في أثناء ممارسة الجنس، تقطع ملايين الحيونات المنوية رحلة شاقة عبر قنوات فالوب لتخصيب البويضة، لكن حيوانًا منويًّا واحدًا يبلغ الهدف. وعلى الرغم من أن الحيوانات المنوية الأسرع والأكثر قدرةً على الوصول إلى البويضة أولًا هي التي تبلغ الهدف، إلا أن دراسة جديدة كشفت أن بويضة المرأة لها الكلمة الأخيرة في تحديد الفائز بالسباق، إذ تختار حيوانًا منويًّا واحدًا وفق آلية كيميائية محددة.

تكشف الآلية الجديدة عن اتصال كيميائي بين الجهاز التناسلي للأنثى والحيوانات المنوية للرجل. ويبدو أن هناك تحيزات معينة للإناث تحكم عملية اختيار الحيوان المنوي الفائز بالسباق، وفق نتائج الدراسة.

ذكر الباحثون في الدراسة التي قادها علماء بجامعة ستوكهولم في السويد، أن الآلية الجزيئية التي تشكل أساسًا لاختيار الحيوانات المنوية بواسطة البويضة لم تكن معروفةً بشكل واضح قبل خروج نتائج دراستهم إلى النور.

وأوضحت الدراسة التي نُشرت مؤخرًا في دورية (Proceedings of the Royal Society)، أن بويضات المرأة تطلق موادَّ تُدعى "جاذبات كيميائية" Chemoattractants عبر السائل الجريبي الذي يُحيط بالبويضة لجذب الحيوانات المنوية وتوجيهها إلى هدفها. وأن هذه العملية تختلف باختلاف الرجال، إذ يمكن أن تكون أقوى مع بعضٍ دون غيرهم. ويوفر السائل الجريبي عوامل التغذية التي تساعد على نمو البويضات، ويُعد مصدرًا للبروتينات التي تؤدي دورًا حاسمًا في عملية الإخصاب؛ إذ تنظم البيئة الخارجية والداخلية للبويضات.

وتُعد هذه الآلية إحدى الوسائل واسعة الانتشار للاتصال عن بُعد، وتزيد بدورها من كثافة الحيوانات المنوية حول البويضات غير المخصبة لدى الحيوانات. ووفقًا للدراسة، فإن رؤوس الحيوانات المنوية مزودة بمستقبِلات للروائح تمكنها من الاستجابة للجاذبات الكيميائية في السائل الجريبي للبويضة. فالبويضات لديها القدرة على إفراز مواد كيميائية لزيادة أو إبطاء سرعة سباحة الحيوان المنوي تجاهها.

توافق كيميائي

ولإجراء دراستهم، استخدم الباحثون بقايا من السائل الجريبي وعينات من الحيوانات المنوية مأخوذة من 16 زوجًا يخضعون للعلاج التناسلي المساعد للإنجاب، في مستشفى "سانت ماري" في إنجلترا.

وعلقت آمال محفوظ، رئيس قسم التوليد وأمراض النساء بكلية طب جامعة طنطا، لـ"للعلم": إن هذه التجربة تحتاج إلى التطبيق على رقم ذي دلالة إحصائية ليتضمن 100 شخص على الأقل، يعيشون في بلدان متعددة وبيئات متنوعة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وجغرافيًّا؛ حتى نجزم بصحة هذه الفرضية. وإن كانت قد شددت على أن نتائج الدراسة جيدة جدًّا ويمكن أن تُحدث تأثيرًا في الكشف عن أسباب العقم غير المسوَّغ لدى الأزواج إذا ثبتت صحتها في دراسات تتضمن عددًا كبيرًا من البشر.

وكان باحثو الدراسة قد اختبروا استجابة الحيوان المنوي للجاذبات الكيميائية في السوائل الجرابية التي تحيط بالبويضات، وما إذا كانت تلك الجاذبات قد أثرت في الحيوانات المنوية من بعض الذكور أكثر من غيرهم.

يقول جون فيتزباتريك -قائد فريق البحث- لـ"للعلم" إن دراستهم توصلت إلى أن السوائل الجرابية المحيطة بالبويضات تجذب نسبةً أكبر من الحيوانات المنوية للذكر الذي تفضله بمقدار يتراوح بين 18 و40%. وأضاف أن قدرة البويضة على انتقاء الحيوانات المنوية لبعض الرجال دون غيرهم، كان واضحًا جدًّا، ولكنهم حتى الآن لا يعرفون السبب.

