بدأ البحث العلمي في نشأة الكون وتطوره متزامنًا مع نشأة «علم المجرات»، وذلك في العقود الأولى من القرن العشرين. كانت "المناظرة الكبرى" بين عالمين عظيمين -<هارلو شابلي> و<هبر كورتيس>- من المحطات الفارقة، إذ اعتقد الأول أن الكون كله مجسَّد في مجرتنا (درب التبانة)، بينما تيقن كورتيس بأن أشباه السحب الحلزونية، المرصودة بواسطة أكبر تليسكوبات فلكية في ذلك الوقت، تقع خارج المجرة. في غضون بضع سنوات، حسم الأمر فلكي عظيم آخر وهو <إدوين هابل> (1889-1953)، عندما حسب المسافة للسحب المرصودة Nebulae والتى أثبت أنها تقع خارج مجرتنا، كما اكتشف أنها تتباعد عن مجرتنا بسرعة تتناسب مع المسافة بينها وبيننا.

منذ ذلك الحين بدت المجرات كلبِنات للكون، أي عناصر بنائه الأولية. وإذا اعتبرنا من هذا المنطلق أن توزيع المجرات يجسد الهيكل الأساسي للكون، فإن تباعد المجرات عنا يعني أنها كلها تتباعد بعضها عن بعض، وهكذا يمكن اعتبار أن الكون نفسه يتمدد؛ لأن المعادلات الرياضية للنسبية العامة (نظرية أينشتاين للجاذبية) تقر بأن توزيع المادة يحدد خواص الفضاء والزمن، ولا معنى في هذا الإطار لسؤال إلى أين يتمدد الكون، لأن حيز الفضاء نفسه محدد بتوزيع المادة- أي أن توزيع المجرات يرسم خريطة الكون في أعمق مستوى.

 ويطلق على نسبة سرعة تباعد المجرات عنا إلى المسافة بيننا وبينها -أي سرعة تراجع المجرة مقسومة على بُعدها- ثابت هابل. والقيمة التقريبية لهذا الثابت ٧٠ كيلومترًا في الثانية في الميگاپارسيك. (والميگاپارسيك هو المسافة التي يقطعها الضوء في 3.26 ملايين سنة) وهكذا تبتعد مجرة واقعة على مسافة 50 ميگاپارسيك بسرعة 3500 كم/ثا.

نشأة المجرات وعلم الكونيات

وبالرغم من تلك الصلة الوثيقة بين المجرات وعلم الكونيات، إلا أن الأخير ظل معتمدًا على نماذج رياضية تشرح عملية التمدد، في ظل غياب عمليات رصد دقيقة تحدد محتوى الكون ومعدل تمدُّده، وبالتالي يمكنها أن تفصل بين النظريات المطروحة. في حين تطور علم المجرات عمليًّا من خلال تدفق عمليات الرصد الفلكية؛ فجرى مثلًا تصنيف المجرات على أساس أشكالها المختلفة (مسطحة إسطوانية، بيضاوية، كروية، إلخ...)، ومحتوياتها من نجوم وغازات وأتربة، وقياس أحجامها وكتلها... إلخ. أدت هذه التطورات التقنية إلى انفصال علم المجرات عن علم الكونيات، رغم الارتباط الواضح القائم بينهما على المستوى الأعمق- فإذا كانت المجرات تجسد "حجر الأساس" للكون ككل، فإن خواصها مرتبطة بالضرورة بخواص وتاريخ الكون التي نشأت منه وتطورت فيه.

ثم تغير الوضع بدءًا من اكتشاف أشعة الظل الكونية (أو إشعاع الخلفية الكونية Cosmic Background Radiation)، التى جاء اكتشافها عام 1964 بالصدفة، من قِبل كل من <A.A. پنزياس> و <W.R.ويلسون> من مختبرات بل Bell عندما كانا يحاولان تخليص هوائي جهاز للراديو من الضجيج المكروي الموجة. كان اكتشافها بالصدفة -رغم أنها تبدو كنتيجة طبيعية لتمدد الكون- يشير في حد ذاته إلى الاستخفاف السائد لدى الفلكيين بعلم الكونيات؛ فإذا كان الكون يتمدد فعلًا فيجب أن تكون هناك في الماضي لحظات كانت فيها المادة على كثافة ودرجة حرارة عالية يمكن أن نرصد بصمات بقاياها حاليًّا، كما تنبأ فعلًا بعض العلماء (مثلا <رالف ألفر>، و<روبرت هيرمان>، و<جورج جاموف>)، ورغم ذلك لم يتم البحث عنها بجدية.

