كان "كارل كورفماخر" يبلغ من العمر 9 سنوات حين عاد والده "رون" من زيارة خاطفة لإحدى المؤسسات الطبية الشهيرة في بداية سبعينيات القرن الماضي.

على الرغم من أن الوالد كان نحيفًا، ويبدو لائقًا من الناحية الصحية، إلا أنه كان يُعاني من آلام في الصدر، وسعال مستمر. كانت مستويات الكوليسترول مرتفعة، كما كان "رون" مدخنًا شرهًا للغاية. أكد الرجل لزوجته وأبنائه أن كل شيء سيكون على ما يرام.

في اليوم التالي، كانت العائلة على موعد الاحتفال بعيد ميلاد "رون" السابع والثلاثين. وفي أثناء دوي الألعاب النارية، سقط "رون" مغشيًّا عليه. كافح من أجل التنفس، إلا أن نوبة القلب كانت قاتلة.

يتذكر "كارل": كان والدي شخصًا رائعًا وفريدًا، لم نصدق أن رجلًا شابًّا مثله يُمكن أن يكون مُصابًا بأمراض القلب. لحسن حظ الطفل، اصطحبته والدته، مع إخوته؛ لفحص مستويات الكوليسترول في دمائهم، ليجدوا أنهم -مثل والدهم- يُعانون من زيادة كبيرة في مستويات الكوليسترول الضار.

ورغم ثراء العائلة، لم يكن لدى الأم سوى محاولة إجبار صغارها على الالتزام بنظام صحي صارم؛ فأدوية خفض الكوليسترول لم تكن مُتاحةً في ذلك التوقيت على نطاق واسع.

لحسن الحظ، وفر الالتزام بالنظام الغذائي لكارل حياةً طويلة وصحية، لكن الملايين من الفقراء الآن لا يستطيعون التمتع بذلك الترف، ولا يملكون قوت يومهم فضلًا عن شراء أدوية تخفيض الكوليسترول، بالرغم من أن المرض -الذي كان يُصيب الأغنياء في الماضي بنسبة أكبر بكثير من الفقراء- أمسى منتشرًا في الدول النامية والفقيرة أكثر من انتشاره في الدول الغنية.

الدراسة الأكبر من نوعها

فوفق دراسة جديدة نُشرت نتائجها في دورية "نيتشر"، تنخفض مستويات الكوليسترول بشكل كبير في الدول الغربية. لكنها آخذة في الارتفاع في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، خاصةً في آسيا.

يعتبر ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم عادةً سمةً من سمات الدول الغربية الغنية. لكن يبدو أن المحددات الغذائية والسلوكية للكوليسترول في الدم تتغير بسرعة في جميع أنحاء العالم.

وتُعد تلك الدراسة هي الأكبر من نوعها على الإطلاق في مجال قياس مستويات الكوليسترول على المستوى العالمي.

أجرى الدراسة مئات من الباحثين في جميع أنحاء العالم، وأشرف عليها علماء من جامعة "إمبريال كوليدج لندن".

استخدم الباحثون بيانات 102.6 مليون شخص مستقاة من 1127 دراسة علمية، كما قاموا بفحص مستويات الكوليسترول في 200 دولة، عبر فترة زمنية تُقدر بـ39 عامًا، امتدت ما بين 1980 و2018.

وكشفت الدراسة -التي جرى تمويلها من مؤسسة القلب البريطانية وجهات أخرى- أن ارتفاع نسبة الكوليسترول تسبب في وفاة 3.9 ملايين شخص في جميع أنحاء العالم، نصفهم في شرق وجنوب شرق آسيا.

ما هو الكوليسترول؟

والكوليسترول مادة شمعية توجد في الدم، يحتاج إليها الجسم لبناء خلايا صحية. لكن مستوياتها العالية تؤدي إلى تراكمها في الجدران الداخلية للأوعية الدموية.

للكوليسترول أنواع مختلفة. منها النوع الجيد من البروتين الدهني عالي الكثافة (HDL)، ويُعتقد أن له تأثيرًا وقائيًّا ضد النوبات القلبية والسكتة الدماغية. إذ يقوم بمعادلة تأثير الكوليسترول السيئ، الذي يجب أن يبقى منخفضًا قدر الإمكان.

