تَمَكَّنَ فريق من الباحثين بمعهد برشلونة للعلوم والتكنولوجيا من تتبُّع النشاط الجيني للخلايا البشرية التي تظل حيةً بعد وفاة الإنسان، ما يساعد في مجالات الطب الشرعي وعمليات زراعة الأعضاء.

وقالت الدراسة، التي نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" إن فهم نشاط الجينات يقدم رؤية متكاملة عما تقوم به الخلايا والأنسجة وأعضاء الإنسان، سواء في أثناء الحياة أو بعد الموت، مشيرةً إلى أن "الجينات توجد داخل الحمض النووي (دي إن إيه) الموجود في خلايا الإنسان، وعند تنشيطها ينتج عنها جزء يسمى الحمض النووي الريبوزي -آر إن إيه- وهو أحد الجزيئات الأساسية لكل أشكال الحياة".

استهدفت الدراسة معرفة التعبير الجيني الذي يحدث في أنسجة جسم الإنسان بعد الموت، ووجدت أن الجينات تحتوي على جميع معلومات الجسم، ويمكنها تحديد وقت حدوث وفاة الشخص من خلال دراسة التغيرات التي تطرأ على النشاط الجيني، التي تحدث بعد الوفاة.

وأظهرت أن التغيُّر الذي يصيب الجينات بعد الموت يختلف من نسيج إلى آخر داخل جسم الإنسان، ما يساعد الطب الشرعي على معرفة أسباب الوفاة وتوقيتها بدقة عالية، وبالتالي إزالة الكثير من الشكوك التي تحيط بالتحقيقات الجنائية.

والتعبير الجيني هو العملية التي يتم من خلالها تخزين المعلومات في الحمض النووي لخلق البروتينات والجزيئات الأخرى.

تطبيقات الطب الشرعي

جمع الباحثون عينات من الأنسجة الخاصة بـ540 شخصًا تبرعوا بأنسجتهم بعد وفاتهم بـ24 ساعة، ثم حلَّلوا نشاط الجينات في ٣٦ نوعًا مختلفًا من الأنسجة البشرية، من بينها أنسجة داخل الجلد والدماغ والرئتين، مشيرين إلى أن الحصول على عينات من الحمض النووي الريبوزي لمعرفة ما يحدث داخل خلايا جسم الانسان ليس أمرًا سهلًا؛ لأنه يتطلب اقتطاع جزء من ذراع، أو غرس إبرة في كبد إنسان حي أو قلبه.

واستخدم الباحثون تسلسل الحمض النووي الريبوزي للتأكد من وجوده في عينة البحث، وكذلك تحديد كمية وجوده داخل العينات التي حصلوا عليها.

قام الباحثون بتحليل أنماط النشاط الجيني لـ399 شخصًا، واكتشفوا أن أغلب الزيادة أو النقصان في النشاط الجيني تحدث ما بين 7 ساعات إلى 14 ساعة بعد الوفاة.

وأوضحت أن استجابة الكائنات الحية للموت تعتمد تمامًا على الأنسجة، وأن نشاط أكثر من 600 جين عضلي يزداد بعد الوفاة، فضلًا عن حدوث تغيُّر طفيف في نشاط الجينات في الدماغ أو الطحال، مشيرةً إلى أن "من أمثلة ذلك ما حدث في الدم، إذ إن انخفاض النشاط الجيني المسؤول عن إنتاج كلٍّ من الحمض النووي (DNA) والاستجابة المناعية، وعمليات الأيض حدد وقت الوفاة قبل حوالي 6 ساعات من حفظ العينة.

10 دقائق تكفي

يقول "بيدرو فيريرا" -أحد الباحثين الرئيسيين في الدراسة، والأستاذ بمعهد علم الأمراض الجزيئية والمناعة التابع لجامعة بورتو بالبرتغال- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هذه الدراسة ستساعد خبراء الطب الشرعي على تحديد التوقيت الفعلي للوفاة بدقة عالية جدًّا، بنسبة خطأ لا تتجاوز ١٠ دقائق بالزيادة أو النقصان.