مع اكتشاف هذه الأشعة بدأت عملية سرد تاريخ الكون، فعدم ملاحظة تغيُّرات كبيرة في طاقتها عند محاولة رصدها في اتجاهات مختلفة في السماء إشارة إلى حالة كونية بدائية لم تكن فيها المجرات أو النجوم قد تشكلت بعد، إنما ساد فيها مجال مادي شبه متجانس (الحساء الكوني كما يسميه بعض العلماء على سبيل الدعابة)، والبصمة الطيفية لأشعة الظل -أي توزيع طاقتها على الترددات الموجية المختلفة- دلت على أن هذا المجال المتجانس سادت فيه صفة الاتزان الحراري، وهي بدورها ناتجة عن درجة عالية من التلاحم العشوائي بين مكونات الكون من جسيمات، ومنها الفوتونات الحاملة للموجات الكهرومغناطيسية. وتأتي حالة الاتزان الحراري هذه مقترنة بدرجة حرارة محددة، تحدد توزيع طاقة الجسيمات وتنخفض مع التمدد (كما يحدث مثلًا لغاز الفريون في الثلاجات أو غاز الولاعات عندما يخرج من الأنبوبة). فدرجة حرارة الأشعة الكونية المرصودة حاليًّا، وتقدر بحوالي ٣ درجات تقريبًا فوق الصفر المطلق، كانت أعلى في الماضي، وتغيرها مع الزمن يسرد لنا تاريخ تمدد الكون.

 الطفرة التالية أتت مع اكتشاف تغيرات طفيفة جدًّا في درجة حرارة تلك الأشعة من مكان لآخر في السماء. هذه التغيرات الطفيفة في درجة الحرارة تشير بدورها لتغييرات مصاحبة في كثافة المادة من مكان لآخر فى الكون الوليد، وهذا التغيُّر في معدلات الكثافة هو الذى يمكن أن تنشأ منه المجرات من كون شبه متجانس؛ فمنذ بداية القرن العشرين (سنة ١٩٠٢ بالتحديد، ونتيجة جهد السير <جامز جينس>)، كان من المعروف أن التغيرات الطفيفة في كثافة مجال متجانس يمكن أن تتفاقم وتزداد مع الزمن تحت تأثير الجاذبية، مما يؤدي لحالة عدم استقرار تنتج عنها تكتلات، كما يتبلور قطر الماء من البخار شبه المتجانس. وفي حالة الأجسام الفلكية، ينتج عدم الاستقرار عن حجم تلك الأجسام الهائل والكتل الكبيرة المصاحبة، مما يتيح الفرصة للجاذبية أن يكون لها تأثير كبير؛ فالجاذبية تؤدي إلى تكتل المادة نظرًا لطول مداها وطبيعتها الجاذبة قسريًّا (علي عكس التفاعلات الكهرومغناطيسية التي تتضمن تنافرًا وتجاذبًا يعادل بعضهما بعضًا على الأبعاد الكبيرة، هذا التعادل معدوم في حالة الجاذبية). فإذا زادت قوة الجاذبية، نتيجة الحجم والكتلة الكبيرة، تتغلب على قوى الضغط الطارد المنافسة، والتي تعمل على الحفاظ على مجال متجانس، ويحدث التكتل.

كان من الطبيعي إذًا أن يؤدي رصد التغيرات الطفيفة في درجة حرارة الأشعة الخلفية الكونية إلى اعتبار أن المجرات نشأت من تغيرات طفيفة في الكثافة في الكون الوليد. هكذا تجدد الارتباط الوثيق بين علم الكونيات وعلم نشأة المجرات وتطورها.

سيناريو المادة المظلمة

توثق الارتباط بين علم الكونيات ونشأة المجرات وتطورها بواسطة ما يسمى بالمادة المظلمة dark matter. من دون هذه المادة المفقودة لا يمكن أن تتماسك المجرات، فكتلة المادة المرئية فيها ليست كافية لكي يعادل تجاذُب المادة قوة الطرد الناتجة عن حركة النجوم المرصودة. الحالة تشبه عملية رصد لكرة فسفورية تدور في الظلام، فيمكنك أن تستنتج أنه بالضرورة يوجد خيط غير مرئي يمسك بها، وإلا طارت بعيدًا. في نفس الوقت يشير حجم التغيرات الطفيفة في درجة حرارة الأشعة الخلفية الكونية إلى أن فرضية وجود المادة المظلمة أمر مطلوب لنشأة المجرات، فلكي تنشأ المجرات من هذه التغيرات الطفيفة في زمن لا يزيد عن عمر الكون يجب وجود عنصر مساعد. وفي ذلك إشارة إلى أن المادة المظلمة لا يمكن أن تكون في صورة جسيمات تقليدية، لأن هذه يمكن أن تتفاعل من خلال القوى الكهرومغناطيسية ولذلك تظل تتلاحم بشدة بفوتونات أشعة الظل مدة طويلة، مما يعوق عملية تكتلها تحت تأثير الجاذبية نتيجة الضغط العالي الطارد. وهناك سبب إضافي مهم: المادة التقليدية، كالبروتونات أو النيوترونات -أو المسماة بالباريونات- لأن هذه المكونات تتفاعل من خلال القوة النووية القوية، ولذلك اندمجت في مراحل الكون البدائية لتكوِّن عنصر الهيليوم بغزارة، فإذا زادت نسبتها تكون معظم المادة التقليدية في الكون مكونة من الهيليوم بدلًا من الهيدروجين كما هو مرصود فعليًّا. من المرجح إذًا أن تكون المادة المظلمة مجسدة في "جسيم جديد" لم يجرِ الكشف عنه بعد.

