قدمت دراسة أجراها باحثون بجامعة "كامبريدج" البريطانية أول دليل أثري على إصابة البشر بعدوى الطفيليات المعوية من خلال العثور على قطع محفوظة من البراز البشري عُثر عليها بمدينة "تشاتلهويوك" التاريخية التركية؛ وهو ما يُعد أقدم دليل على الإصابة بالديدان المعوية في الشرق الأدنى.

وتأتي أهمية الدراسة، التي نشرتها دورية "أنتيكويتي" (Antiquity) "الخميس"، 30 مايو، إلى أنها تؤكد المبدأ القائل بأن تغيُّر نمط الحياة يؤدي إلى تغيُّر مماثل في أنواع الأمراض التي تُصيب البشر.

وتقع مدينة "تشاتلهويوك" التاريخية في جنوب الأناضول، ويعود تاريخها إلى نحو 10 آلاف عام، إذ شيدت في عام 7100 قبل الميلاد، إبان العصر الحجري الحديث.

وفي تلك المدينة، تخلَّى البشر عن طريقة حياتهم السابقة؛ فعوضًا عن جمع الثمار والتقاطها، مارس أهالي المدينة زراعة القمح والشعير، وبدلًا من الصيد، لجأ سكان تلك المدينة إلى رعي الأغنام والماعز، ووُجدت التجمعات البشرية لأول مرة في الشرق الأدنى؛ إذ اجتذبت المنطقة السكان الباحثين عن الاستقرار، كما جرى ابتكار المراحيض لأول مرة في الألفية الرابعة قبل الميلاد في بلاد ما بين النهرين، أي بعد ازدهار "تشاتلهويوك" بنحو 3000 عام.

ويعتقد العلماء أن الأشخاص الذين عاشوا في تلك المدينة كانوا يحملون مخلَّفاتهم وفضلاتهم من منازلهم في وعاء أو سلة للتخلُّص منها في أطراف المدينة.

وكنتيجة مباشرة للتخلص من الفضلات البشرية بتلك الطريقة البدائية، تعرَّض سكان المدينة لخطر الإصابة بالأمراض الناجمة عن الاتصال بالبراز البشري، ومن ضمنها الإصابة بالديدان المعوية.

ولتحديد إذا ما كانت الفضلات التي عُثر عليها بشرية أم حيوانية، أجرى الباحثون تحليلًا طيفيًّا للعينات؛ للكشف عن وجود الستيرويد والأحماض الصفراوية في العينات، والتي كانت عبارةً عن مكونات حصرية على البراز البشري، وأظهر التحليل أن العينات تخص بشرًا عاشوا في المدينة قبل نحو 7100 إلى 6150 عام قبل الميلاد.

بعدها، أخضع العلماء العينات لفحص مجهري؛ بحثًا عن آثار يُمكن أن تكون مفيدةً في دراسة أثر الانتقال من إستراتيجيات الجمع والالتقاط والصيد إلى الزراعة والرعي. ليُظهر التحليل وجود أثر لبويضات ديدان سوطية، وهي طفيليات كبيرة الحجم يُمكن أن تعيش لمدة 5 سنوات داخل الأمعاء ويصل طولها إلى ما بين 4 إلى 5 سنتيمترات، وتنتقل مع الطعام والشراب الملوَّث ببراز المصابين بتلك الطفيلية.

ويقول الباحثون إن ذلك الاكتشاف يعني أن تلك الديدان عاشت على بطانة الأمعاء الغليظة لسكان مدينة "تشاتلهويوك" قبل نحو 8000 عام. ما يعني أن هؤلاء البشر عانوا من إصابات شديدة منتشرة بين السكان أدت إلى مجموعات متنوعة من الأمراض، شملت فقر الدم والإسهال ونقص الذكاء لدى الأطفال واضطرابات النمو.

ويقول الباحثون إن الاكتشاف بمنزلة تزكية للخيال، فالبحث يُتيح لأول مرة تخيُّل الأعراض التي شعر بها سكان ما قبل التاريخ نتيجة الإصابة بذلك الطفيل، خاصةً أن هؤلاء السكان لم يتمكنوا من تسجيل ما حدث لهم خلال حياتهم؛ إذ إن الكتابة تم اختراعها بعد ازدهار تلك المدينة بنحو 3000 عام.

ويقول "بيرس ميشيل" -مدير مختبر الطفيليات القديمة بجامعة كامبريدج، والمؤلف الرئيسي لتلك الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن النتائج جاءت مفاجأة. إذ إن عدد الطفيليات الموجودة في عينات البراز قليل بالمقارنة لما كنا نتوقعه، وهذا يعني أن سكان تلك القرية القديمة وجدوا حلًّا ما للسيطرة على انتشار الأمراض المعوية".

ويضيف "ميشيل" أن "الدراسة بمنزلة تأريخ للحقبة التي تغيرت فيها الأمراض التي تؤثر على البشر؛ فكما تجلب التجمعات الشعور بالسكينة والاستقرار وتُزكي قيم التعاون، تأتي أيضًا بالأمراض المنقولة بسبب الاختلاط، وقد استغرقت الدراسة ست سنوات كاملة، ونأمل في دراسة عينات أقدم لبشر عاشوا على الجمع والالتقاط، لفهم نوعية الأمراض التي أصيبوا بها، ومقارنتها بأمراض مجتمعات الرعي والزراعة وصولًا إلى المجتمعات الحديثة".