في أبريل عام 1860 بينما كان تشارلز داروين يصوغ نظريته حول التطور، والتي عمادها آلية الاصطفاء الطبيعي (أو الانتقاء الطبيعي)، كتب إلى صديقه الطبيب وعالِم الأحياء الأمريكي فرنسي الأصل "آسا جراي": "إن مجرد نظرة إلى ريشة في ذيل طاووس أنظر إليه، تصيبني بالسقم". وعندما نعرف أن "داروين" كان يعاني كثيرًا من آلام معدته واضطراب أمعائه، مما يرجِّح أن معاناته تلك كانت نفس-جسمية، نستنتج إلى أي حدٍّ كان ريش الطاووس، الباذخ ذو الألوان البراقة، خاصةً في مروحة ذيله الهائلة، يُنكِّد عليه عيشه، ويتحول هذا التنكيد النفسي إلى أعراض معوية عاصفة الإيلام.

    كان ذيل الطاووس بريشات كواسيه العلوية مسرفة الإبهار اللوني المُتقزح، تشكل معارضةً قوية الحجة، ضد فرضية داروين "الانتقاء الطبيعي"، التي تقوم عليها نظريته في التطور، ويعني أن الكائن الذي يمتلك صفات تمكِّنه من التغلب على مخاطر البيئة التي ينشأ فيها، من مفترسين، أو منافسين على الطعام والموائل ونطاقات العيش، يكسب ويبقى. والعكس بالعكس. فهذا الذيل الطويل الثقيل خلاب الألوان، الذي لا يكف عن رفعه ونشره في مروحة باهرة، بارتفاع يقارب مترًا ونصف وعرض مترين، تجعل الطاووس واضحًا لأعدائه ومفترسيه، وتعرقل فراره منهم ونجاته، وتُعجِزه إن اضطر إلى الدخول في صراع معهم، برغم امتلاكه لشوكتين ثاقبتين في قدميه. ومن ثم يخسر، فيهلك وينقرض نوعه. لكنه لم ينقرض!

بعد قرن ونصف

     أمام هذا التحدي الذي هدد داروين بنسف نظريته الكبيرة من جذورها، فكر في فرضية أخرى تَحُول دون هذا النسف، وسمَّاها "الاصطفاء الجنسي" sexual selection، اقترحها في كتابه "أصل الأنواع" عام 1859، وبلورها في كتابه التالي "نشوء الإنسان والانتقاء الجنسي" عام 1871، وتقول بأن ذيل الطاووس، باذخ ألوان الريش، المرصعة أطراف كواسيه الطوال ببقع كالعيون، تطوَّر ليُعطي الذكر أفضليةً في تنافُسه مع الذكور الأخرى على طاووسة يتزاوج معها؛ لأن الأنثى هي التي تختار، وستختار مَن تكون ألوان مروحة ذيله أكثرَ إشراقًا، والبقع العينية على الريشات الطوال لكواسي هذه المروحة أكبر وأجمل؛ لكون هذه الصفات كلها تمنح الأنثى دلالات على صحة الذكر الذي تختاره وقوَّته، ليورِّث ذريتها صفاته المُميَّزة مع صفاتها، فتُنتِج أفراخًا أكثر كفاءةً في العيش، وأكثر قدرةً على البقاء.

    تخريجة "الانتقاء الجنسي" التي ألحقها داروين بنظرية التطور، لم تواجه معارضات قوية لفترة طويلة، بل انبرت أصوات عديدة تنحاز إليها مبكرًا وفيما بعد، فعالِمة الأحياء "ماريون بتيري" عام 1909 أكدتها عبر بحثها عن الطواويس في حديقة حيوانات "ويبسنيد"، مُثبِتةً أن الطاووس تصعب رؤيته في الغطاء النباتي المشابه لكثافة النباتات في بيئته الطبيعية، وأن الطاووسة تتعمد اختيار الذكر الذي يحمل بقعًا عينيةً أكبر على ريش كواسي ذيلٍ كبيرٍ مبهر، وبتتبُّع أفراخٍ من أنسال ذكور مختلفين، وجدت أن أبناء الآباء الأكثر زركشةً والأبهى ذيولًا، نموا أسرع، وتمتعوا بمعدل بقاء أطول. وبعد هذا البحث "الانطباعي" -بحكم أدوات عصره البحثية- توالت محاولات تفسيرية متنوعة لهذه التخريجة، وإن لم يخلُ الأمر من شكوك، واستمرت التفسيرات والشكوك، حتى جاءت المفاجأة، في العقد الثاني من قرننا الحادي والعشرين.