عادةً تتسبب الحمية الغذائية غير الصحية في رفع مستويات الكوليسترول الضار. فتناوُل الطعام المحمل بالدهون المشبعة والمتحولة -كاللحوم المصنعة- بدلًا من الدهون غير المشبعة الصحية يتسبب في ارتفاع تلك المستويات بشكل خطير.

انخفاض حاد يقابله ارتفاع كبير

وكشفت الدراسة عن انخفاض مستويات الكوليسترول الكلي بشكل حاد في الدول ذات الدخل المرتفع، خاصةً في شمال أوروبا وأمريكا وأستراليا، في حين ارتفعت في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط كالصين، رغم أن تلك الدول كان لديها أدنى مستويات الكوليسترول الضار في عام 1980، وهو العام الأول في بيانات تلك الدراسة.

ووفق تصريحات المؤلف الرئيسي للدراسة والباحث في كلية إمبريال للصحة العامة بلندن البروفيسور "ماجد عزتي"، تكشف تلك الورقة العلمية للمرة الأولى في التاريخ ارتفاع معدلات الكوليسترول الضار خارج العالم الغربي الغني.

ويقول "عزتي" في تصريحات نقلها البيان الصحفي: إن ذلك الأمر يعنى وجود حاجة مُلحة إلى سياسات تنظيمية جديدة تُجبر المُصنعين وتشجع المستهلكين على تحويل أنظمتهم الغذائية من الدهون المشبعة إلى الدهون غير المشبعة، علاوةً على ضرورة إعداد أنظمة صحية قادرة على علاج المرضى بأدوية فعالة، خاصةً في المناطق الفقيرة والنامية. مشيرًا إلى أن ذلك الأمر سيساعد على إنقاذ حياة الملايين.

تكشف البيانات عن تغيرات حادة في جغرافيا الكوليسترول؛ فالبلدان التي لديها أعلى مستويات من الكوليسترول الضار الذي يُشكل مؤشرًا مهمًّا على مخاطر القلب والأوعية الدموية تحولت من أوروبا الغربية -بلجيكا وفنلندا وغرينلاند وأيسلندا والنرويج والسويد وسويسرا ومالطا- في عام 1980 إلى آسيا والمحيط الهادئ، مثل توكيلاو وماليزيا والفلبين وتايلاند.

الأدوية المخفضة للكوليسترول

ويقول "عزتي": إن ذلك الانخفاض الحادث في الدول الغنية يرجع إلى زيادة استخدام العقاقير المخفضة لمستويات الكوليسترول الضار، في الوقت الذي لا تُستخدم فيه تلك الأدوية على نطاق واسع في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.

ويشير الباحثون إلى أن بعض البلدان لديها بيانات أقل مقارنةً بغيرها، مما قد يؤثر على نتائج الدراسة.

ساعدت مبادرات الصحة العامة التي تتحدث عن مخاطر النظام الغذائي الغني بالدهون المشبعة، وتوافر العلاج في الدول الغربية الغنية على انخفاض عدد المصابين بالأزمات القلبية والسكتات الدماغية. ومع ذلك، يرى الباحثون ضرورة "عدم التقاعس" أو الانخداع بهذا التغيير.

فأعداد كبيرة من الناس لا تزال لديهم مستويات غير مشخصة أو غير خاضعة للسيطرة من الكوليسترول الضار، مما يجعلهم أكثر عرضةً لخطر الإصابة بأمراض القلب والدورة الدموية.

مشكلة الكوليسترول

حسبما يُفيد الموقع الرسمي لمايوكلينيك، يُنقل الكوليسترول خلال الدم؛ إذ يكون مرتبطًا بالبروتينات، ويُطلق على هذا المركَّب الذي يجمع الكوليسترول والبروتين اسم البروتين الدهني.

وهناك نوعان من الكوليسترول، هما: الكوليسترول الضار، وهو ناجم عن جسيمات البروتين الدهني منخفض الكثافة، ينتقل عبر جميع أجزاء الجسم، ليتراكم في الشرايين التي تصبح متصلبة وضيقة. أما النوع الثاني فهو الكوليسترول النافع، الذي يؤدي عكس الدور الذي يؤديه الكوليسترول الضار.