وأضاف أن "رصد التعبير الجيني في أنسجة مختلفة من جسم الإنسان بعد وفاته يمكن أن يوفر، وبدقة عالية، اللحظة الزمنية التي مات فيها الشخص، وتابع قائلًا: "لقد لاحظنا زيادةً في التعبير الجيني لدى عدد من الجينات بعد الوفاة مباشرة، واستمرت تلك الزيادة لفترة امتدت من ٧ ساعات إلى ١٤ ساعة .وبعد مرور ٢٤ ساعة، بدأت التغيرات التي تطرأ على التعبير الجيني تستقر على نحوٍ ملحوظ".

ويُرجع "فيريرا" تعرُّض بعض الأشخاص الذين يلجأون إلى عمليات زرع كبد أو كلى بالسرطان للخطر على الرغم من حصولهم على تلك الأعضاء من أشخاص كانوا أصحاء قبل وفاتهم، إلى "زيادة نشاط التعبير الجيني لبعض الخلايا والأنسجة بعد الموت"، وفق قوله.

الكفاح بعد الموت

وكانت دراسات سابقة قد تناولت نشاط الخلايا والأنسجة البشرية بعد الموت، منها دراسة نشرتها دورية "رويال سوسايتي أوبن بيولوجي"، مشيرةً إلى أن "نشاط الخلايا داخل الجسم استمر لـ96 ساعة بعد الوفاة في بعض الحيوانات التي خضعت للتجارب".

وقالت الدراسة إن "التعبير الجيني يزيد في بعض الحالات بعد الوفاة"، موضحةً أنه "بعد وفاة الكائن الحي لا تموت كل الخلايا؛ إذ تكافح بعض الخلايا من أجل أن تعيش، خاصةً الخلايا الجذعية".

كما انتهت دراسة أعدها باحثون في جامعة واشنطن إلى أن بعض الجينات البشرية تستمر في النشاط مدةً تزيد على 24 ساعة؛ إذ تعمل الجينات النشطة في الخلايا الحية على تشكيل نسخ مؤقتة من الأوامر الجينية على شكل أحماض أمينية RNA، وبالتحليل توصل الباحثون إلى أدلة على استمرار نشاط 1063 من الجينات لدى الفئران وسمك الزرد (السمك المخطط) بعد نفوقها.

وشدد الباحثون على أن "ذلك يمكن أن يساعد على استخلاص هذه الجينات واستزراعها أو استنساخها لاستخدامها في العلاج وزرع الأعضاء بعد وفاة الإنسان، فضلًا عن إمكانية استزراع الخلايا الجذعية من الأذن الداخلية عند الفئران، واستزراع خلايا النسيج الضام لدى الماعز".

ووفق الدراسة، التي اعتمدت على تحليل الدم والكبد لأنسجة آلاف الحيوانات، متضمنةً الفئران والجرذان والأسماك، فإن الجينات عاشت لمدة أيام بعد وفاة تلك الكائنات، وهي النتائج التي يمكن استغلالها أيضًا في التحليلات الجنائية وعمليات الطب الشرعي، وتحديدًا في معرفة الوقت الذي توفي فيه الشخص بشكل دقيق، إذ نجح الباحثون بالفعل في التقاط صورة جينية لإحدى الجثث واستخدامها لتحديد الوقت الذي مضى على وفاة الشخص.

من جهته، يقول "هشام محمد" -أستاذ الطب الشرعي بجامعة القاهرة وعضو اللجنة القومية للسموم- لـ"للعلم": "إن بعض الجينات بالفعل تظل حيةً ونشطةً بعد وفاة الكائن الحي، وهو ما سبق أن تعرضت له دراسات سابقة، ولكن ليس بالتفصيل الذي توصلت إليه تلك الدراسة الحديثة"، مضيفًا أن "بعض جينات الخلايا تظل نشطةً لمدة تتراوح ما بين ٢٤ ساعة إلى ٤ أيام بعد الوفاة".

وأضاف أن "هناك دراسات سابقة أكدت أن بعض الجينات التي لم تكن نشطة في حياة الكائن الحي تنشط بعد وفاته، ومنها الجينات المقاومة للتوتر والمقوية لجهاز المناعة"، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن تحلُّل الجسد بعد الموت يجعل نشاط هذه الجينات غير ذي فائدة.