وعن أهمية النتائج قال: "فهمنا لطبيعة هذه العملية في أثناء التخصيب داخل الجهاز التناسلي الأنثوي مهم جدًّا؛ نظرًا إلى أن جزءًا صغيرًا فقط من الحيوانات المنوية يصل إلى البويضة بعد ممارسة الجنس".

وأشار إلى أن بعض الأزواج قد يواجهون مشكلة عدم وجود توافُق كيميائي بين الحيوانات المنوية والسائل الجريبي، ما يجعل حدوث الحمل صعبًا. مضيفًا: "لم نكن نفكر في كيفية تأثير الإشارات الكيميائية على تفاعلات البويضة والحيوانات المنوية من قبل، وستساعد هذه النتائج على فتح الباب للنظر في هذا الأمر مستقبلًا".

وعادةً ما ترسل ذكورالحيوانات في مرحلة ما قبل التزاوج مجموعةً من الإشارات والمثيرات الصوتية أو البصرية أو حتى الكيميائية للتعبير عن مدى قدرتها وعن وجود توافق جيني بين الطرفين. وتستمر عملية التواصل هذه إلى ما بعد مرحلة التزاوج، كما تُظهر نتائج الدراسة، وإن كانت تقتصر على التواصل الحسي الكيميائي بين الحيوانات المنوية والبويضات.

وعن محددات هذا التوافق الجيني، أشار "فيتزباتريك" في تصريحات صحفية، إلى أن أحد العوامل يكمن في مجموعة من الجينات يُطلق عليها اسم "معقد التوافق النسيجي الرئيسي" .

وأوضح أن وظيفة تلك الجينات هي مكافحة العدوى والأمراض، ومساعدة جهاز المناعة على أداء دوره بكفاءة، و"كلما كانت تلك الجينات أكثر تنوُّعًا، زاد تنوُّع أنواع العدوى التي يمكنك مكافحتها"، وإذ إن الثدييات، ومن ضمنها البشر، مبرمجة لإعطاء نسلها أفضل فرصة للبقاء، فقد طورت أجسادنا مختلف أنواع الطرق لمكافأة الشريك الأقوى، والأكثر تنوعًا، والأكثر توافقًا.

ووفقًا للدراسة، فإن "الجاذبات الكيميائية" التي تطلقها البويضة لاختيار الحيوان المنوي المفضل لتخصيبها، تسهل أيضًا عملية التوافق الجيني أو "معقد التوافق النسيجي الرئيسي" (MHC) اللازمة لحدوث الإخصاب، وبالتالي فإن التوافق الجيني قائم على تفضيل البويضات لحيوانات منوية من رجل معين على حيوانات أخرى من رجل آخر (بغض النظر إن كان ذلك هو الشريك أم لا)، وبالتالي فإن ذلك يمكن أن يفسر بعض الغموض حول حالات العقم غير المسوَّغ التي تحدث لدى الأزواج. يشار إلى أن نسبة عالية (32٪) من الأزواج الذين يخضعون لعلاجات الخصوبة في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، يعانون من سبب غامض لعدم الإنجاب.

اختيار خفي

ووفق الدراسة، فإن ما كان يُعرف قبل هذه النتائج، أن الاتصال الكيميائي بين البويضات والحيوانات المنوية أمرٌ بالغ الأهمية لعملية الإخصاب، فبينما تشق الحيوانات المنوية طريقها نحو البويضات، يتأثر سلوك الحيوان المنوي بالإشارات المنبعثة من البويضات غير المخصبة أو الجهاز التناسلي للأنثى، ما يؤدي إلى الرأي التقليدي بأن الإشارات الكيميائية تعمل فقط لتوجيه الحيوانات المنوية إلى البويضات.

لكن نتائج الدراسة تتحدى هذه الفكرة القديمة؛ إذ اكتشف الباحثون أن تراكم السائل المنوي في السائل الجريبي يعتمد على تركيبات محددة من السائل الجريبي والحيوانات المنوية، وأن السائل الجريبي يجذب الحيوانات المنوية وفق تفضيلات لذكور معينة عن أخرى.