    في عام 2011 فجَّرت طالبة الدكتوراة "جيسكا يورزينسكي"، ببحث مشترك مع جامعة "كاليفورنيا ديفيز" وجامعة "ديوك" مفاجأة أولية، لا تنسف تخريجة داروين، لكنها تقلق ثباتها، وتفتح ثغرات كثيرة في مزاعم تلاؤم ذيول ذكور الطواويس، الباذخة والمسرفة في الظهور، والمعوِّقة لحركة حامليها، مع جدارة الاصطفاء وأفضلية البقاء، مما يضع مفهوم "الاصطفاء الجنسي" الذي طرحه داروين، موضع تساؤل.. على الأقل!

غريزة الأنثى في بحث علمي

    صحيح أنه كانت هناك ملحوظة شائعة، تثير حيرة المراقبين للطواويس منذ البداية، وتتمثل في أن الذكور بينما كانوا يقومون باستعراض فتنة ذيولهم العظيمة أمام الإناث، بدت الإناث –عادةً- غير مكترثات بهذا الاستعراض، إذ كانت الواحدة منهن تولي هذا الاستعراض التفاتات قليلة، صغيرة وسريعة، بينما هي منهمكة أكثر الوقت في نقر الأرض، لالتقاط ما تعثر عليه مما يصلح للأكل. وكانت في انهماكها هذا، كثيرًا ما تولي "كازانوفا" ظهرها، فكأنه يستعرض نفسه لنفسه. ولم تستوقف هذه الملحوظة الشائعة، المُستغرَبة، معظم الباحثين، برغم تناقضها الواضح مع مفهوم"الاصطفاء الجنسي"، الذي يَفترِض أن هذا الاستعراض الذكري مُكرَّس لإغواء الأنثى، فما بال الأنثى؟!

credit: Dick Daniels

    لعلها غريزة الأنثى البشرية هي التي هدت "جيسكا" للبحث في حقيقة سلوك أنثى الطاووس، والطريقة التي تفكر بها إزاء استعراضات الذكر طالب القرب، فالأنثى بالأنثى أدرى، ولكن.. كيف يتسنى لجيسكا أن ترى في الأمر ما تراه الطاووسة؟ هنا، وفرت مسيرة العلم الطويلة وتقنياته المتطورة الأحدث، ما حقَّق للباحثة النظر من خلال عيني الطاووسة، إلى استعراضات الطاووس المغوية أمامها. وجدت جيسكا في مُتناولها تقنية "تتبُّع حركة العين" eye -trackingالتي طُبِّقت على البشر، وتم تطويرها لتناسب إناث الطاووس، فظهر العجب!

    استخدمت الباحثة آلتي تصوير فيديو دقيقتين خفيفتين -لا تزن الواحدة منهما إلا بضعة جرامات- وثبتت الآلتين في غطاء رأس دقيق شديد الخفة، يشبه خوذة طيار منمنمة، وألبست هذه الخوذة للطاووسة في فترة التزاوج، بعد تدريب يضمن أن تتصرف الطاووسة بعفوية في وجود طاووس يستعرض، ليس فقط برفع ذيله الباذخ وفتحه كمروحة خاطفة للبصر، بل برقصة حب دوَّارة، وصيحات رغبة لا يكف عن إطلاقها بإلحاح. والذكر غالبًا ما يعمد إلى أداء هذا الاستعراض في الشمس، لتتألق ألوانه، ويكون جذابًا أكثر. عرضٌ فاتن، بالصوت والضوء، فكيف لا يَفتِن؟!  

متابعة حركة العين وما تراه

     كانت إحدى آلتي التصوير مخصصةً لتسجيل المشهد أمام الطاووسة، والأخرى لتتبُّع حركات عينها وهي تقوم بمسح هذا المشهد. وتم توصيل الآلتين بجهاز إرسال لاسلكي يوصل إشارات الفيديو إلى جهاز كمبيوتر، مزود ببرنامج يحوِّل مسارات حركة عين الأنثى إلى إحداثيات، ترتسم على ما تشاهده في الواقع، ويظهر على الشاشة.