هناك أنواع كثيرة من الجسيمات المقترحة التي يتنبأ بها علم فيزياء الجسيمات. ولقد توقع العلماء أن يكون الجسيم الجديد الذي يجسد المادة المظلمة "ثقيلًا"، بمعنى أن تكون كتلته أكبر من كتلة البروتون، لأنه في حالة الاتزان الحراري السائدة في بداية الكون تتناسب سرعة الجسيم عكسيًّا مع جذر كتلته، وبالتالي فإن المجال المادي المصنوع منه هذا الجسيم من السهل أن يتكتل تحت تأثير الجاذبية (ففي حال شبيه بقوى الضغط في حالة الباريونات، إذا زادت سرعة جسيمات المادة المظلمة يحدث تعادل في كثافة المجال المادي قبل أن تتمكن الجاذبية من صنع التكتلات من التغيرات الطفيفة). هكذا يساعد مثل هذا الجسيم في عملية نشأة المجرات، بالتحديد ستشكل التكتلات المصنوعة منه بذرة لنشأة المجرات.

يسمى هذا النوع من الجسيمات بالمادة المظلمة الباردة (نظرًا للسرعة الضئيلة المتاحة له في بدايات الكون)، وتسمى التكتلات التي تنبت في مجال شبه متجانس من المادة المظلمة بالهالات. ولأننا نتعامل مع نظام طبيعي بسيط نسبيًّا، تحكمه قوانين الجاذبية والحركة لنيوتن، فيمكن لنا أن نستنتج بسهولة نسبية (من خلال التحليل الرياضي والمحاكاة الحسابية) خواص هذه الهالات وتطورها مع الزمن الكوني عند معرفة المعطيات الأولية. والمعطيات الأولية معروفة بافتراض أن التغيرات الطفيفة التي نشأت منها الهالات هي التي نرصدها في أشعة الظل. إن معظم معلوماتنا عن الكون تأتي من الفوتونات: الفوتونات الضوئية من النجوم، والفوتونات الراديوية من غاز الهيدروجين، وفوتونات الأشعة السينية من الغاز المتأين. أما المادة المظلمة فيجري استنتاج وجودها حصريًّا عن طريق آثارها على حركة المادة المضيئة، كما أشرنا، ولا تشارك في التفاعلات الكهرومغناطيسية.

في هذا الإطار، تبلور خلال العقود الثلاثة الماضية ما يسمى بنموذج أو سيناريو المادة المظلمة الباردة لنشأة المجرات في إطار تطور الكون. في هذا النموذج، تسيطر المادة المظلمة على حصة الكون من مادة (أكثر من ثلاثة أرباع الكتلة فيه)، تنشأ منها تكتلات شبه كروية (هالات) صغيرة، ثم تندمج تدريجيًّا في تكتلات أكبر، ثم تنجذب المادة التقليدية (الباريونات) نحو مركز هالات المادة المظلمة، وهنا يبدأ الغاز المكون من الباريونات في توليد النجوم، نتيجة انخفاض درجة حرارته (ومن ثم الضغط السائد فيه) بواسطة الإشعاع الحراري -مما يفعّل عملية التكتل المدفوع بقوة الجاذبية. هكذا تنشأ النجوم بواسطة نفس الآلية التي نتجت عنها هالات المادة المظلمة الباردة (أي عن طريق ظاهرة عدم استقرار المجال المادي المتجانس في ظل سيطرة قوة الجاذبية وانخفاض الضغط). وعليه في هذا الإطار، يعكس توزيع المجرات في الفضاء توزيع هالات المادة المظلمة. وتُحدَّد خواص المجرات، مثل كتلاتها وأشكالها وأحجامها، بالدرجة الأولى من خلال خواص الهالات -الكتلة، الحجم، كمية حركة الدوران...- التي تنشأ فيها المجرات عبر الزمن الكوني.