وتشير استجابات تراكم الحيوانات المنوية غير العشوائية والمتكررة التي اكتُشفت إلى أن الاتصال الكيميائي بين البويضات والحيوانات المنوية يتيح للإناث ممارسة "اختيار خفي" يقوم من خلاله بتخصيب البويضات.

وعن آلية هذا الانتقاء، أوضح "فيتزباتريك" أن البويضات تترك مسار تنقُّل كيميائيًّا مثل "فتات الخبز"، تستخدمه الحيوانات المنوية للعثور على البويضات غير المخصبة، وتتفاعل تلك المسارات بشكل مختلف مع الحيوانات المنوية من ذكور مختلفين، وبالتالي، "فهي تختار أي حيوان منوي سيكون عالي الجودة ومتوافقًا معها وراثيًّا، ومن هذه النتيجة نستنتج أن بويضة المرأة قد لا تتفق دائمًا مع الشريك الذي تختاره المرأة نفسها لعملية الإنجاب".

وعن خطواتهم المستقبلية، قال "فيتزباتريك": "أثبتنا أن البويضات تختار حيوانات منوية بعينها، بقي أن نعرف السبب. نسعى أيضًا للتعرف على إشارات الحيوانات المنوية أو سماتها المهمة لاختيار البويضة كخطوة أساسية أخرى".

ووفق الدراسة، فإن الخطوة التالية الحاسمة أمام الفريق هي تحديد ما إذا كانت هذه التأثيرات التفاعلية بين الإناث والذكور هي سمة شائعة لتكاثر الثدييات، وضمنها البشر الذين لا يخضعون لعلاجات الخصوبة المساعدة (على الرغم من أن هذا يمثل تحديًا لوجستيًّا وأخلاقيًّا)، بالإضافة إلى دراسة إمكانية اختيار رفيق بناءً على الخلايا الجنسية أو الأمشاج، للتأثير على جودة الجنين بيولوجيًّا.

دليل يستند إلى تجربة

من جانبه، قال محمد إيهاب سليط، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية طب قصر العيني: إن النتائج التي توصلت إليها الدراسة أضافت إلينا معلومات جديدة حول طريقة تخصيب البويضة، تستند إلى دليل علمي مدعوم بتجربة على البشر، ويمكن أن تفسر سبب العقم غير المُسوَّغ الذي يحدث لدى عدد من الأزواج، وعند انفصال أحدهما وزواجه بآخر يحدث الحمل مباشرةً دون عوائق.

وأضاف في حديث لـ"للعلم"، أنه وفقًا لنتائج الدراسة، فإن السائل الجريبي للبويضة، هو الذي يؤدي هذا الدور المحوري ويجذب حيوانًا منويًّا بعينه ويسمح له باختراق البويضة وتخصيبها، وما كنا نعرفه قبل هذا البحث أن هذا السائل يحتوي على هرمونات ومغذيات للبويضة فحسب، لكن الدراسة أثبتت أنه يؤدي دورًا محوريًّا في عملية التخصيب.

وهناك أسباب للعقم غير المُسوَّغ قد لا تجد سبيلًا لتشخيصها بسهولة، منها عدم قدرة الحيوان المنوي للرجل على اختراق البويضة، بالإضافة إلى سوء نوعية بطانة الرحم لدى السيدات، وبالتالي لا تتوافر لديها بيئة مناسبة لدعم البويضة الملقَّحة ورعايتها، كما أن الهرمونات لدى بعض السيدات قد لا تدعم الجنين في مراحله المبكرة جدًّا، وبالتالي يحدث إجهاض للحمل، وفق "سليط".

يقول البروفيسور دانيال بريسون ، المدير العلمي لقسم الطب التناسلي في مستشفى سانت ماري،  والمؤلف الرئيسي لهذه الدراسة في بيان صحفي حول أهم نتائج الدراسة: "إن فكرة اختيار البويضات للحيوانات المنوية جديدة حقًّا فيما يتعلق بمعرفتنا بآلية عمل الخصوبة لدى الإنسان". وأضاف البروفيسور الفخري بجامعة مانشستر: "إن البحث حول طريقة تفاعل البويضات والحيوانات المنوية سيعزز من علاجات الخصوبة في المستقبل، وقد يساعدنا في نهاية المطاف على فهم بعض أسباب العقم غير المسوَّغة في الوقت الحالي".