     طبقت الباحثة تجربتها على اثنتي عشرة أنثى من نوع الطاووس الهندي الأزرق PAVO CRISTATUUS، وهو النوع الأكثر شيوعًا، وتتميز ذكوره بلون صدورها الأزرق المعدني المتقزح، والأجنحة البنية المحمرة، والذيول العظيمة طويلة ريش الكواسي التي تبلغ حوالي مئة ريشة ذهبية بطول يقارب مترًا ونصف، وترصعها بقع مستديرة تشبه العيون. وكان المُنتظَر -قياسًا على سابق الانطباع الشائع- أن نظرات الإناث ستتعلق بالبقع العينية الساحرة على كواسي الذيل العظيم البهية، والتيجان الريشية على هيئة زهيرات مخملية زرقاء براقة، تكلِّل رؤوس الخُطاب المُتغندرين، فتقع الأنثى في حب الأبهى ريشًا، والأعظم ذيلًا، وتخضع بالقول: هيت لك. ولكن..

     في قلب المشاهد التي سجلتها إحدى آلتي التصوير على رؤوس الإناث ظهر أمام كل أنثى ذكرٌ على مقربة أمتار قليلة، يرفع ذيله وينشره مروحةً عملاقةً نصف دائرية، ويهز ريشها الملون، ترتعش متماوجةً بقع العيون على كواسيها مع صوت خشخشة لافتة، ثم يأخذ الذكر منتصب المروحة هذه، يدور بطيئًا من جنب إلى جنب، ويتحرك إلى الأمام والخلف، ثم يتجول في المكان مُظهرًا مروحته العالية من الخلف، فكانت المفاجأة!

الذكور من المريخ والإناث من الزُّهرة

     كان مُستقرًّا في قناعة "الاصطفاء الجنسي" أن استعراض ذيل الطاووس في رقصة الحب التي يؤديها في عرض التزاوج، هو الجزء الذي يدير رأس الطاووسة ويجعلها تختاره أبًا لأفراخها، لكن ما باح به تتبُّع حركة عين الأنثى لهذا المُستعرِض، أكد لأنثى البشر أن لأنثى الطاووس رأيًا آخر، تمامًا كما هو اختلاف طبيعة رؤية البشر بين الرجال والنساء، وكأن الرجال من كوكب المريخ والإناث من كوكب الزهرة، على حد تعبير الكتاب الشهير في إيضاح طبيعة هذا الاختلاف. صحيح أن الطاووسة تولي بعض النظرات إلى أعجوبة اندياح البقع العينية التي ترصِّع كواسي ذيل العاشق وهو يرعش هذا الذيل ويخشخش بريشاته، ويمكن أن تضيف نظرةً أو اثنتين إلى التويج اللطيف على رأسه، لكنها جميعًا نظرات خاطفة، لا تقطع بأنها وراء اختيار الأنثى لذكر معين تتزاوج معه.

   لقد توافرت للباحثة معطيات مدهشة، تقول شيئًا مختلفًا، وجديدًا، وحتى تتأكد مما لاح لها من المعطيات البحثية الأولى، كررت التجربة في إحدى المحميات بولاية كارولينا الشمالية الأمريكية، على اثنتي عشرة طاووسة في وجود عدة ذكور يتواثبون ويتبخترون أمامهن ويستعرضون، لنوال القبول، والفوز بمجد التزاوج. كانت الكاميرات الدقيقة على رؤوس الإناث تصور، وتجهيزات اللاسلكي ترسل الصور إلى الكمبيوتر، والبرنامج على الكمبيوتر يستخلص الإحداثيات ويعرضها على الشاشة، فتقول ما لم يقله باحثٌ من قبل.

credit: Jessica L. Yorzinski

     عبر تحليل النقاط الصفراء التي ترسم إحداثيات حركة عين الطاووسة على ما تُشاهده، ذهابًا وإيابًا، وارتفاعًا وانخفاضًا، وتُحدد في الوقت نفسه مكان النظرة وفي أي لحظة، وكم تستغرق كل نظرة من الوقت، تبيَّن أن الإناث لم ينفقن إلا ثلث الوقت في تفقُّد عروض العشاق! وأثارت هذه النتيجة العامة الأولى دهشة الباحثة، وكان هناك مَن يهون من حجمها، فعالِم الأحياء، أديلاين لويو، المتخصص في دراسة تزاوُج الطواويس، والذي لم يكن مُشاركًا في البحث، علق قائلًا: "إن الأنثى لا تستغرق كثيرًا من الوقت لتقرر مَن الرابح لقبولها ومَن الخاسر، وإناث البشر يحسمن هذا الأمر في جزء من الثانية عندما يلتقين شخصًا جذابًا". لكن جيسكا واصلت البحث.

