في القرن السادس الميلادي، أدت الاضطرابات السياسية والحروب وظروف الجفاف الشديد إلى انهيار مملكة حمير العربية في اليمن القديم، والتمهيد لانتشار الإسلام خلال القرن السابع في جنوب شبه الجزيرة العربية، وفقًا لنتائج دراسة جديدة نُشرت مؤخرًا في مجلة Science.

ظلت حمير عدة قرون جزءًا من التكوين السياسي لجنوب شبه الجزيرة العربية، ومثلت الحقول والسدود المتدرجة جزءًا من نظام ري متطور بشكل متفرد عن جيرانها، مما أدى إلى تحويل شبه الصحراء إلى حقول خصبة ترويها أنظمة ري متطورة، لكن خلال القرن السادس الميلادي دخلت المملكة في فترة أزمة بلغت ذروتها حين تعرضت للغزو من مملكة أكسوم المجاورة، التي تقع في القرن الأفريقي، فيما يُعرف اليوم بإثيوبيا.

في الدراسة الجديدة، قال باحثون من جامعة بازل السويسرية وجامعة برينستون الأمريكية: إنه إلى جانب الاضطرابات السياسية والحرب، تركت موجات الجفاف وراءها منطقةً في حالة من الفوضى، ما مهد لانتشار الدين الإسلامي في شبه الجزيرة العربية، وأشار الباحثون إلى أن ظروف الجفاف جعلت سكان حمير غير قادرين على صيانة السدود وأنظمة الري وإصلاحها بما يتناسب مع الواقع الجديد، حيث ندرة المياه.

اقترن هذا التدهور بتناحُر الفصائل الداخلية داخل المملكة، والتدخل الخارجي من المملكة الفارسية الساسانية والإمبراطورية الرومانية الشرقية، ما أدى إلى الزوال السياسي لمملكة حمير، وقد أدى ذلك بدوره إلى الانقسام السياسي والصراع الداخلي خلال أواخر القرنين السادس والسابع الميلادي داخل شبه الجزيرة العربية، مما سهَّل نمو ثروات مكة وقبيلتها الأشهر "قريش"، وخلق سياقًا تاريخيًّا واجتماعيًّا مواتيًا لتطوُّر الإسلام.

وقال المؤلف المشارك في الدراسة "جون هالدون"، أستاذ التاريخ في جامعة برينستون الأمريكية: إن سجلات المناخ والمياه من جميع أنحاء جنوب شبه الجزيرة العربية -بما في ذلك سجل جديد عالي الدقة من الصواعد من شمال عمان- تشير بوضوح إلى حدوث موجات جفاف غير مسبوقة خلال القرن السادس الميلادي، مع استمرار الجفاف الأشد بين حوالي 500 و530م.

حلل المؤلفون طبقات الصواعد من كهف الهوتة في عمان الحالية، وتتكون هذه الصواعد من كربونات الكالسيوم التي تنتج عن تقاطر المياه المشبعة بالمعادن من أسقف الكهوف الكارستية (الجيرية) عبر فترات زمنية طويلة، ووفقًا للدراسة، يرتبط معدل نمو الصواعد والتركيب الكيميائي لطبقاته ارتباطًا مباشرًا بكمية هطول الأمطار فوق الكهف، ونتيجةً لذلك، فإن الشكل والتركيب النظائري للطبقات المترسبة من الصواعد يمثلان سجلًّا قيمًا للمناخ عبر التاريخ.

وأضاف "هالدون" في تصريح لـ"للعلم": إن تحليل سجلات المناخ والمياه يؤكد ما أشارت إليه المصادر التاريخية غير المؤكدة حتى الآن أن مثل هذا الجفاف قد حدث، وهذا يمكِّن الباحثين من النظر في احتمال أن الانهيار التدريجي لمملكة حمير، التي كانت القوة السياسية المهيمنة في معظم شبه الجزيرة العربية، قد سهل من حدوثه -ولو جزئيًّا- مثل هذا الجفاف الشديد وطويل الأمد، والذي من شأنه أن يؤثر تأثيرًا سلبيًّا على الزراعة، وبالتالي على التكامُل السياسي والاقتصادي للمملكة.

وعن الربط بين انهيار مملكة حمير وظهور الإسلام، أوضح هالدون أن الدراسة لا تقدم ربطًا مباشرًا بين الأمرين، ويضيف: "من المهم أن نكون واضحين أننا لا نقترح أن نشوء الإسلام أو ظهور النبي ("محمد" -عليه السلام-) كانا بأي حال من الأحوال نتيجةً سببيةً مباشرةً للجفاف، بل مجرد أن حدث الجفاف هذا خلق سياقًا اجتماعيًّا وسياسيًّا جديدًا مهَّد لأحداث وتطورات جديدة، ومن المحتمل أن ننتج مقالًا أطول يستهدف القراء التاريخيين والأثريين، في الوقت المناسب".