قبل نحو عام، وفي أثناء تحليق الباحثة فانسيا هايز فوق شمال جمهورية بوتسوانا -جنوب الصحراء الكبرى- لاحظت الألوان الخلابة لمنطقة "ماكجاديجادي"، التي تضم شقوقًا عملاقة تمتد لأكثر من 15500 كيلومتر مربع، هي بقايا أكبر بحيرة مياه عذبة في أفريقيا. لاحظت "هايز" خطوط الصدع الضخمة الناجمة عن النشاط التكتوني، الذي حوَّل المنطقة قبل ملايين السنوات إلى أراضٍ رطبة مورقة، قبل أن تتحول إلى صحراء جرداء قبل نحو 100 ألف سنة ماضية، لتظهر كما هي عليه الآن.

كانت "هايز" في طريقها إلى المنطقة لاختبار فرضيتها الخاصة التي وضعتها قبل سنوات طويلة. تقول تلك الفرضية إن الإنسان العاقل ظهر لأول مرة في تلك المنطقة القاحلة حاليًّا، شديدة الخضرة في الماضي البعيد. وبالفعل، ووفق الدراسة المنشورة في دورية نيتشر أمس -الإثنين- فإن أول جد للبشر المعاصرين قد نشأ منذ 200 ألف عام في أرض رطبة جنوب نهر زامبيزي، في أحد الوديان الخصبة الموجودة شمالي دولة بوتسوانا.

ينبع نهر زامبيزي من زامبيا حتى يصل إلى أنجولا، ويستمر في الجريان حتى يعبر كلًّا من ناميبيا وبوتسوانا، عائدًا مرةً أخرى إلى زامبيا، ليعبر بعد ذلك زيمبابوي إلى موزمبيق، لينتهي به الأمر في نهاية المطاف بالمحيط الهندي. لتتجلى معه شتى أشكال الحياة على امتداده الأصلي، أو حتى على تلك الفروع التي خرجت منه.

كانت تلك المنطقة المورقة -التي غطت أيضًا أجزاءً من نامبيبا وزيمبابوي- موطنًا لبحيرة هائلة، سكن على ضفافها الأجداد طيلة 70 ألف عام. وفي زمن بعيد –ما بين 110 آلاف إلى 130 ألف سنة مضت- بدأ المناخ في التغير، ليفتح مجموعةً من الممرات الخصبة خارج هذا الوادي، ولأول مرة بدأ سكان ذلك المكان في التشتُّت، وهو الأمر الذي مهد الطريق أمام هجرة البشر من نوع "هوموسابينس" إلى خارج أفريقيا، لينتشروا في نهاية المطاف في جميع أرجاء العالم.

Vanessa M. Hayes

قالت فانيسا هايز، وهي المؤلفة الرئيسية لتلك الدراسة، وعالِمة الوراثة بمعهد جارفان للأبحاث الطبية، وجامعة سيدني في أستراليا، وأستاذ متميز في جامعة بريتوريا في جنوب أفريقيا أيضًا: إنه من الواضح جليًّا أن البشر ظهروا في جنوب أفريقيا منذ حوالي 200 ألف عام، إلا أن تلك الدراسة تُحدد بشكل دقيق الموقع الذي شهد وجود أول أجدادنا، كما تُحدد أيضًا الممرات التي سار فيها الجدود خروجًا من ذلك الوادي.

وتقول الدراسة إن التباطؤ في حركة دوران الأرض حول محورها جلب تحولات دورية في هطول الأمطار، ما دعا سكان المنطقة للبحث عن أماكن أخرى للسكنى. بدأت تلك الهجرات بموجة بشرية غامرت للوصول إلى الشمال الشرقي، تلتها موجة ثانية فضلت الاتجاه إلى جنوب غرب ذلك الوادي الخصيب، في حين بقي نحو ثلث السكان في المكان ذاته، من 200 ألف سنة وحتى الآن!

كبسولة زمنية

يقترح مؤلفو الدراسة أن التغيُّرات في مناخ أفريقيا أدت إلى أول موجة من موجات الاستكشافات البشرية عبر الهجرة خارج موطنها الأم، والتي أسهمت بدورها في تطوير تنوُّعنا الجيني، والإثني، والثقافي.

جمعت الدراسة بين تخصصات علم الوراثة، والجيولوجيا، والفيزياء المناخية، في محاولة لإعادة كتابة تاريخنا البشري المبكر. يعلم الجميع أن موطن الإنسان الحديث هو أفريقيا، وتقول الدراسات العلمية السابقة إن الهجرات الكبرى حدثت في ذلك الزمان من القارة الأفريقية وصولاً إلى شتى بقاع الأرض. إلا أن النقاشات التي لا تزال تدور في المجتمعات العلمية لم تُسفر قط عن أدلة تُشير إلى الموقع المُحدد الذي عاش فيه أسلافنا الأوائل.