الأنوثة بسلوك عملي، وصرامة!

     تهوين "لويو" من النتيجة الأولية للبحث، سرعان ما أطاحت به التفاصيل، فالتحليل الدقيق للإحداثيات، كشف أن نظرات الإناث للذكور الخُطاب المُستعرِضين جمالهم المُزركش، كانت تمعن بتركيز خارج هذه الزركشة، تدقق في طول السيقان، والأجزاء السفلية من مراوح الذيول، والقواعد الهلالية تحت منابت ريش الذيول! وبمعنى واضح، كانت هذه المواضع السفلية هي الأهم في تقييم الأنثى للياقة الذكر وقبوله للتزاوج، فهي تكشف عما إذا كان عليل الصحة أم عظيمها، فالمعروف أن أكثر ما يؤثِّر في صحة الطيور من أمراض يظهر بالإسهال، وهذه السفول التي لا تتحلى بأي ألوان أو بريق، هي التي تكشف عن ذلك، بينما أعالي الذيل خلابة الترييش والتلوين ورسوم العيون، أبعد ما تكون عن كشف تلك الحقيقة العميقة..

    ويا لها من مفارقة، فبينما دونجوانات وكازانوفات الطاووس يتبخترون ويتنافخون مستعرضين فتنة ريشهم "الملائكي" العالي، طمعًا في اختطاف عواطف الإناث، يكون الشغل الشاغل لهن تفقُّد ما إذا كانوا يلوِّثون بالإسهال قواعدَ مراوح ذيولهم الباذخة، أم لا.

    نتيجة عملية جدًّا، صارمة بقسوة، لكنها مقنعة في عالم يعتمد على جوهر القوة البرية، أي الصحة البدنية في عالم الحيوان، كما أنه حق مستحق للأنثى التي تدفع في عملية التزاوج والإنجاب مئات أضعاف ما يدفعه الذكر، ابتداءً من حجم البويضة الهائل مقارنة بضآلة الحيوان المنوي، ثم حملها للبيض ووضعه والرقاد عليه حتى الفقس ثم رعاية الأفراخ. ثَمَنٌ هائل يسوِّغ لها أن تختار مَن يليق بتضحيتها، اختيارًا يتحرى صحة الذكر بالجوهر لا المنظر، وهي نتيجةٌ لا تخلو من تناظر مع ما يحدث .. في عالم الإنسان!

ذيول بشرية لخطف الأبصار

     لم يفوِّت علم النفس الجماهيري، أو السيَّار، فرصة استخدام استعراض ذكور الطواويس، في اختبار لتصنيف الشخصية يسمى DOPE، مستخدمًا الحروف اللاتينية الأولى لأربعة طيور تنطبق سماتهم على سمات أربعة أنماط لشخصيات بشرية هي: الحمامة والبومة والطاووس والنسر، ويمكن إجمال سمات الشخصية الطاووسية كما ذكرها هذا الاختبار، في الطابع الاستعراضي المتفاخر بالمظاهر، المدموغ بالخفة والطيش وتقلُّب الأهواء، مما حدا بواضعيه ومقدميه إلى التشديد على وجوب الحذر في التعامل مع أصحاب هذه الشخصية، إنْ في مجال الأعمال أو العلاقات.

     على مستوى أعمق، تم صك مصطلح "متلازمة الطاووس" peacock syndrome، الجامعة لسمات طائفة من الشخصيات -الذكور غالبًا- المتباهين بالمظاهر، ثروةً كانت أو أزياءً أو وسامةً أو عضلاتٍ منفوخة، والذين غالبًا ما يكونون مصابين باضطراب الشخصية النرجسية المفتونة بالذات، وتتجلى طاووسية المشاهير منهم في الاستعراض الفارغ بسيارات السباق فاقعة الألوان، والسيارات فائقة البذخ.