تُسهم مجموعة كبيرة من العوامل -التي يُمكن التحكم في بعضها- في زيادة مستويات الكوليسترول الضار، مثل قلة النشاط البدني، واتباع أنظمة غذائية غير صحية، والتدخين. تقول المؤلفة الأولى للدراسة "كريستينا تادي": إن تلك الأنماط "أصبحت منتشرة بصورة كبيرة في الدول النامية والفقيرة".

وتشير "تادي" في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن خريطة الكوليسترول "انقلبت رأسًا على عقب" خلال السنوات القليلة الماضية. فأنماط الغذاء في الدول النامية والفقيرة، علاوةً على انتشار السمنة والسكري وعدم وجود مُخفضات الكوليسترول بشكل دائم، "جعل من ذلك المرض آفةً جديدةً تضرب الشعوب النامية".

عملت "تادي" على تحليل بيانات الدراسات لمدة 5 سنوات كاملة. حاولت خلالها توفير معلومات متسقة وقابلة للمقارنة حول مستويات الكوليسترول؛ بهدف مساعدة البلدان في جميع أنحاء العالم على تحديد احتياجات التدخل الحالية لمعالجة الكوليسترول الضار، والمساعدة أيضًا في التحقق من الأسباب الكامنة وراء الاختلافات في مستويات الكوليسترول عبر البلدان بمرور الوقت.

الوضع المصري

خلال العقود الأربعة الماضية، لم تتغير -لحسن الحظ- مستويات الكوليسترول الضار في مصر إلا قليلًا. في حين تراجعت بشكل متوسط نسب الكوليسترول الجيد.

ففي عام 1980، احتلت السيدات المصريات المرتبة 112 عالميًّا في مستوى الإصابة بارتفاع نسبة الكوليسترول الضار، وفي عام 2018، احتلت الفئة نفسها المرتبة 95 في العالم. هذا يعني أن الوضع في مصر ازداد سوءًا بنسبة صغيرة.

أما الرجال، ففي عام 1980، احتل الذكور المصريون المركز 114 على مستوى العالم في نسب الإصابة بالكوليسترول الضار، وفي عام 2018، احتل الذكور المرتبة 122 في قائمة أعلى معدلات العالم. وهذا يعني تحسنًا على نحوٍ ما.

أما مستويات الكوليسترول الجيد، فقد احتلت المرأة المصرية المرتبة 16 في عام 1980، مقابل المرتبة 50 على مستوى العالم عام 2018.

وبالنسبة للرجال، احتل المصريون المرتبة 28 عالميًّا في عام 1980، تراجعت تلك المرتبة لتصل إلى 38 عالميًّا عام 2018.

أدوية أم أنظمة غذائية

تقول "تادي" إن عدد المصابين بارتفاع الكوليسترول الضار انخفض في الدول الغربية بدءًا من ثمانينيات القرن الماضي، وقبل استخدام العقاقير المخفضة لمستوى الكوليسترول. يشير ذلك الأمر إلى أن التغييرات في النظام الغذائي -ولا سيما إحلال الدهون غير المشبعة محل الدهون المشبعة- عوامل رئيسية في هذا الانخفاض.

ومع ذلك، ووفق الدراسة، فإن زيادة استخدام العقاقير المخفضة للكوليسترول منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي وما بعدها قد تفسر انخفاض الحالات بأكثر من النصف في البلدان الغنية.

يتفق مدير مختبر الدهون في كلية الطب بجامعة شيكاغو "مايكل ديفيدسون" -لم يشارك في البحث- مع نتائج الدراسة؛ إذ يقول: "إن الدول النامية والفقيرة على نقيض خط الغذاء وأساليب التغذية في المجتمعات المتقدمة".

فانتشار الكربوهيدرات المُكررة، والأطعمة السريعة، ساعد في ارتفاع نسب الكوليسترول الضار في تلك المجتمعات. وتفيد تصريحات "ديفيدسون" الخاصة لـ"للعلم" أن الحل لا يكمن في تغيير نمط الغذاء؛ "فالطعام الصحي يحتاج إلى أموال كثيرة". لكن الحل هو العمل مع المنظمات الصحية الدولية لتوصيل أدوية مكافحة الكوليسترول للدول الفقيرة والمناطق المعزولة.