لذا عمل العلماء في تلك الدراسة على محاولة لإيجاد رابط بين البشر الحاليين وأسلافهم من النوع نفسه، "ولم نجد أفضل من الميتوكوندريا لدراسة ذلك الرابط"، على حد قول "هايز" في تصريحات خاصة لـ"للعلم".

تُعد الميتوكوندريا إحدى العضيات الخلوية الصغيرة التي تؤدي الدور الأهم في إنتاج الطاقة داخل الخلايا. لكن ما يميزها بشكل خاص هو احتواؤها على جينوم خاص منفصل بشكل كامل عن جينومات الخلية. ينتقل ذلك الجينوم حصريًّا من الأم إلى الأبناء، ودون وجود أى عوامل مؤثرة من الأب. وبالتالي فإن الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا بمنزلة "كبسولة زمنية" تنتقل من الأمهات إلى الأبناء، تتراكم داخلها التغييرات ببطء على مر الأجيال، ويمكن رصد تلك التغييرات بسهولة –إلى حدٍّ ما- بسبب كونها من طرف واحد فقط -الأم- وهذا يعني أن جينات الأب لا يُمكن أن تورث إطلاقًا لحمض الميتوكوندريا النووي للجنين.

سجل موحد

لكن ماذا يعني هذا الأمر؟ وإلى أي مدى يُمكن اعتباره مهمًّا لدراسة تطور الإنسان؟ تقول "هايز": إن الحمض النووي للميتوكوندريا يُمكن مقارنته لأفراد متعددين، ما يوفر معلومات عن مدى ارتباطهم معًا.

لتبسيط الأمر، دعنا نتخيل وجود 10 أشخاص في حجرة مغلقة، هؤلاء العشرة من أزمان مختلفة، أحدهم من العصر الحجري، والآخر يعيش في القرن العشرين، أما الباقون فيعيشون في فترات ما بينهما. إذا أجرينا تسلسلًا جينيًّا لكل واحد منهم، فلن نتمكن من تحديد أصولهم؛ بسبب وجود 20 متغيرًا في حمضهم النووي الاعتيادي بصورة أولية. بمعنى أن لكلِّ واحد منهم مورثات ينتمي نصفها إلى الأب، أما النصف الآخر فينتمي إلى الأم. أما إذا قررنا دراسة تسلسل الحمض النووي للميتوكوندريا، فسيصبح لدينا 10 متغيرات فقط؛ لأن ذلك الحمض ينتقل فقط من الأم إلى الجنين، وبالتالي، سيسهل تحديد أصل الحمض النووي على وجه الدقة.

هذا ما فعله الباحثون في تلك الدراسة، بعد أن تمكَّنوا من جمع عينات دم من متطوعين، اختار الباحثون المتطوعين من شعب "خويسان" جنوب الأفريقي -وهم مجموعة عرقية من الرعاة والصيادين تعيش في كلٍّ من ناميبيا وبوتسوانا وجنوب أفريقيا، واستقروا في المنطقة لقرونٍ من الزمن- بهدف إنشاء فهرس كامل لجينوم الميتوكوندريا لسلالة الإنسان الحديث.

بعد إنشاء ذلك السجل، قام الباحثون بدمج 198 من جينومات الميتوكوندريا mitogenomes لسكان تلك المنطقة ضمن قاعدة بيانات ضخمة. فأصبح لدى الباحثين قاعدة موحدة تضم جينومات الميتوكوندريا لبشر يعيشون في الوقت الحالي، علاوةً على جينومات أخرى لبشر عاشوا في أزمان غابرة.

وباستخدام ذلك السجل، أنشأ الباحثون ما يُعرف باسم "النسب الوراثي"، وهو عبارة عن دراسة سلسلة من الطفرات التي تربط بين الأسلاف وسكان العصر الحالي. وبدأ الباحثون في تكوين شجرة وراثية كثيفة البيانات، رُتبت فيها تلك الطفرات ترتيبًا تنازليًّا، على قمته البشر الحاليون، وفي قاعدته البشر الذين عاشوا قبل 200 ألف عام، ما سمح للباحثين بإجراء فحوصات دقيقة على الشجرة الوراثية بصورة أفضل من أي وقت مضى، على حد قول الباحثة في قسم الجينوم والعلوم الوراثية بمعهد جارفان للأبحاث الطبية "إيفا تشان"، وهي المؤلفة الأولى لتلك الدراسة، التي تُشير في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن تلك البيانات "كانت أساسيةً للتعرف على الكيفية التي نشأت بها الهجرات البشرية والطريقة التي تطورت بها".