معضلة الأبعاد الصغيرة

نجح نموذج المادة المظلمة الباردة في شرح نشأة المجرات وتوزيعها الإحصائي في السماء؛ ونجح أيضًا في شرح وجود المادة المظلمة في «ضواحي المجرات»، أي بعيدًا عن مركزها؛ فالمادة المظلمة أو المعتمة أو الخفية كما يفضل البعض تسميتها، لا تشع لأنها لا تشارك في التفاعلات الكهرومغناطيسية، ولذلك تكون الهالات المكونة منها ممتدة لأبعاد أكبر بكثير من امتداد المادة التقليدية التي تشع الطاقة، وتنكمش نحو مركز الهالات، وتختفي في ضواحيها.

لكن خلال العشرين سنة الماضية، تبين أن هناك قصورًا في هذا النموذج عندما يتعلق الأمر بالخواص الداخلية للمجرات بالقرب من مركزها (ونعني هنا في نطاق آلاف السنين الضوئية من المركز). هناك عدة مشكلات مترابط بعضها ببعض، وسأركز هنا على ما يبدو أنه لب المعضلة: إن ربط المجرات المرصودة بهالات المادة المظلمة المفترضة يساعد على فهم نشأتها وتفسير وجود نقص للمادة المرئية في ضواحيها، لكن اتضح في المقابل أن هالات المادة المظلمة الباردة تتمتع بكثافة أعلى من اللازم في المناطق المركزية منها، بمعنى أنه ينتج عن هالة المادة المظلمة كثافة مادية أكبر مما هو مرصود في المناطق المركزية من المجرات عن طريق دراسة حركة النجوم والغاز فيها.

نظرًا لنجاحات نموذج المادة المظلمة الباردة لتطور الكون ونشأة المجرات، كان من الطبيعي أن يكرس الباحثون الكثير من الجهد لطرح أفكار لحل ما يمكن تسميته بـ «معضلات الأبعاد الصغيرة»، مع الحفاظ على النجاحات على الأبعاد الكونية الأكبر. ويمكن تصنيف الحلول المطروحة عامة إلى نوعين: النوع الأول يعتمد على افتراض تغير خاصية المادة المظلمة، فمثلًا جرى طرح ما يسمى بـ«المادة المظلمة الدافئة» بديلًا لزميلتها الباردة، وهي مكونة من جسيمات أقل في الكتلة، وبالتالي كانت سرعتها العشوائية أكبر في حالة الاتزان الحراري السائدة في الكون الوليد. ويُفترض أن يساعد ذلك على التقليل من الكثافة المركزية للتكتلات (الهالات) الناتجة عنها. لكن سرعان ما اتضح أن هذا التغير المنشود ربما لن يكون بالقوة الكافية كي يحل المشكلة دون أن تمنع تلك السرعة الزائدة تكتل الهالات من الأصل.

وهناك طرح آخر يعتمد على افتراض وجود ما أُطلِق عليه «المادة المظلمة المتفاعلة»؛ وهى متفاعلة بطريقة تسمح بانتقال الطاقة من ضواحي الهالات إلى المركز، وهكذا يتم "تسخين" المادة المظلمة الباردة فى المركز، ومن ثَم طردها منه فتقل كثافة الهالة نحو المركز. لكن سرعان ما تبين أنه حتى ينجح هذا الطرح يجب ضبط قوة التفاعل، وإلا تفاقمت المشكلة بدلًا من أن تُحَل.

جاستروفيزيقا الباريونات

بالإضافة للحلول التي تغير من الأسس الفيزيائية الأساسية لنموذج المادة المظلمة الباردة، توجد حلول أخرى مطروحة لمعضلة الأبعاد الصغيرة، تتمثل في ملاحظة أن المشكلة تنشب عند تلك الأبعاد التي تزداد فيها أهمية التفاعلات الفيزيائية المتعلقة بالباريونات (كالقوى الكهرومغناطيسية والقوى النووية القوية). ورغم أن هذه الباريونات معروفة لنا من حياتنا اليومية، بل إن أجسادنا نفسها مكونة منها، على عكس المادة المظلمة التي لم يتم رصدها ومعرفة نوعيتها حتى الآن، رغم ذلك فإن التفاعلات المرتبطة بها أعقد بكثير من المادة المظلمة التي تخضع عمليًّا فقط لقوانين نيوتن للحركة والجاذبية. فالباريونات تشارك في التفاعلات الكهرومغناطيسية، لذلك يمكن للغاز المكون منها أن يفقد الطاقة عن طريق الإشعاع (الحراري مثلا)، وفقدان الطاقة يؤدي إلى تكثف الغاز وانكماشه وتكدسه في مركز الهالة، لذلك عادة ما تكون الباريونات عاملًا مهمًّا جدًّا من ناحية حصتها من الكتلة الكلية نحو مركز الهالة، رغم أن المادة المظلمة تمثل أغلبية المادة في الكون عامة. والباريونات تتفاعل عن طريق القوة النووية القوية، ولذلك يمكن أن تنتج الطاقة عندما تتكتل في نجوم، وخاصة عندما تنفجر بعض هذه النجوم عند نهاية حياتها في صورة «سوبرنوفا»، التي تنبعث منها كميات هائلة من الطاقة والعناصر الكيميائية الثقيلة.