     وتعميقًا لما سبق وتأصيلًا علميًّا لجوهره، قامت جامعة تكساس بمشاركة عدة جامعات أمريكية أخرى بإجراء بحث موسع على عدد كبير من البشر، ونُشِرت نتائجه عام 2010 في مجلة "الشخصية وعلم النفس الاجتماعي" تحت عنوان لافت يجمع بين الطواويس وسيارات البورش الفارهة واسم عالِم الاقتصاد والاجتماع  "ثورشتاين فيبلن"، الذي ركز على دور الطبقة التجارية المتطفلة، المُهدِر لجهود القوى المُنتِجة، بالإفراط في الاستهلاك المظهري، وإشاعته في المجتمع عبر الدعاية المحبوكة وصوره الجذابة والمُضلِّلة.

credit: CC BY-SA 4.0

     كما ناظَر ذلك البحث بين ذيل الطاووس الباذخ المُذهب وسيارات البورش الفارهة المطلية بالذهب، كإشارات خاطفة للأبصار تهدف إلى إبهار الإناث للحصول عليهن، وكأنها على قاعدة "الاصطفاء الجنسي"، والمدهش أن هذا البحث النفسي الذي أُجري على مجموعة كبيرة من البشر، منفصلًا تمامًا عن بحث "جيسكا يورزينسكي" على الطواويس، وصل إلى النتيجة المفاجئة نفسها، لاستعراضات طواويس الطيور، والبشر الطواويس؟!

وكان لشكسبير السَّبْق!

    اتفق بحث جيسكا يورزينسكي في سلوك الحيوان، وبحث جامعة تكساس في سلوك الإنسان على نتيجة واحدة، هي أن استعراضات الطواويس الطيور بمراوح ريش ذيولهم مفرط الزركشة، واستعراضات طواويس البشر بذيولهم الاستهلاكية المظهرية، كلاهما لا يحصد الكثير مقابل الإهدار الضخم الذي يُنفَق فيهما، فإناث الطير يتقصين ما يشير إلى الجوهر لا المظهر، وإناث البشر يدركن أن وراء مظاهر الثراء الاستعراضي للبشر الطواويس -وأغلبهم ذكور- فقرًا نفسيًّا مدقعًا وخفة، وهما صفتان خطِرتان، لا تحتملها في مجال العواطف غير الإناث الخفيفات، اللائي يقبلن بالعلاقات العابرة، ويبكين الحب في النهاية.

     أما الإناث راسخات الأنوثة، الطامحات إلى علاقات حب دائمة، تشكل مسيرة عمر، لتكوين أسرة، وإنجاب ذرية من عشاق يشكلن لديهن "حب العمر"، فكُنَّ، كما كانت إناث طيور الطاووس، ينظرن إلى ذيول الطواويس البشرية المتباهية باستخفاف، وربما بازدراء، وهذا ما توصل إليه شكسبير مبكرًا جدًّا، في القرن السادس عشر، في مسرحيته الأولى "خاب سعي العشاق"، قائلًا على لسان الأميرة المُشتهاة في مواجهة إلحاح العشاق المدعين، برسائل معسولة المبالغة، وهدايا مفرطة البذخ: "استقبلنا غرامكم بما قُصد به أن يكون، كموضوع للفكاهة. جاءتنا رسائل غرامكم ومعها هداياكم، ووجدنا أنها في باب الغرام لا تتجاوز أن تكون فكاهةً ظريفة. أعتقد أن هذه اللحظة لا تكفينا لندخل في شراكة أبدية"!

    يا لها من رسالة عِلم، وأدب.


مُرتكزات:

1 - "وخاب سعي العشاق"، أولى مسرحيات شكسبير، قام بترجمتها الدكتور لويس عوض، وقدمت لها الدكتورة سهير القلماوي. دار المعارف والمنظمة العربية للثقافة والعلوم بالجامعة العربية.

2 – "الطاووس ــ التاريخ الطبيعي والثقافي" ـ كريستين جاكسون، ترجمة يارا البدوي. سلسلة الحيوانات. منشورات "كلمة" 2010. أبو ظبي.

3-  Eye and head movements shape gaze shifts in Indian peafowl Jessica L. Yorzinski1, J Exp Biol Advance Online Articles. First posted online on 20 October 2015 as doi:10.1242/jeb.129544

4- Peacocks, Porsches, and Thorstein Veblen: conspicuous consumption as a sexual signaling system. Journal of Personality and Social Psychology © 2010 American Psychological Association 2011, Vol. 100, No. 4, 664–680
5- The DOPE (an acronym that stands for Dove, Owl, Peacock, Eagle) Bird Personality Test