمية، التي تجاهلتها الدول الغنية في الأغلب، وسارعت إلى عقد صفقات ثنائية وحجز إنتاج شهور من اللقاحات".