إذًا فالحالة الفيزيائية للغاز المكون للمجرات خلال نشأتها معقدة للغاية، تتضمن ديناميكا مركبة لمجال غاز غير متجانس بالمرة، يمكن أن تتغير فيه الكثافة ودرجة الحرارة من مكان لآخر بعنف. مجال مدفوع جزئيًّا بضخ الطاقة المكتسبة عن طريق نشأة النجوم وانفجارها، وهي بدورها عمليات غير مفهومة بالكامل. وليس من المعروف أيضًا بالضبط كيفية توزيع تلك الطاقة في الغاز بعد ضخها، أو كيفية تنقلها وانبعاثها فيه بعد ذلك، أو مدى تسربها خارجه نتيجة الإشعاع. وكذلك بالنسبة لأي طاقة قد تنتج عن غاز ساخن مشع مكدس حول ثقوب سوداء في مراكز المجرة. هذه العمليات المركبة مسماة في مجال الفيزياء الفلكية بالجاستروفيزيكس (وهو اسم يوحي بالعلة وربما يدل على نوع من النفور من التعامل الشاق معها!)، ونمط دراستها يشبه علوم البيئة أو الجيولوجيا أكثر مما يشبه الفيزياء الأساسية، نظرًا لطبيعة المجال المركبة والعوامل غير المحددة جيدًا، والاعتماد على المحاكاة الحسابية العملاقة لأن المعادلات التي تصف مثل هذه الأنظمة المعقدة لا يمكن حلها عن طريق التحليل الرياضي.

لكن رغم أن كل تلك التعقيدات قد تبدو تعجيزية لأي محاولة للفهم المبسط، فهناك أمثلة كثيرة في الفيزياء تشير إلى أنها -على العكس- يمكن أن تفسح الفرصة أمام وصف فينومينولوجي (يعتمد على الخبرة الحدسية للظواهر كنقطة بداية، قبل الانطلاق نحو تحليل الظاهرة وأساس معرفتنا بها) فعال، يلمس الخواص الأساسية لظاهرة يُراد شرحها وفهمها دون التطرق لتفاصيل قد تلهي عن جوهر الأمر.

في حالة معضلة كثافة المادة المظلمة الزائدة، المطلوب بكل بساطة هو إيجاد آلية لطرد المادة المظلمة من مركز المجرة، والافتراض هو أن هذا الدور يمكن أن تؤديه الباريونات في أثناء تكثفها وانكماشها في مركز الهالة في إطار عملية نشأة المجرة. وبالفعل توجد آلية يمكن أن تربط الباريونات بالمادة المظلمة لكي يتحقق ذلك، انطلاقًا من حقيقة أن الغاز غير متجانس بالمرة؛ فإذا اعتبرناه -على سبيل التبسيط- مكونًا من تكتلات منفصلة فإنه سيتلاحم مع المادة المظلمة في الهالة عن طريق ظاهرة «الاحتكاك الديناميكي» ( ظاهرة طبيعية اكتشفها العالم الهندي الأمريكي العظيم شاندراسيكار في الأربعينيات)، وهي عملية تشبه الاحتكاك الذي يؤدي إلى تباطؤ كرة التنس مثلا عندما تتحرك في الهواء؛ كرة التنس تفقد الطاقة وتحولها للهواء الذي تزداد طاقته قليلًا، بنفس الطريقة يمكن أن تفقد تكتلات غاز الباريونات الطاقة لتعطيها للمادة المظلمة في مركز المجرات، التي تزداد طاقتها فتخرج من المركز، ومن ثم تنخفض كثافته.