أول أم للإنسان العاقل

بتتبُّع "النسب الوراثي"، أظهر الباحثون أن أول "أم" للإنسان العاقل نشأت في جنوب حوض نهر زامبيزي الكبير، في تلك المنطقة التي تقع حاليًّا شمال دولة "بوتسوانا"، وتحدها جمهورية "ناميبيا" من الغرب ودولة "زيمبابوي" من الشرق ودولة جنوب أفريقيا من الجنوب.

خلفت الأراضي الرطبة في تلك المنطقة بيئةً مستقرةً إلى حدٍّ كبير لأسلافنا؛ إذ وفرت كل ما يحتاجه البشر القدماء للبقاء على قيد الحياة، ليستقروا فيها نحو 70 ألف سنة كاملة. إلا أن دوام الحال من المحال.

ففي وقتٍ ما، ترك البشر تلك المنطقة لسبب مجهول، لينتشروا في جميع أنحاء العالم، فما السبب الذي دعاهم لهجرة ذلك الوادي الخصيب الوافر الخيرات؟ لم تترك لنا الدراسة منفذًا للتكهنات؛ إذ استعان الفريق البحثي الأسترالي بالباحث أكسل تيمرمان، من معهد فيزياء المناخ في مدينة بوزان بكوريا الجنوبية. أجرى "تيمرمان" محاكاة حاسوبية لحركة محور الأرض، ليكتشف حدوث تباطؤ في حركة محور الأرض، ما غيَّر من اتجاهات الإشعاع الشمسي الصيفي في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، الأمر الذي أدى إلى تحولات دورية وجذرية في نسب هطول الأمطار في جنوب قارة أفريقيا إبَّان تلك الفترة. تقول "فانيسيا": إن هطول الأمطار تسبَّب في تمدُّد الرقعة الخضراء في تلك المنطقة، عبر زيادة مستويات الرطوبة، مما دفع الإنسان الأول إلى الهجرة بغية الوصول إلى مجموعة أخرى من الموارد الوافرة؛ "فالمنطقة الصحراوية الحالية كانت ذات يومٍ مليئة بالخضرة، مزدانة بالموارد، فقرر بعض المغامرين من البشر هجران مكانهم الأصلي لاستكشاف أماكن أخرى".

مجرد خطوة أولى

على جانب آخر، ترى عالِمة الوراثة بجامعة زيورخ تشيارا باربيري –لم تشترك في تلك الدراسة- أن الورقة "مُثيرة للاهتمام وقيِّمة"، إلا أنها تعود وتؤكد -في تصريحات خاصة لـ"للعلم"- أن استنتاج المكان الذي وُجِد فيه الإنسان الحديث لأول مرة اعتمادًا على الحمض النووي لأشخاص يعيشون اليوم "قد لا يكون أمرًا دقيقًا بالكلية"؛ إذ ترى أن ترسيخ التبايُن الوراثي بدقة على مستوى الزمان والمكان "لا يُمكن أن يتم سوى باستخدام الحمض النووي المستخرج من حفريات مؤرخة بالكربون". فعلى الرغم من وجود بيانات خاصة مُدمجة في الدراسة من مصادر للحمض النووي القديم، تجد "باربيري" أنها "غير كافية على الإطلاق للوصول إلى ذلك الاستنتاج الضخم".

وتقول إن استخدام حمض الميتوكوندريا النووي "لا يُمثل سوى جزء صغير من أصل الإنسان"، وبالتالي لا يُمكن الاعتماد عليه اعتمادًا كاملًا؛ "فتلك المحاولة تُشبه محاولة إعادة بناء لغة من مجموعة من الكلمات".

كما تَعِيب " باربيري" على الدراسة استخدام مجموعة عرقية واحدة كعينة في الدراسة؛ إذ إن هناك شعوبًا أخرى متجذرة في أفريقيا منذ عشرات القرون، لم يُحاول الباحثون استخراج حمضهم النووي ودمجه في شجرة "النسب الوراثي".

لكنها تعود وتقول إن الورقة بمنزلة "خطوة أولى" في طريق دمج عدة علوم؛ للوصول إلى المكان الذي كان مهدًا للبشرية، مشيرةً إلى أن توسيع نطاق البحث، وجلب مزيدٍ من العينات من الحمض النووي لمجموعات واسعة من السكان، ومقارنتها بحمض حفريات مؤرخة بالكربون، مع الاستعانة بالفيزياء المناخية، قد يكشف في المستقبل عن المكان الذي نشأ فيه الإنسان العاقل الأول، ويحدد على وجه الدقة الموطن الأصلي لجميع البشر، والذي قد يتفق على المستوى المكاني مع الموقع الذي أشارت إليه تلك الدراسة، أو يشير إلى موقع آخر، إلا أنه سيكون بالتأكيد في قارة أفريقيا، "تلك القارة التي شهدت مولد الإنسان العاقل، ومنها –على وجه اليقين- هاجر إلى باقي أنحاء الكرة الأرضية".