ويعتمد هذا الطرح الجديد الذي طرحته مع زملاء لي في بداية الألفية الثالثة، على تبسيط يفترض أن تكتلات الباريونات ستظل ذات هوية ثابتة؛ أي أنها لا تتحلل إلى أجزاء خلال عملية نشاة المجرة. وهناك اعتراض على ذلك، لأن هذه التكتلات يمكن أن تنشأ فيها النجوم فتتحلل وتتفكك وتفقد هويتها قبل أن تحول ما يكفي من طاقة إلى مركز هالة المادة المظلمة. بناءً على ذلك، هناك اقتراح آخر، مبني على ذات الفكرة تقريبًا، لكنه لا يتطلب أن تظل تكتلات الغاز ذات هوية وحيدة، فقط أن يكون هناك تباين حاد في كثافة الغاز الباريوني من مكان لآخر وعبر الزمن. في هذا الإطار يجري نقل الطاقة من غاز الباريونات إلى المادة المظلمة فى الهالة عن طريق تغيرات عشوائية في المجال الجاذبي للغاز الباريوني ناتجة عن ضخ الحرارة فيه من قبل انفجارات النجوم، أو طاقة مشعة حول ثقب أسود في مركز المجرة. وقد تبنى هذا النموذج آندرو بونتزن من جامعة لندن، وفابيو جوفرناتو من جامعة واشينجتون (انظر مثلا https://arxiv.org/abs/1402.1764).

تبلورت الفكرة من خلال ملحوظات عن تصرف الغاز الباريوني والمادة المظلمة في المحاكاة الحسابية العملاقة لتطور الكون، في سياق سيناريو المادة المظلمة الباردة، ومحاولات تمثيل نشأة المجرات خلالها عن طريق وصف مبسط للعمليات الفيزيائية التي تشارك فيها الباريونات. في هذا السياق جرت ملاحظة التقلبات العشوائية الكبيرة في مجال جاذبية الغاز الباريوني، والتي عادة ما صاحبها "تسخين" المادة المظلمة الباردة في مراكز الهالات وطردها منها. هكذا جرى افتراض وجود علاقة سببية بين الاثنين، أي أن التسخين ناتج عن نقل للطاقة في صورة عشوائية للمادة المظلمة (وهذا ما نعنيه عامة في الفيزياء بمصطلح "تسخين"). لكن كيف نشخص الظاهرة بدقة، لنتأكد من أنها ليست ناتجة عن أخطاء في الحسابات الرقمية أو في تفاصيل الوصفات المستخدمة لتمثيل فيزياء غاز الباريونات المعقدة؟ فالمحاكاة الحسابية لا يمكن أن تمثل كل العمليات الفيزياء المعقدة (الجاستروفيزيكس) التي تتفاعل من خلالها الباريونات، والنماذج الحسابية للمجاميع البحثية المختلفة تستخدم وصفات مختلفة لتمثيل هذه العمليات، بل لا تتفق نتائجها دائمًا بعضها مع بعض. ثم إن إثبات العلاقات السببية يتطلب نظرية تشرح آلية ما يحدث وتفصلها. ورغم وجود المحاولات النظرية المبسطة لفهم الظاهرة لم يكن هناك نموذج متكامل، ينطلق من مبادئ فيزيائية وديناميكية أولية، لفهمها.

نموذج نظري

 بدا لنا (أنا وباحثون آخرون من مرصد باريس LERMA, Observatoire de Paris وكوليج دو فرانس Collège de France) أن فصل الآلية الأساسية لعملية انتقال الطاقة من مجال الغاز المتقلب إلي مركز الهالة المظلمة يبدأ بالتمثيل الإحصائي الملائم للتغيرات العشوائية في كثافة الغاز، بصرف النظر عن تفاصيل أصلها الـ"جاستروفيزيقي" المعقد. فمن التشخيص الإحصائي للتقلبات العشوائية في الكثافة يمكن استنتاج التغيرات المصاحبة في مجال جاذبية الغاز (عن طريق استخدام ما يسمى بمعادلة بواسون)، ومن ثم تأثير القوة العشوائية المتقلبة الناتجة على حركة جسيمات المادة المظلمة في مركز الهالة، ودراسة إمكانية طردها منها كما هو مطلوب.

علي مستوى أعمق، يشبه هذا النموذج من الناحية النظرية النموذج المبسط الذي كنا قد طرحناه منذ أكثر من عقد من الزمن، والمعتمد على ظاهرة الاحتكاك الديناميكي لـ<شاندراسيكار>، لأن التقلبات العشوائية دائمًا ما يصاحبها قوى احتكاكية، وذلك طبقًا لما تقول به نظرية مهمة في الفيزياء الإحصائية تقر بأن العمليات العشوائية دائمًا ما تكون مصحوبة بتبديد للطاقة (في حالتنا من مجال الغاز المتقلب ونحو مركز هالة المادة المظلمة) في صورة قوى احتكاكية. من هذه الزاوية، يمكن اعتبار النموذج الجديد كتعميم لنظرية شاندراسيكار لحالة مجال فيه تكتلات مادية تتغير أحجامها وكتلها مع الزمن والمكان، حيث تنشأ وتتلاشى، ومع ذلك لها خواص إحصائية ثابتة (فعدد التكتلات ذات حجم معين يكون مثلا ثابتًا تقريبًا مع الزمن).

في هذا الإطار، يكون تشخيص التقلبات العشوائية في الغاز الباريوني مرتبطًا بتوزيع معدل أحجام تكتلات الغاز، ويمكن وصفها عن طريق ما يسمى بتحليل فوريه (طريقة لتمثيل الدوال الرياضاتية)، مما يتضمن وصفًا لقوة التقلبات على أبعاد (أو أحجام) مختلفة. وهناك بصمة معروفة لتوزيع الطاقة العشوائية لمجال مضطرب بالكامل (تصور ماء يغلي بشدة تسوده فقاعات ذات أحجام مختلفة وتتحرك عشوائيًّا لتتخيل كيف يكون مجال مضطرب بالكامل)، وكان قد اكتشفها عالم الرياضيات الروسي المرموق آندريه كولموغوروف. وتشير عمليات المحاكاة الرقمية والأرصاد الفلكية إلى أن هذه الصورة الرياضية البسيطة يمكن أن تستخدم أيضًا لوصف التقلبات في كثافة الغاز الباريوني في المجرات. وبعد تشخيص التقلبات في كثافة مجال الغاز الباريوني هكذا يمكن الاستعانة بمعادلة بواسون لاستنتاج المجال الجاذبي العشوائي المصاحب، ثم حساب التأثير على جسيمات المادة المظلمة المكونة للهالة باستخدام ما يسمى بدالة الارتباط للقوى العشوائية. فبعد معرفة هذه الدالة يمكن استخدامها مع قانون نيوتن للحركة، الذي يربط تغير سرعة الجسيمات بالقوى التي تخضع لها، وبهذه الطريقة يمكن معرفة تأثير تقلبات الغاز الباريوني على حركة المادة المظلمة واستنتاج إمكانية طردها من مركز الهالة.

النموذج يمكن حله بالكامل عن طريق التحليل الرياضي، مما يغني عن الحاجة إلى حسابات رقمية كبيرة ومكلفة، والأهم من ذلك أنه يجعل من الممكن إثبات وجود علاقة سببية، مبنية على مبادئ أولية واضحة، بين ما يُلحَظ في المحاكاة الكبرى من تقلبات عشوائية في كثافة الغاز الباريوني وبين الانخفاض المصاحب في كثافة المادة المظلمة في مراكز الهالات. ويمكن الاستنتاج من خلال هذا النموذج الزمن المتوقع أن تحدث فيه انخفاض كثافة المادة المظلمة إذا عرفنا حالة الغاز.

 في إطار النموذج المطروح، يمكن إثبات أن تأثير التقلبات في مجال الغاز على هالة المادة المظلمة يعتمد بطريقة شبه كلية على نسبة كتلة الغاز بالنسبة للمادة المظلمة في مركز الهالة، وأيضًا على شدة التقلبات في مجال الغاز. قد يبدو ذلك بدهيًّا، لكن المهم هنا أن العملية لا تعتمد تقريبًا على أي شيء آخر (مثلًا تفاصيل توزيع أحجام تكتلات الغاز)... هكذا يمكن فهم آلية عملية تأثير التقلبات في مجال الغاز الباريوني بعيدًا عن التعقيدات الفيزيائية والحسابية الرقمية المهولة المصاحبة للمحاكاة العملاقة. المهم -إن صح النموذج النظري المطروح- هو نسبة الغاز بالنسبة للمادة المظلمة وما تتسبب فيه في النهاية تفاعلات الجاستروفيزيكس المعقدة من شدة في التقلبات، بصرف النظر عن تفاصيل الآليات المركبة المؤدية لتلك التقلبات.

الخطوة القادمة تتمثل في مقارنة تلك التنبؤات بما يحدث في المحاكاة الحسابية العملاقة. في هذا الاتجاه تشير المقارنات الأولية إلى أنه في إطار المحاكاة الرقمية التي يُلحَظ فيها انحدار في كثافة الهالات المركزية، تكون نسبة الغاز وشدة التقلبات فيه متماشية فعلًا مع ما تتطلبه النظرية المطروحة: أي أنه حتى يحدث تأثير ملموس على توزيع المادة المظلمة خلال الفترة الزمنية للمحاكاة، يجب أن تكون نسبة كتلة الغاز وحدة التقلبات فيه كما تتطلبه النظرية لكي تتنبأ بتأثير ملحوظ في زمن مماثل. وتجري الآن المقارنة التفصيلية بين تنبؤات النظرية ونتائج المحاكاة الكونية العملاقة، وذلك بالتعاون مع عدة مجاميع بحثية تجري مثل هذه الحسابات، في سبيل تفسير نتائج المحاكاة ومحاولة فصل تأثير العناصر الأساسية في الوصفات المختلفة لحالة الغاز الباريوني (الجاستروفيزيكس) التي تؤدي أحيانًا لنتائج متباينة.

عصر الدقة

لقد قطع علم الكونيات شوطًا طويلًا، من كونه مهمشًا ضمن طرائف العلم النظري إلى عصر الدقة المبنية على معطيات عمليات الرصد، بل إذا أردنا القيام بعرض مختصر لكل المراصد الأرضية والفلكية العاملة حاليًّا والمرتقبة في المستقبل القريب، والتي تكرس معظم طاقتها لمجال الكونيات، فسنحتاج إلى مقال جديد ربما أطول بكثير من المقال الحالي. ومن أهم نتائج هذه الطفرة كان تجدد الارتباط بين علم الكونيات الوثيق بدراسة نشأة المجرات؛ ففي "عصر الدقة" يستوجب على علم الكونيات الآن شرح نشأة المجرات وخواصها وتوزيعها الفضائي في إطار تطور الكون ككل.

النموذج القياسي الحالي للكون يحدد بدقة معاملات مثل عمر الكون، وإجمالي كتلة مادته، وكمية الطاقة فيه، وينجح في تفسير الكثير من خواص المجرات وخاصية توزيعها في الفضاء، لكنه يعتمد على افتراض وجود المادة المظلمة التي لم يجرِ الكشف عنها بعد -ناهيك بمعضلة الطاقة المظلمة التي لم نتطرق لها هنا- ويبدو أن الخواص الديناميكية لتلك المادة المظلمة ينتج عنها مشكلات في حيز الأبعاد الصغيرة في المجرات. قد تبدو هذه معلومة هامشية لكنها مهمة، لأن النموذج الناجح للكون في "عصر الدقة" يجب أن يكون نموذجًا متكاملًا، لأن أي خطأ صغير قد تختبئ وراءه معضلات أخرى على مستوى أعمق، ربما تتطلب على الأقل تغيير نوعية المادة المظلمة المفترضة، أو ربما يكون لها تداعيات أكبر بكثير وأوسع مدى على فهمنا للعالم الطبيعي.

لنأخذ مثالًا يوضح ذلك. في القرن التاسع عشر، بدا أن هناك فرقًا طفيفًا بين توقعات نظرية نيوتن لحركة الكواكب الخارجية في المجموعة الشمسية وبين الحركة المرصودة، وكان حل المشكلة بافتراض وجود المادة المظلمة التى تجسدت في اكتشاف كوكب نيبتون. ثم تبين بعد ذلك أن هناك فرقًا طفيفًا آخر في الحسابات يتعلق بحركة كوكب عطارد، ولذلك جرى افتراض وجود كوكب آخر أسموه بفولكان لكن اتضح في النهاية أن هذا الكوكب لا وجود له، وأن تفسير حركة عطارد يتطلب نظرية جديدة للجاذبية، هي نظرية النسبية العامة، وهو ما لم يتخيله الكثيرون نظرًا لنجاحات نظرية نيوتن المذهلة التي لم تغير فقط شكل العلوم الطبيعية بل الحضارة الإنسانية، في حينها.

يعتقد معظم العلماء حاليًّا أن الحال مع المادة المفقودة في الكون أقرب إلى مثال كوكب نيبتون منه إلى مثال كوكب عطارد. لكن، في انتظار الكشف المخبري المباشر عن المادة المظلمة، لا يمكن الجزم بذلك. بل هناك أقلية من العلماء تعتقد بالفعل أن معضلة المادة المظلمة قد تتطلب تغيير قوانين نيوتن وآينشتاين للجاذبية. في هذا الإطار، فإن حل معضلة الأبعاد الصغيرة يحول دون فقدان الثقة في النموذج القياسي الحالي للكون رغم نجاحاته الكثيرة الباهرة.

........................

وقد جرى تمويل هذه الدراسة العلمية جزئيًّا بواسطة برنامج الشراكة العلمية المصري الفرنسي (امحوتب) بين أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر و"كامبوس فرانس".